"أهرب إلى شجر الجنوب وأحنّ لأحراج زفتا. هذا الحنين والهروب أصبحا مختلفين اليوم. بات الحنين أقوى وكذلك الحاجة إلى الهروب. صرنا نزور الجنوب غير آبهين بشيء. لا لشيء سوى لخوفنا من أن تشتّد الحرب من جديد فنُحرم من هذه النعمة".
كتبت هذه الكلمات في الشهر العاشر من العام 2025، في مدوّنة عن المسيّرات وصوت المسيّرة الذي ينخر رؤوسنا. كنت في ذلك التاريخ قادرة على الهروب للجنوب لأجمع في قلبي وعقلي صورًا منه وذكريات، تعينني على التعامل مع الحنين. ثمّ اشتدّت الحرب من جديد. هي لم تتوقف منذ إعلان وقف إطلاق النار لأنّ إسرائيل استمرّت في قتلنا، ولكن ها نحن نشهد نزوح أهلنا من جديد. نقف عاجزين أمام ارتجاف أجسادهم في الخيم المشرّعة على البحر. عاجزين أمام كرامتهم وعزّة نفسهم، وأمام عبارة "بيتي أحلى".
اليوم أكتب عن عجزي أمام أهلي وناسي، عن دموعي المكبوتة كصحافية أمام أب وضع روحه بين راحتيه وقطع وعدًا لرفيق دربه المسعف الشهيد بأنه لن يترك أهل بلدته. فأراه اليوم يجول في سيّارة الإسعاف بين المجازر التي ترتكبها إسرائيل، وفي صدره حنين لطفلتيه، واحدة منهما لفظت كلمة "بابا" لأوّل مرّة عبر الهاتف، وهي نازحة مع أمها بعيدًا عنه. ينشر صورهم على "واتساب" ويقول "إلكن فقدة". أفكّر طوال اليوم في هذا المسعف. قتلت إسرائيل منذ بداية الحرب أكثر من 30 مسعفًا. كلّ النازحين الذين أعرفهم، وكل من هاتفتهم أو قابلتهم، أخشى أن يصيبهم مكروه. أخشى أن يصبحوا أهدافًا لإسرائيل.
عدد الشهداء يكاد يصل إلى ألف. حتى لحظة كتابتي لهذه المدونّة كان 826. 826 روحًا لم يتسّن لها أن تودّع أحبابها.
أشعر بالعجز أمام أم تحمل طفلها بين يديها قائلة "هالحلو كنت حامل فيه بالحرب الماضية، واليوم أنا نازحة بمدرسة من جديد"، وأمام مسنّة نازحة إلى مدرسة تعاني من السرطان، تكبت آه الألم كي لا تزعج من يجاورونها في الغرف و"الحمد لله" لا تفارق ثغرها المبتسم، ومن عائلة متعفّفة من سبعة أفراد يغفون جميعًا في سيارة، تخفّف الأم عن الأولاد منهم البرد بقطعة ثياب.
أكتب عن الحنين للجنوب. أشتاق للنبطية وبي حنين لزفتا وشجر زفتا. ليلة اشتداد الحرب كنت أخطّط لزيارتي الأسبوعيّة للنبطية. استيقظت في اليوم التالي وبدأتُ البحث عن مكان آمن يستقبل من أحبّهم، فيما كنت بالأمس أخطط للإفطار على سفرتهم في الجنوب.
أرى منشورًا على إحدى المنصّات يقول: "ماذا أفعل في الحرب؟ ألتصق بمن أحبّ أكثر فأكثر"
"صبّح أهالي النبطيّة"، روح الروح وقبلة القلب. من جديد تُبعدني إسرائيل عن المدينة التي لا أنتمي لها في قيد نفوس، ولكن "يمه مويل هوى النبطيّة". اليوم باتت زيارة النبطيّة محصورة في تغطية إعلامية، مقيّدة بخطر التنقّل والتصريحات الأمنيّة. يؤلمني أنّنا نعيش هذه التفاصيل من جديد. الخوف من أن تطول الحرب. أفكّر في شوارعها، ويؤلمني أنّ أفكّر أنّي لن أزورها بعد أن تضع الحرب أوزارها، لأنّي أخشى على صورتها الجميلة في رأسي. لن أزور صديقي ـــ الذي أجّلت مرارًا اللقاء به لانشغالي، واليوم يأكلني الندم ـــ بعد خسارته أفرادًا من عائلته. أخشى أن أبكي أمامه فيُجيبني بحمده الله، بينما لا يفارقني سؤال لله؛ كيف ما زالت السماء تمطر وأنت ترى؟
لم أخسر بيتي في الجنوب. أنا في الحقيقة لا بيت لي هناك، بل بيوت متناثرة بين صور والنبطيّة إلى جانب بيت في الضاحية. لي في كل من هذه البيوت ذكرى، لكنّي أخشى عليها من الرماد ورائحة الموت. أشعر بالخجل عندما أكتب عن حنيني للجنوب، فيما جلّ أهله نازحون، ومنهم قلقون من احتمال أن يقرّر صاحب الملك أو البلديّة طردهم في أي لحظة. أشعر بالخجل عندما أشكو لصديقتي التي سرقت إسرائيل منزلها وذكرياتها في الحرب السابقة، فيما الخوف يتملّكها اليوم من أن يحرمها الاحتلال زيارة بلدتها، بليدا، مرّة أخرى. هذا الحنين والخوف من أنّ يطول الفراق متعب.
أجول بين مراكز الإيواء. أقول للنازحين إنّي من الجنوب، فينشرح قلبهم. يبادروني بالسؤال عن عائلتي. "صايمة؟ شو نضيّفك؟". "رح اعمل مسبحة دعاء كرمالك". كيف لي أن أشرح لزملائي الذين أشاركهم مقاعد الدراسة ممن يحظون بنعمة الأمان في قراهم وبلداتهم ـــ ولله الحمد ـــ عن معنى الحنين للجنوب، ورقّة أهله، واختناقي في بيروت كلّما طال البعد عنه؟ كيف أخبرهم عن هذا الغضب والألم على حالنا اليوم؟ هذه حالة من الحبّ يصعب علينا شرحها، نحن الجنوبيّون.
رائحة البارود من فعل الصواريخ على الضاحية تدفعني لإغلاق نوافذ المنزل. لكنّ عصافير الحيّ في منطقة فرن الشباك تُغرّد اليوم، فتنكأ جرحًا في صدري: حنين للجنوب. كيف بات مشوار أسبوعي لدياري معقدًا إلى هذا الحد؟ أرى منشورًا على إحدى المنصّات يقول: "ماذا أفعل في الحرب؟ ألتصق بمن أحبّ أكثر فأكثر". من أُحبّ بات يصعب عليّ الالتصاق بهم، بل يصعب لقاؤهم اليوم. أحتاج لألف عناق منهم واعتذار لهم لأنّي هنا، بأمان، فيما قلوبهم على أحبابهم وبلداتهم ومنازلهم.
"فيا رايح صوب جنوبي... دخلك وصّلّي السلام".