صعبٌ تخيّل سيناريو تخرج بموجبه إيران من الحرب من دون أن تكون قد تعرّضت لأذىً بليغ. ذلك أن إسرائيل ــ لا حكومتها فحسب، بل أحزابها الوازنة كلّها وغالبية الرأي العام فيها ـــ ترى في اللحظة الحالية مخاضًا يتشكّل بعده مستقبل المنطقة لعشرات السنين. وما يرفع من هذا الاحتمال هو أن اللحظة هذه هي نتاج أوّل حرب تكاتفت في خوضها الآلتان العسكريّتان، الأميركية والإسرائيلية، منذ نشأة الدولة العبرية.
ليس ضروريًا انتظار نتيجة الحرب حتى نزعم بأن مستقبل الشرق الأوسط سيتغيّر. فهذا سيحدث بمعزل عن النتيجة تلك، سواء تمثّلت بتحطيم الدولة الإيرانية أم بتجاوزها الجهنّم الذي يُهيأ لها. بل يمكن القول إن نتيجة الحرب ستؤثّر على النظام الدولي برمته. إذ قد تؤدي إلى ترميم النظام الحالي (المتداعي)، وقد تؤدي في المقابل إلى انفلاتٍ تام من الضوابط التي أُرسيت بعد الحرب العالمية الثانية، أو إلى رسوخ شكلٍ جديد من الهيمنة الأميركية ـــ الإسرائيلية تكون أكثر دموية وافتراسًا، أو إلى تحقيق توازن دولي لا يصبّ في مصلحة أي من واشنطن وتل أبيب.
قبل الحرب بأسبوع تقريبًا، صدر تقرير سري عن "مجلس الاستخبارات الوطنية" (National Intelligence Council) الذي يزّود وكالات الاستخبارات الأميركية الثماني عشرة بتقييمات دورية. خلص التقرير (المسرّب لاحقًا) إلى أن هجومًا واسع النطاق تشنه الولايات المتحدة على إيران لن يُطيح، على الأرجح، بالمؤسّستين العسكرية والدينية فيها (لم يتطرّق التقرير إلى احتمال إرسال قوات برّية أميركية). كذلك توقّع أن يردّ النظام الإيراني على اغتيال المرشد الأعلى باتباع بروتوكولات مُصمّمة للحفاظ على استمرارية السلطة، واستبعد إمكانية حلول المعارضة الإيرانية المشرذمة مكان هذا النظام.
يبدو التقرير مصيبًا في توقّع مآل الأمور حتّى الآن، علمًا أن لا شيء يؤكّد أن الأمور ستسير بخلاف رغبة واشنطن وتل أبيب بعد. جون ميرشايمر، المنظّر المعروف في العلاقات الدولية، يقول مثلًا إنّ "الأميركيين والإسرائيليين سيُحبَطون بسبب غياب استراتيجية واضحة". وهو يقارن، في مقابلة بُثت أخيرًا، الحملة العسكرية الراهنة بتلك التي استهدفت جماعة "أنصار الله" في اليمن وانتهت بتراجع أميركي، لكنّه يستدرك قائلًا إن المسألة مع إيران مختلفة، حيث التصعيد ما زال يأخذ مجراه، وطبيعة الحرب أكثر مصيرية لأطرافها المشاركة.
الصين وروسيا في الخلفية
في خلفية المشهد هذا كلّ من روسيا والصين. من يتابع الإعلام الأميركي يلاحظ أن غالبية ما يُنشر من تحليلات يُشير إلى محدودية ما يمكن توقّعه من "حليفي" إيران هذين.
ثمة أسباب عدّة لمحاذرة الصين خوض مغامرة دعم إيران على الملأ. رسميًا، أوقفت الصين بيع الأسلحة لإيران عام 2005، بعد تبني مجلس الأمن بالإجماع قرارًا يفرض حظرًا على تصدير واستيراد مواد وتقنيات يُحتمل ارتباطها بالأسلحة النووية، من إيران وإليها. لكنّ كيانات من الصين كانت، على مدى السنوات الماضية، تتحايل على ضوابط التصدير، وهو ما دفع واشنطن قبل أشهر إلى وضع نحو 100 منها على لوائح العقوبات.
في تاريخ العلاقة بين البلدين محطات مفصلية. تبرز بينها زيارة المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي إلى بكين عام 1989. كان خامنئي الأب رئيسًا لإيران يومذاك، قبل أن يصبح مرشدًا أعلى للجمهورية إثر وفاة الخميني بعدها بأسابيع. وكانت تلك آخر زيارة رسمية له إلى خارج البلاد.
الصين، وإن كانت غير مندفعة لدعم إيران، يُرجّح ألا تبقى مكتوفة الأيدي إذا استنتجت أن السياسة الأميركية تتحوّل من خوض نزاعات مع دول، إلى تضييق الخناق على مصالحها
لاحقًا توطّدت العلاقة بين الجانبين بزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى إيران، إثر رفع العقوبات الغربية عنها عام 2016 قبل انقلاب ترمب على الاتفاق النووي. ثم وقّع البلدان اتفاقية شراكة استراتيجية تعهدت الصين بموجبها باستثمار 400 مليار دولار في إيران على مدى 25 عامًا، مقابل استمرار تدفق النفط الإيراني. لكنّ جزءًا يسيرًا من تلك الاستثمارات أُنفق في الواقع فقط. وفي حين أصبحت الصين المشتري الرئيس للنفط الإيراني (نحو 90% من صادرات إيران النفطية) لم يمثّل حجم ما تستورده منها سوى 12% من إجمالي وارداتها. أي أن الحاجة كانت في اتجاه واحد، أكثر مما كانت في الاتجاهين.
ليس غياب التكافؤ بين الصين وإيران ما يقلّص من احتمال تورّط بكين في حرب بالغة الخطورة كهذه فحسب. إذ إن اهتمامات الصين منصبّة نحو الداخل اليوم، فالخطة الخمسية التي أعدّها مجلس الشعب الصيني أخيرًا تنصّ على توظيف موارد البلاد لتحقيق طفرات تكنولوجية في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات وأبحاث الطاقة وشبكات الجيل السادس (6G) وغيرها.
لكن الصين، برغم تركيزها الدائم على الداخل والنمو الاستثماري، سبق أن أظهرت استعدادها لمدّ إيران بالكثير ممّا تحتاجه لتطوير صناعاتها العسكرية. وقد أشار البنتاغون، في تقرير له العام الماضي، إلى تركّز العلاقة العسكرية بين البلدين على بيع الشركات الصينية مكوّنات ذات استخدام مزدوج لبرامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.
كما أن الصين، التي تُحدّث جيشها باستمرار وترفع من إنفاقها العسكري للعام الجديد، لا ترتاح لجموح الولايات المتحدة ولتحوّلها إلى قوّة أكثر غموضًا وخطورة مما كانت عليه في أي وقت مضى. وقد كان لافتًا، خلال الحرب على إيران، نشر الجيش الصيني رسمًا بيانيًا على وسائل التواصل الاجتماعي يستعرض فيه خمسة دروس مستفادة من الضربات الأميركية ـــ الإسرائيلية على إيران، أبرزها عدم الانجرار وراء شعور زائف بالأمان عند الدخول في مفاوضات (مع واشنطن)، وعدم افتراض أن الخصوم "سيلتزمون بالقواعد".
من هنا، يرى البعض أن الصين، وإن كانت غير مندفعة لدعم إيران، يُرجّح ألا تبقى مكتوفة الأيدي إذا استنتجت أن السياسة الأميركية تتحوّل من خوض نزاعات مع دول، إلى تضييق الخناق على مصالحها التجارية والتضحية بها.
العلاقة الإيرانية مع روسيا، في المقابل، أكثر ترابطًا برغم كثرة الشوائب فيها. عسكريًا، ثمة تعاون تجلّى في الحرب الروسية ــ الأوكرانية، تمثّل عنوانه الأبرز بالترخيص الذي مُنح لروسيا لإنتاج نسخة من طائرات "شاهد" الإيرانية التي شاركت بفعالية في عمليات موسكو العسكرية.
غير أن هذه العلاقة محدّدة بأسقف وحسابات كثيرة. فهي تختلف، مثلًا، عن معاهدة الدفاع المشترك بين روسيا وكوريا الشمالية لعام 2024، والتي تُعد مثالًا على اتفاقية "أكثر إلزامًا" بشأن الدعم العسكري. بينما الاتفاقية الروسية مع إيران تنصّ على "الامتناع عن أي أعمال عدائية في حال انخراط الطرف الآخر في نزاع"، لا أكثر.
وعلى النحو الذي عزّزت فيه طهران علاقاتها مع بكين في الآونة الأخيرة، وقّعت طهران مع موسكو مطلع عام 2025 معاهدة شراكة في مجالات التعاون العسكري والاستخباري، إلى جانب التجارة والعلوم والثقافة والتعليم.
وروسيا اليوم متّهمة بتزويد إيران بمعلومات استخباراتية حول مواقع القوات والسفن والطائرات الأميركية وتحركاتها. وقد نقلت وسائل إعلام هذه المعلومات عن "مصادر مطلعة على تقارير الاستخبارات الأميركية"، وكان هذا أول مؤشر على سعي موسكو للتدخل في الحرب بشكل مؤثر. وحين سُئل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لاحقًا عن ذلك، تمنّع عن الإجابة المباشرة أكثر من مرّة، مؤكدًا في الوقت عينه أن التنسيق بين الجانبين له أوجه كثيرة. فُهم من إجابة عراقجي يومذاك أن تعاونًا من هذا النوع وارد جدًا.
ما الذي تقوله الحسابات والمصالح؟
يجتمع آلاف من مندوبي الحزب الشيوعي في بكين هذا الأسبوع لمناقشة خريطة طريق للاقتصاد الصيني، في ظل انخفاضٍ في الاستهلاك وأزمةٍ عقارية وتراكم ديون محلية، فيما تُخفّض السلطات الصينية توقّعاتها للنمو الاقتصادي للمرة الأولى منذ عام 1991.
ويستقبل الرئيس الصيني نظيره الأميركي دونالد ترمب في وقت لاحق من الشهر لتمديد "هدنة تجارية" هشّة، وفي ذهنه أن القوة الأميركية العارية استهدفت للتو خامئي ومادورو، زعيمَي الدولتين الشريكتين لبلاده.
"عشوائية" الرد الإيراني ـــ أو بعضها ـــ كان مقصودًا، بحيث يُظهر أن قدرة إيران على أداء دور "مهدّد لاستقرار المنطقة" لم يبلغ ذروته بعد، وأن هذه الذروة تتمثّل بالضبط بانهيارها
في هذه الأثناء، يعوم أكثر من 46 مليون برميل من النفط الإيراني جنوب الصين، إلى جانب كميات أكبر مُخزّنة في مستودعات جمركية في موانئ صينية. تُذكّر هذه البراميل بما قد يفوت الصين في حال استمرّت الحرب طويلًا، أو في حال أدّت إلى سقوط إيران أو نظامها.
كذلك يُذكّر احتدام الحرب بالآثار الممتدة بطول الكوكب وعرضه، والمترتبة على جوار الصين بشكل خاص. فالتحرّكات العسكرية الأميركية خلال العامين الماضيين من هذا الجوار كانت استثنائية: عام 2024، حين نُقلت قوات الدفاع الجوي الأميركية من اليابان للمساهمة في صدّ الصواريخ الإيرانية، كانت تلك المرة الأولى التي تتحرّك فيها بطاريات صواريخ من المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط. وعام 2025، حين نُقلت أطقم من كوريا الجنوبية واليابان إلى قطر لاعتراض الهجوم الإيراني، كانت تلك أكبر عملية اشتباك لصواريخ "باتريوت" الاعتراضية في التاريخ الأميركي.
مسار الحرب على إيران يؤثر على مصالح روسيا وحساباتها أيضًا. كان يُفترض، مثلًا، أن تستأنف موسكو مفاوضاتها مع كييف في أبو ظبي، قبل أن يصبح مكان الاجتماع غير متاح بسبب اندلاع الحرب والتهاب الخليج.
وفي ظل هذا الالتهاب، تفيد مؤشرات بأن الحرب على إيران قد تتيح لأوكرانيا فرصةً لتعزيز نفوذها السياسي في واشنطن. فالولايات المتحدة تطلب مساعدتها لمواجهة مسيّرات "شاهد" الإيرانية، التي طوّرت أوكرانيا أساليب فعّالة وقليلة التكلفة لاعتراضها خلال الحرب مع روسيا. لكنّ طول أمد الحرب، في المقابل، له انعكاس سلبي على كييف، فهو يهدّد بتقليص المخزونات الأميركية من الذخائر التي تحتاجها.
ليس من مصلحة روسيا، إذًا، تطويع إيران أو كسرها، سواء طالت الحرب أم قصرت. إذ من شأن ذلك، إن حصل، أن يشجع ترمب على ممارسة المزيد من الضغط عليها. وعلى العكس من ذلك، إذا واجهت الولايات المتحدة صعوبات في إيران، قد يدفع الأمر ترمب إلى عقد صفقة معها بشأن أوكرانيا والسعي لتحقيق "نصر" ما في مكان آخر من العالم.
التصعيد يتيح النجاة؟
يرى مارك لينش، مدير POMEPS (أحد المشاريع البحثية المهمة لدراسة الشرق الأوسط)، أن قادة الخليج لديهم "أسباب وجيهة للاعتقاد بأن الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا حربًا، لا على مصالحهم فحسب، بل على بقائهم". وهم يشعرون بـ"انزعاج شديد إزاء استراتيجية إسرائيل لتغيير النظام (الإيراني)، والتي تنطوي على تدمير مؤسسات الدولة الإيرانية، لأنهم يدركون أنهم ليسوا بمنأى عن التداعيات الكارثية لها". يضيف لينش أن النظام الإيراني، سواء نجا أو استُبدل بنظام مماثل، "سيتذكر جيدًا القوة التي اكتسبها من خلال مهاجمة الخليج وحركة سفن النفط". أما إذا سقط وانهارت الدولة، فـ"ستتعرّض دول الخليج لتدفقات اللاجئين واضطرابات الملاحة والتطرف وتداعيات العنف المسلح"، ولن تعود تثق "في قدرتها على الاعتماد على الولايات المتحدة في الدفاع عن نفسها".
تدرك إيران ذلك كله، وتدرك في الآن ذاته أن خياراتها كانت بالغة الضيق إن لم تذهب إلى استسلام تام. وقد تصرّفت على هذا الأساس، وَلَو بقدر من العشوائية. بل لعلّ هذه العشوائية ـــ أو بعضها ـــ كان مقصودًا، بحيث يُظهر أن قدرتها على أداء دور "مهدّد لاستقرار المنطقة" لم يبلغ ذروته بعد، وأن هذه الذروة تتمثّل بالضبط بانهيارها.
يبقى أن الكثير من أسئلة الحرب و"اليوم التالي" لها مطروح على إيران أيضًا: متى يمكن اعتبار أن وقف إطلاق النار يصبّ في مصلحتها ولا يعرّضها لجولة حرب تلو أخرى حتى تنهار؟ هل بدأ يتشكّل "دفتر شروط" لديها من أجل وقف أعمال عدائية مستدام؟ هل يمكن لذلك أن يشمل سلّة تسويات بينها رفع العقوبات والسماح باستخدام الأموال المجمّدة؟ هل تشمل السلّة حلفاءها وعلى رأسهم "حزب الله" في لبنان للحيلولة دون الاستفراد به؟ هل هي قادرة على تحصيل مطالبها أصلًا؟ هل يمكن ردم الهوّة المتّسعة مع دول الخليج في "اليوم التالي"؟ وهل لروسيا، أو الصين، القدرة على التوسّط من أجل الوصول إلى حلول مرضية؟ ومع أي من اللاعبين الكثر تحديدًا؟
تبدو التبدلات في المواقف الدولية حيال الحرب، خصوصًا من الجانبين الصيني والروسي، معلّقة إلى حد بعيد على قدرة إيران على الوقوف في وجه الرياح العاتية. في تقدير طهران أن كلفة الحرب كلما ارتفعت، إقليميًا ودوليًا، كانت قادرة على التوصل إلى وقف إطلاق نار أكثر استدامة وأكثر مراعاة لمطالبها. ليس هذا فحسب، بل ترى أن الكلفة قادرة على فرض وجودها نفسه الذي كان مهددًا ولا يزال. أما دون ذلك فتراه انتحارًا بطيئًا، لم يكُن ينطوي أصلًا على فرص نجاة.