"لا شيء أكثر صمتًا من فم إله". يفتتح راينر ماريا ريلكه، بهذه العبارة، باب التأمل. فالصمت بالنسبة إليه شرط الإصغاء. والإله لا يتكلم لأن كل ما في الوجود هو كلامه. أتوقف عند العبارة وأحاول أن أفهم صمت هذا الإله عن الحروب وقتل الأبرياء وجنون الطغاة، لماذا يصمّ الإله أذنيه عما يحدث في هذا الكوكب؟ لكن هل ما يحدث هو صنيعته؟
مرّت منذ أيام على ذكرى مجازر الساحل التي ارتكبتها الميليشيات الموالية للسلطة بحق العلويين. وإذا كان يمكن وصف ما قام به أهل الضحايا من تذكّر، فهو الصمت النبيل. صمت يتحدى صمت الطغاة وإنكارهم. فقد أشعل أهل الضحايا شموعًا في مقابر كل قرية على حِدَة دون ضجيج.
صمتَ أهالي الضحايا عن الحديث عما جرى معهم بسبب الرعب الذي يسيطر عليهم. كان صمتًا يذكرني بصمت الضحايا أيام الأسد؛ صمت الخائف المترقب، صمت الحزن اليائس، صمت الضحية التي انتظرت العدالة ولم تظفر بها. أتذكر جملة للشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد: "إن الألم الذي يُجبر الإنسان على الصمت، أشد بكثير من الألم الذي يجبره على الصراخ".
"ثمة كلام لا يقول شيئًا، وهناك صمت يقول كل شيء". صمت يقول: "يا الله مانك شايفنا يا الله"، وآخر يقول: "يا الله مالنا غيرك يا الله". هل ثمة يأس أكبر من ذلك! لماذا تسقط فكرة "إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر"؟ هل استجاب القدر للسوريين وأرسل لهم قتلة ليزيدوا في دمار سوريا؟
هل ثمة صمت يبعث الخوف؟
ثمة صمت مجتمعي كامل تجاه مجازر الساحل. صمت لا يتغاضى عن الجريمة فحسب، بل عن مرتكبيها أيضًا، صمت ينذر بالأسوأ. ذاك الصمت الذي عرفناه طوال أيام المذبحة السورية، والذي عابه المثقفون الثوريون على شرائح واسعة من الشعب السوري، خيّم على النخبة ذاتها.
صَمَتَ المثقفون المؤيدون للسلطة الجديدة، وكأن ضحايا الطوائف الأخرى ليسوا بشرًا. هذا الصمت المريب الذي يشير إلى استنقاع ثقافي يبيح قتل الآخر المختلف طائفيًا. ثقافة "حوالينا ولا علينا". هكذا يبدو الصمت العابر مؤشرًا على فضيحة، فضيحة ادعاء المبادئ التي خرجت من أجلها الثورة.
وهذا الصمت يمنح المعتدي شعورًا بالإفلات من العقاب، ما يدفعه لزيادة وتيرة العنف، وهو ما حصل لاحقًا خلال مجازر السويداء. هذا الصمت الذي يفاقم المعاناة ويولّد ألمًا داخليًا وذلًّا، لا يحلّ المشكلة، بل يؤدي إلى التطبيع مع اللاإنسانية. الصمت في وجه الظلم هو شكل من أشكال العنف السلبي، يتحوّل مع مرور الوقت إلى قنبلة موقوتة سوف تنفجر في أي لحظة وترمينا في متاهة العنف والعنف المضاد.
صمت العجز
"أحيانًا، عندما أشاهد ما يحدث في العالم، أتساءل: لماذا أكتب؟".
يختزل فيديريكو غارثيا لوركا، بهذه الجملة العابرة، ما يمور في عقلي. فما يحدث الآن من كوارث وحروب يدفعني إلى الكتابة، إلا أنّي سرعان ما أمحو ما أكتبه. أكتب وأمحو وأكتب وأمحو، ثم أفكر: وما الجدوى من الكلام في هذا العالم المتوحش؟ وهل بالفعل الكلمة أقوى من الرصاصة؟ من قال ذلك؟ ألملم نفسي وأشعر بالعجز. العجز يطبق على صوتي وحركتي وعلى يدي وهي ترتفع لتقاوم. لستَ مهزومًا ما دمتَ تقاوم، ولكن، هل لكلماتنا فعل المقاومة؟ يخيم الصمت على أصابعي.
إزاء الصمت المريب، يتساءل المرء عن دور المثقف: هل ينحصر دوره في المراقبة والكتابة من برج عاجي؟
صمت المُحاصَر
منذ عام 2011 حتى الآن، كلما ارتفع صوتنا طالبين العدالة كنّا نُجابه بالتخوين والتهديد. ذاك التخوين الذي قوبلنا به في أحداث غزة وفي الجنوب اللبناني وبعد سقوط النظام، حتى غدت الكلمة التي تخرج من أفواهنا محاصرة، وباتت الرقابة تحاصر ما نفكر به قبل أن نكتبه. لقد زاد الاصطفاف. بات الجميع ضد الجميع، وأنت محاصر. كلٌّ ينتظر أن تصدر عنك نأمة كي يفترسك.
هل الصمت انتهازي؟
تناول كثير من المفكرين الصمت بوصفه مساحة للتأمل والسلام. فالصمت كفعل مراقبة وتفكّر يحمي صاحبه، في حين أن الكلام قد يجلب الأذى. لكنّ الصمت حين يقتل الأطفال لا يدعو إلى التأمل، بل إلى الصراخ. الصمت، هنا، فعل انتهازي. لكنّي إذ أخلد إلى نفسي، أتذكر بعض الصامتين خلال الثورة السورية، أولئك الذين كانوا يرددون عبارة "الله يفرجها" ولا يبدون رأيًا إزاء جميع المجازر التي ارتُكبت، ها هم الآن يرفعون عقيرتهم ويدّعون أنهم ثوّار ويوجهون لنا السؤال "أين كنتم منذ 14 عامًا؟".
والواقع أننا كنا نصرخ، لكنهم كانوا يصمّون آذانهم ويُغلقون أعينهم ويمشون بجانب الجدار ويطلبون الستر، لكنّ الفضيحة هبّت وسقط الجدار وسقطت السردية التي يتبجحون بها. أين كنتم؟ يبدو السؤال مشروعًا لدى بعض من يتبنّى ضمير "نحن" الذي يشير إلى الغالبية التي ارتُكبت بحق أبنائها الكثير من المجازر. ونبدو نحن، من "الأقليات"، القتلة الذين عليهم الآن أن يصمتوا تجاه المجازر التي صادف أن ارتُكبت بحق أبناء طوائف ينتمون إليها بالولادة.
لا يكتفي هؤلاء الذين يُوجّهون التهم إلينا بالصمت، بل إن بعضهم يتناولوننا بالسخرية والشتائم. وإذ يصلني كثير من الشتائم على صفحتي الشخصية، ألوذ بالصمت. كيف لي أن أجابه هذه السفاهة وهذا الافتراء؟ لكن قطيع الصامتين يتوحّد فجأة ويستفزك. صمت... صمت. يتكسر صوتك وينكسر وتحار: ما العمل؟
إزاء هذا الصمت المريب، يتساءل المرء عن دور المثقف. أين الفعل التنويري للعمل الإبداعي؟ هل ينحصر دوره في المراقبة والكتابة من برج عاجي؟
عرّف غرامشي المثقف العضوي بأنه المثقف الذي ينبثق من داخل طبقة اجتماعية معينة ويعمل على صياغة ونشر وعيها وأهدافها، وبمعنى ما، لا ينبغي أن يكون محايدًا بل منخرطًا بشكل عضوي في قضايا المجتمع، فيربط بين الفكر والممارسة. لكنّ بعض المثقفين السوريين يرون أن أهداف الثورة تحققت بسقوط نظام الأسد، ولا يجدون غضاضة في جميع ما تقوم به السلطة الجديدة من ممارسات أسدية وغيرها مما يقيّد الحريات الشخصية.
هل الصمت تواطؤ؟
ربطت الفيلسوفة حنة آرندت الصمت بـ "تفاهة الشر" وخواء التفكير، إذ اعتبرت أن الصمت الكثيف الذي يحل محل التفكير النقدي هو ما يسمح بارتكاب أفظع الجرائم.
منذ 7 أكتوبر وغزة تُذبح بصمت على مرأى من حكومات العالم. خرجت تظاهرات عدة تدين الإبادة في جميع عواصم العالم عدا العواصم العربية. لم تحرك الحكومات العربية ساكنًا، وحين شنّت إسرائيل والولايات المتحدة حربها على إيران، وبدأت إيران تضرب القواعد العسكرية في دول الخليج، بدأ العالم يستنكر ضربات إيران، لكنه صمت إزاء ما يتعرض له الجنوب اللبناني من قتل وتهجير. كذلك صمت العالم.
ثمة صمت يعكس موافقة ضمنية على ارتكاب المجازر والقتل والترويع. صمت يعطي القاتل شرعية للاستمرار في قتله. صمت يذبح الضحايا ويطمس الحقيقة. صمت أُريد له أن يكون دريئة يستخدمها الصامتون ضد بطش فرط القوة التي تجول في العالم بقيادة ترمب.
في ختام مهرجان أفلام حقوق الإنسان في جنيف، التقيتُ بفرانشيسكا ألبانيزي، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالأراضي الفلسطينية المحتلة. شكرتُها على مواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية، فأجابتني: هذا الطبيعي، يجب أن يكون هذا موقف كل إنسان!
هذا الأمر البديهي يدفع ممثلين عالميين مثل خافيير بارديم في حفل الأوسكار لأن يقول "لا للحرب، الحرية لفلسطين"، في حين يرفل ممثلون عرب بنعيم "جوي أووردز" وكأن ما يحدث في فلسطين لا يعنيهم.
"صمتكم يقتلنا"، تتردد في جنبات روحي. صمت لا يقتل الضحايا بالإنكار فحسب، بل يقتل كل ما حلمنا به وانتظرناه في سوريا الجديدة.
يقول غرامشي: "القديم يُحتضر والجديد لم يولد بعد"، ويبدو أن ولادته عسيرة أكثر ممّا كنا نتوهم.