خرج مجتبى خامنئي من بين أنقاض مجمع القيادة في طهران، مثقلًا بجراح شخصية، إثر الهجوم الإسرائيلي ـــ الأميركي المشترك. في هذا المكان ترعرع منذ أن كان في العشرين من عمره. وهناك طوّر معظم علاقاته، وصنع أخرى، ستكون بالغة الأهمية في مسيره نحو الثامن من آذار/مارس 2026، يوم أُعلن قائدًا أعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ووليًا فقيهًا خلفًا لوالده.
هو الولي الفقيه الثالث في تاريخ الجمهورية التي يكاد عمرها يبلغ نصف قرن. يكبُر مجتبى النظام، الذي ورث حكمه انتخابًا، بعقد من الزمن. وقد عاش هذه السنوات في كنف والده حتى ليلة الـ 19 من رمضان، يوم ورث المنصب بعملية جراحية دستورية، لم تكن لتتم لولا القضاء والقدر وخسارته، في لحظة واحدة، أبًا وأمًا وشقيقة وزوجة، وكُثر ممّن شكلوا بيئته الأقرب. ومن "الغيابة" التي احترف العيش فيها لعقود، خرج مجتبى خامنئي جريحًا، دون أن يظهر إلى العلن حتى كتابة هذه الكلمات. وكأنه مجددًا، وفي قمة حضوره، لا يقوى على الانعتاق من سطوة الظل الذي غشيه، وأضحى جملًا لصعوده.
عندما ولد مجتبى خامنئي في مشهد في 8 أيلول/سبتمبر 1969، كان والده معارضًا شرسًا لنظام الشاه، متنقلًا بين مكان وآخر، ومتواريًا لتجنّب الاعتقال. برغم ذلك دخل خامنئي الأب السجن مرات عدّة، بينها واحدة كان مجتبى واعيًا بما يكفي ليشهد اعتداء عناصر "السافاك" عليه قبل سجنه. وعندها أُطيح بنظام الشاه، شهد انطلاق الحرب مع العراق وتعرّض والده لمحاولة اغتيال، ثم انتخابه رئيسًا للجمهورية.
لم يكن مجتبى يومذاك بعيدًا عن الجبهة، التي شكّلت وعيه الثاني وكانت الأكثر تأثيرًا على مساره المقبل. هناك، في كتيبة "الحبيب بن مظاهر"، بدأت تتشكل شبكة علاقاته العميقة، التي ستحوّله من مجرد ابن لمسؤول رفيع في الدولة، ولاحقًا "قائدًا أعلى"، إلى صانع ملوك وسياسات، وشخصية مُهابة يتناقل اسمها بين سائقي سيارات الأجرة في طهران وصنّاع القرار حول العالم على السواء.
ولأن إيران تميل بنيويًا إلى "الأسطرة"، تحوّل مجتبى خامنئي في روايات الصحافة والمحللين إلى شبح لا يمكن تخطّيه عند كل لحظة مفصلية، منذ صعود والده إلى سدة القيادة حتى لحظة الموت التي نجا منها بأعجوبة. ولم تكن الأساطير كلّها منسوجة من الخيال. فقد حاز "خامنئي الثاني" قوة جعلته يوصف كثيرًا بـ"الدولة العميقة" و"اللوبي" الأكثر قدرة على التأثير في الجمهورية الإسلامية.
ما لم يفعله خامنئي الأب في مسيرته السابقة للانتخاب، سعى الابن لتحقيقه، باستثناء محطة فاصلة وحساسة: التجربة العملية في ميدان الحكم والإدارة العامة. دون ذلك، صنع الشبكات وحاز درجة الاجتهاد اللازمة ـــ على المستوى الفقهي ـــ ليصبح أستاذ بحث في الحوزة. لكنه، برغم ذلك، لم يشق طريقه نحو مجلس خبراء القيادة. يُحكى أن هذا كان قرارًا حاسمًا لدى خامنئي الأب، كرّره في لقاءات مع أعضاء "مجلس خبراء القيادة" كما يقول عضو المجلس محمود محمدي عراقي عند طرح اسم مجتبى للنقاش: "إن ما تقومون به يثير شبهة أن القيادة يمكن أن تكون وراثية، ولذلك لا أسمح حتى بدراسة هذا الأمر".
يتراجع السؤال عمّن يملك الشرعية وحدها، ليحلّ مكانه سؤال أكبر: من يملك القدرة على إبقاء السفينة طافية في لحظة طوفان؟
لم يكن مجتبى مرشح والده للخلافة، لكنه كان مرشحًا بالنسبة لكثر ممن يدورون في فلكه يوم كان يلعب دور صانع الملوك. والاعتبارات هنا مرتبطة بالظرف أكثر مما هي بالرغبة والسعي. ففي العقد الأخير مثلًا، كان مشروع مجتبى خامنئي يتمحور حول تجهيز إبراهيم رئيسي للقيادة. فمن تجربة خوض انتخابات 2017، إلى تولية العتبة الرضوية ثم رئاسة السلطة القضائية، وأخيرًا رئاسة الجمهورية، كانت الطريق تُفتح أمام رئيسي نحو المناصب بشكل "سحري"، بينما تُسدّ تمامًا أمام الآخرين.
لكنك "تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد". توفّي رئيسي إثر تحطّم مروحية، ومعه صديق مجتبى خامنئي الآخر، وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان. كانت تلك لحظة انعدام وزن شديد، ومجددًا عادت الأسماء لتطرح للتداول، بينها اسم مجتبى. لكن الدوائر المحيطة بالبيت وحتى بالرجل نفسه، كانت تواجه الأمر بكثير من النفي. كان قرار خامنئي الأب حاسمًا في هذا الإطار. بل بحسب أشخاص عرفوه وقابلوه خلال الفترة تلك، لم يكن يريد علي خامنئي لخاتمته، وهو الحريص على كيفية ذكره في التاريخ، أن ترتبط بشبهة توريث سياسي في نظام قام أصلًا على الثورة ضد التوريث.
لكن القيادة في إيران ليست مسألة خيار وأصوات وأكثرية، وتجربة علي خامنئي بعد وفاة الخميني خير دليل. بل هي عملية عمادها الأول الظرف الذي تُصنع فيه، والكيفية التي يُشخّص فيها "أهل الحل والعقد" مصلحة النظام واستمراريته. فالأصل "حفظ النظام". تلك وصية الخميني التاريخية. وفي مثل حالة الحرب التي تعيشها إيران، تصبح الخيارات المتاحة ضيقة، لأن الكلمة النهائية في مثل هذه الظروف لمن يقود الحرب، أي للعسكر والأمن. ولا بد من مباركة الحوزة، لكن دون ذلك لا مجال كثيرًا للنقاش. لذلك، فحتى من يعارضون هذا الخيار وجدوا أنفسهم معنيّين بالتهنئة، وإن رسم بعضهم مسافة بينهم وبين المبايعة الكاملة في البيانات التي صدّروها. هؤلاء، أيضًا، يدركون جيدًا أن الأصل الآن هو المواجهة، وبعد ذلك حديث طويل.
وحديث الحرب لا ينفصل عن الوجدان الإيراني بطبقاته المتعددة، الدينية والتاريخية والقومية. فاغتيال القائد الأعلى خامنئي وعدد من أفراد عائلته، بما في ذلك الجراح التي أصيب بها خامنئي الابن، تشحن اللحظة بكثير من الحوامل التي تبني عليها المؤسسة الحاكمة لإضفاء مشروعية على الاختيار. ولعل دلالة الإعلان تتمثل في ليلة التاسع عشر من رمضان، التي يحيي فيها المسلمون الشيعة ذكرى استشهاد الإمام علي بن أبي طالب، ثم انتقال الخلافة منه إلى الحسن المجتبى.
تلك لحظة مفعمة بالرمزية، لا سيما في ظل ما يراه إيرانيون كثر تهديدًا وجوديًا يطال الكيان الإيراني نفسه، حيث تلمس تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأخيرة حول احتمالية "تغيير الخريطة الإيرانية" وترًا حساسًا يتوحّد خلفه الإيرانيون برغم انقساماتهم. هذا التهديد، المتزامن مع تدمير منهجي طال معظم المحافظات، يدفع الداخل الإيراني لتقديم أولوية "المواجهة والبقاء" على ما دونها.
في هذا المنعطف التاريخي، لم يعد جوهر التساؤل الشعبي أو النخبوي محصورًا في هوية "القائد"، بل في قدرته على قيادة "السفينة"، بأحمالها وأثقالها كافة، وبما تزايد في هيكلها من شقوق عبر العقود. ومع عاصفة لا تستهدف تحطيم السفينة فحسب، بل اقتلاع البر والميناء معًا، يتراجع السؤال عمّن يملك الشرعية وحدها، ليحلّ مكانه سؤال أكبر: من يملك القدرة على إبقاء السفينة طافية في لحظة طوفان؟
تُنشر بالتزامن مع منصة "الجادة"