منسيّو حيّ السلّم
يقع "حي السلّم" اليوم ضمن نطاق ثلاث بلديّات. هذا الحيّ هو الأكثر اكتظاظًا في ضاحية بيروت الجنوبية. قتلت إسرائيل 80 من سكّانه المنسيّين يوم الأربعاء الدامي (8 نيسان/أبريل 2026) خلال دقائق معدودة.
يقع "حي السلّم" اليوم ضمن نطاق ثلاث بلديّات. هذا الحيّ هو الأكثر اكتظاظًا في ضاحية بيروت الجنوبية. قتلت إسرائيل 80 من سكّانه المنسيّين يوم الأربعاء الدامي (8 نيسان/أبريل 2026) خلال دقائق معدودة.
تحت المُسيّرات الإسرائيلية فوق رؤوسنا ورؤوس السكان الذين ما زالوا هناك برغم الدمار والإنذارات، دخلنا إلى حي السلم، على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت، بعد أيام من استهداف خمسة مواقع سكنية في الحي في سياق مئات الاستهدافات الجويّة التي طالت لبنان خلال عشر دقائق، فقتلت أكثر من 350 شخصًا وجرحت أكثر من 1220 في 8 نيسان/أبريل 2026.
أعادت زيارتي إلى الذاكرة زيارة سابقة إلى المكان بعد اتفاقية وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، في باص لنقل الركاب من قرى البقاع الغربي إلى بيروت. كان نصف الركاب يومذاك من ثلاثة قرى في البقاع الغربي، يقطنون في هذه المنطقة منذ أيام الحرب الأهلية واحتلال إسرائيل لمنطقة البقاع الغربي في ثمانينيات القرن القرن الماضي.
بدا المشهد مشابهًا؛ اكتظاظ المارة والدراجات النارية والمحال التجارية الصغيرة وأشرطة الكهرباء التي تمتد بين شرفات المنازل المتلاصقة. لا مكان يغادر السكان إليه. تخبرنا إحدى الناجيات من المجزرة في منطقة "الأجنحة الخمسة" في حي السلم أنّها نزحت إلى هناك أساسًا من "أوتوستراد السيد هادي" في الضاحية الجنوبية لبيروت.
زُرنا مباني مدمّرة جزئيًا ما زال سكانها فيها لأن لا مكان يذهبون إليه. الدمار في نهر الغدير يُضاف إلى المشهد المعتاد من النفايات التي تحيط به. والسكان هم نفسهم، كلٌّ وجهه مألوف للآخر. كلّهم أبناء الحي ويهمّون بإخبارنا عن ساعة الواقعة. يقصّون علينا كيف أنقذوا أرواحًا ونقلوا أشلاء أو جثثًا بأيديهم مع صعوبة وصول فرق الإنقاذ وآلياتها فورًا.
في هذه المنطقة المكتظة التي لم يطلها الإنذار الإسرائيلي لمنطقة الضاحية قبل الثامن من نيسان/أبريل، 80 شهيدًا ارتقوا في غضون دقائق. كيف استحال المشهد على هذا النحو في الحي الممتد على نطاق ثلاث بلديات (المريجة والحدت والشويفات)، والذي لا يغادره سكانه حتى تحت القصف؟
بدأت رحلة الحيّ في الخمسينيات والستينيات، قبل اكتساب اسمه، كملجأ للعائلات ذات الدخل المحدود التي نزحت إليه من البقاع والجنوب باحثة عن مأوى في المنطقة المُمتدة ضمن نطاق بلدية الشويفات، بين مطار بيروت الدولي والمنطقة الصناعية في الشويفات.
يُفيد بحث أكاديمي للمُخططة المدينية، منى فواز، بأن طبيعة الأراضي في الشويفات التي كانت أقل جاذبية وبالتالي أقل عرضة للمضاربة في تلك الفترة، أتاحت الفرصة للمهاجرين للقدوم بعدما قام رجل أعمال بتقسيم الأراضي بشكل غير قانوني وبيعها إلى المهاجرين الجدد. استقبل حي السلّم المهاجرين الريفيين من مناطق لم تنل اهتمام الدولة اللبنانية بمختلف مراحلها، كبعلبك والهرمل وغيرها، بسبب الحروب المتتالية على لبنان، الداخلية والإسرائيلية، إلى جانب العمال السوريين والأجانب.
كانت الأرض عبارة عن مرتفعات تضم نحو 15 جلًّا من الزيتون وتُشبه السلّم، فأُدرجت في الخرائط العقارية كمنطقة تحمل اسم "حي السلم"
تدرّج التطور العمراني منذ منتصف الخمسينيات تقريبًا ليحلّ مكان المساحات الزراعية التي كانت مليئة بالزيتون والليمون، حتى أصبح الحيّ من أكثر المناطق السكنية اكتظاظًا في ضواحي العاصمة، إذ قُدرّت الكثافة عام 2000 بنحو 1200 نسمة للهكتار الواحد. أما الآن، فيتجاوز عدد سكان الحيّ 250 ألفًا في مساحة تبلغ نحو 2.7 كلم مربعًا تقريبًا.
في مقابلةٍ مع جريدة "السفير"، يروي أول السكّان في المنطقة، فوزي حيدر، كيف تركَ قريته البعلبكية بريتال عام 1952 هربًا من الحرمان الذي لاحقها ومن قضايا ثأر لاحقته، فقصدَ المنطقة الحرجية الهادئة التي تحولت إلى "حي السلم" الحالي. في تلك الفترة، بدأت موجات النزوح تتوالى، من مناطق الجبولة واللبوة والهرمل البقاعية حتى عام 1967، حتى بلغ عدد المنازل المشيّدة في الحي القديم نحو 40 منزلًا. وكانت العائلات تبيعُ فدّانًا من أراضيها في البقاع أو بقرةً لتعيش بثمنها في منطقة حي السلم الحرجية. ثم، مع تحوّل الشويفات إلى منطقة صناعية في الخمسينيات والستينيات، توفْرت فرص العمل للريفيين ذوي الدخل المحدود، ما سهّل عليهم الاستقرار في المنطقة.
عام 1970، بدأ فتح الطرقات الوعرة وإزالة نبات الصبّار، لتبدأ المنطقة في التشكّل كعشوائيات، وكانت تُعرف باسم "العمروسية" وتتبع منطقة الشويفات. وكانت الأرض عبارة عن مرتفعات تضم نحو 15 جلًّا من الزيتون وتُشبه السلّم، ما دفع فوزي حيدر، الذي كان يعمل في التنظيم المدني في الستينيات، إلى إدراجها في الخرائط العقارية كمنطقة تحمل اسم "حي السلم".
تشكّل الحي في بداياته من خلال أحياء فرعية يضم كل منها عائلة واحدة أو نازحين من قرى متقاربة جغرافيًا، لكل منها لجان تهتم بتسيير شؤونها، إلى جانب مشاريع تعاونية لتمديد شبكات الصرف الصحي. ولم يتجاوز عدد العائلات 500 عائلة في العام 1975.
ثمّ بدأ بناء أكواخ من مواد بسيطة، تحوّلت بحلول منتصف السبعينيات إلى مبانٍ سكنية متعددة الطوابق، تتبع غالبًا لعائلة واحدة، قبل أن يصبح قطاع البناء جذابًا للمطوّرين الذين بدأوا ببناء مجمعات سكنية وبيعها، بحسب فواز، إلى فئات من الطبقة الوسطى المتدهورة التي لم تعد قادرة على تحمّل كلفة السكن في الأحياء المنظمة. وفي الثمانينيات، تسارع التوسّع العمودي وازدهر سوق الإيجارات، وظهرت مجمعات سكنية لا ترتبط بعائلة أو قرية واحدة.
شارع الزهراء، منطقة سكنية حيث قتلت غارة إسرائيلية أكثر من 20 شخصًا
في أواخر الستينيات لجأ جنوبيون من قرى حدودية إلى حي السلم هربًا من القصف الإسرائيلي المتكرر لقراهم، واستمر هذا النزوح مع الاجتياحين الإسرائيليّين عامي 1978 و1982. ونُقلت قرى أو عائلات مصغّرة إلى تلك المنطقة، فاكتسبت أحياء منه أسماء قرى جنوبية كحي الهبارية وحي عيترون وحي مارون الراس.
وبحسب جريدة "السفير"، بدأ النزوح العيتروني (نسبةً إلى بلدة عيترون الحدودية التي دمّرت إسرائيل معظمها خلال الحرب الحالية) في العام 1980، حيث اشترى النازحون الأراضي وبنوا عليها، وتوالى وصول مهجرين آخرين هربًا من اعتداءات "جيش لحد" (المتعامل مع الاحتلال).
وخلال الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وصل الجيش الإسرائيلي إلى المنطقة وتعرّض الحي للقصف، كما استُهدف لاحقًا خلال حرب نيسان/أبريل 1996. وقبل انتهاء حرب 2006، أُنذر سكانه بالمغادرة تمهيدًا لقصفه.
خلال الحرب الأهلية، توسّع السكن ليشمل ضفاف "نهر الغدير" الذي يصل إلى الحي بعد مروره بوادي شحرور وكفرشيما، ويحمل معه مياه المجارير والنفايات الصلبة والجامدة ونفايات المعامل المتنوعة، من معامل المعادن والسيراميك والبلاط وغيرها، وهو ما سهّل طوفان النهر في فصل الشتاء، خصوصًا بعد فشل مشاريع بناء جدران على ضفتيه عام 1993، فضلًا عن انفجار شبكات الصرف الصحي غير المنظمة بشكل متكرر.
وخلال الفترة نفسها، أُضيفت طوابق إلى المنازل القديمة، بينما بقيت منازل كثيرة عرضة للغرق بالمياه الملوثة. ففي حادثة كارثية عام 1998، مثلًا، اجتاحت المياه المنازل وارتفعت لأكثر من 110 سنتمترات، علمًا أن الحي شهد حوادث مماثلة خلال الشتاء في أعوام أخرى.
نهر الغدير يتوسط الدمار في شارع الزهراء
تعاملت الدولة مع المنطقة كمساحة قابلة للتوسّع على حساب سكانها، فطُرحت مشاريع كبرى مثل توسعة المطار وشق الطرقات، ومنها مشروع خُطّط عام 1973 لبناء تقاطع الطرق السريعة بعرض 70 مترًا في وسط حي السلم كان يُفترض أن يزيل جزءًا كبيرًا من الحي ويهدم مئات المنازل، لكنّ الحرب الأهلية والدعم الذي قدّمته أحزاب سياسية لسكان الحي لاحقًا كانا من العوامل التي أوقفت تنفيذ المشروع. وفي 1995، طُرح مرسوم يرمي إلى استملاك الدولة نحو 4 آلاف شقة سكنية في حي السلم لجهة المطار بهدف نقل ثكنة عسكرية وقاعدة جوية للجيش اللبناني إلى قرب المطار.
كما ظهر مشروع إقامة محرقة نفايات عام 1981 في منطقة تفتقر أساسًا إلى الخدمات، فرفضه الأهالي وشكّلوا لجانًا لمواجهته. لكن الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 أوقف التحرك، فمر المشروع لاحقًا وبُنيت المحرقة عام 1992 بعد انتهاء الحرب الأهلية مباشرةً. وبعد تشغيلها، نظم الأهالي احتجاجات انتهت بإحراقها عام 1997 إثر ندوة حول مخاطرها الصحية والبيئية عليهم.
تحوّل حي السلم إلى منطقة عشوائية مكتظة، كانت تضم نحو 5% من سكان لبنان عام 2000، وذلك توازيًا مع تدهور الخدمات وغياب البنى التحتية وارتفاع معدلات الأمراض المرتبطة بالتلوث والكثافة السكانية. لم يشمل الحيّ قانون إنماء الضواحي عام 1993، وبقي خارج أي خطط تطوير، فيما تطغت على الحياة اليومية لسكّانه مشاهد الشوارع المغمورة بالمياه والحفر التي يعود سببها إلى الطبيعة الرملية للتربة.
يقع الحي اليوم ضمن نطاق ثلاث بلديات هي الحدت والمريجة والشويفات، ما يجعل عملية الإنماء في الحي صعبة، فضلًا عن صعوبة تنظيم الاكتظاظ فيه ضمن نطاق عملٍ بلدي، علمًا أن الضربات الإسرائيلية الأخيرة لا تقع ضمن نطاق اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية، كما أن سجلات معظم السكان لا تزال في قراهم البقاعية والجنوبية.