عن عناقات مؤجّلة

وصَفت الشاعرة البولندية فيسوافا شيمبورسكا العناق بـ"اللغة الصامتة والعميقة" التي تتجاوز الكلمات. فـ"الذي ابتكر العناق كان أخرسًا، لأنه أراد أن يقول كل شيء دفعة واحدة".

منذ عام، شاركتُ شاعرة إيرانية في أمسية شعرية. قرَأت فيها الشاعرة الإيرانية نصًّا عن العناق، أو بتعبير أدق، "في الأحضان" كما تَردُ بالألمانية، "Umarmung". كان النص احتفاء بعدد لا يُحصى من العناقات التي حظيَت بها الشاعرة من قبل أمها، حتى ضاقت ذرعًا بها، لكنها، الآن، تفتقدُ أحضان أمها في برلين. 

عناقٌ حين تستيقظ من النوم، وعناق حين تخلد إلى النوم، وعناق قبل الذهاب إلى المدرسة، وآخر حين العودة. كان العناق مكافآت تغدقها الأم على ابنتها وتعبيرًا عن حب غير محدود.

كانت الشاعرة تقرأ، وأنا أحاول أن أشحذ ذاكرتي بمشاهد العناقات التي حظيت بها في حياتي، فبدت نادرة جدًا. أكتب هذه المقالة لألفت نظر كثير ممن أعرفهم ولا يجيدون التعبير عن حبهم، ولأنكأ ندبة في روحي، حاولتُ أن أتجاهلها، فقفزت في وجهي في أشد لحظات الغربة قسوة.

هنا، أقصد في برلين، يتبادل الناس العناق، لكنّ هذا العناق يشبه المصافحة في تقاليدنا الشرقية إلى حد كبير. عناق خالٍ من المشاعر، يشبه الوجبات السريعة، لا الطعام البيتي الذي تحضّره الأم بكامل شغفها.

كان صديقي يستخدم كلمة "حوشيني" بدل "ضمّيني"، وكنتُ أغرق في معنى "حوشيني". هل هي من الحوش التي تُشير في لهجتنا العامية إلى البيت، وليس "فناء الدار" كما في الفصحى؟ هل يطلب مني دون وعي أن أكون البيت والأمان الذي يحضنه ويردّ عنه الخوف؟ هل العناق في أحد أوجهه فعلُ حماية؟

يردُ العناق في الشعر العربي بوصفه تكثيفًا لحظيًا لمشاعر الحب، أو اكتنازًا عاطفيًا وقربًا لا يُدانيه قربٌ آخر سوى الامتزاج الروحي بين المُتعانقَين على حدّ تعبير ابن الرومي:

أُعانقها والنفسُ بعد مشوّقة إليها وهل بعدَ العناق تداني

(...)

كأنّ فؤادي ليس يشفى غليلَه سوى أن يرى الروحين تمتزجان

لكنّ العناق في كثير من ثقافتنا الإسلامية يبدو كما لو كان ارتكابًا لمعصية، ويبدو الخوف من العناق موروثًا يستدعي النميمة والعار في مجتمع يخشى أدنى تعبيرات الحب. هل هو الخوف من الله أم الخوف من وكلائه على الأرض، الذين يدعمون تشريعات تحرّم مظاهر الحب؟

تقول فيروز:

وقالوا غمرني مرتين وشدّ

شوف الكذب لوين؟!

مرة منيح، اتنين؟

ولا ردّتو إيدي، ولا هو ارتَد؟

شو بيفضحوا أسرار؟

تحمل "الغمرة" في طيّاتها فعلَ محاوطة وانغماس كلّي بالحبيب. تخطر في بالي أسئلة: تُرى هل حظي الذين يقتلون باسم الدين بعناق واحد من أمهم؟ هل يعانقون زوجاتهم وأطفالهم؟ 

يقول عتيق رحيمي في روايته "حجر الصبر": "أولئك الذين لا يجيدون ممارسة الحب، يذهبون إلى الحرب". لا أتحدث هنا عن الحب كفعل جنسي، بل عن تلك العناقات الحارة المرافقة لفعل الحب ذاته. كيف يمكن لجسد عرف حرارة العناق أن يطلق رصاصة تجاه جسد آخر ويحيله جثة باردة؟

أتساءل لمَ نسترسل في النصح حين يكون أحد ما في وضع مأساوي. لمَ لا نكتفي بعناق طويل؟

لمرات عدّة، في محطات القطار والمطارات، رأيت أشخاصًا يعانقون بعضهم بشدة، حتى إنه تبادر لذهني أن النار لم تولد من احتكاك حجرين ببعضهما، بل شبّت بفعل احتكاك جسدين. هذه العناقات قلما شاهدتُها في بلدي، وأخشى ألا أشاهدها مع ترسّخ الحكم الجديد في سوريا.

وصَفت الشاعرة البولندية فيسوافا شيمبورسكا العناق بـ"اللغة الصامتة والعميقة" التي تتجاوز الكلمات. فـ"الذي ابتكر العناق كان أخرسًا، لأنه أراد أن يقول كل شيء دفعة واحدة". العناق يختزل مشاعر الحب والشوق والمواساة، و"الغمرة" كأنها تعزلنا عن بشاعة العالم حولنا. العناق هو أن تسلّم نفسك للحبيب دون خوف، أن يلتحم الجسدان في جسد واحد. وهو بجانب منه رسالة طمأنة للآخر. يعبّر الشاعر تشارلز بوكوفسكي عن ذلك بقوله إنّ "العناق هو الطريقة الوحيدة التي يمكنك بها أن تضع قلبك خارج جسدك دون أن تفقده".

أتساءل لمَ نسترسل في النصح حين يكون أحد ما في وضع مأساوي. لمَ لا نكتفي بعناق طويل؟ لربما كان هذا العناق أبلغ من النصيحة. "أنا هنا، بقربك، لا تقلق". ألا يحمل العناق هذه المفردات جميعًا؟ ألا تعبّر الحرارة التي تنتقل بين جسدينا عن مساندة صامتة وغير مشروطة؟ كان تشيخوف يقول إن العناق هو تعويض عما تعجز الكلمات عن قوله، وإن البشر متعبون لدرجة أن اللمسة الصادقة أصدق من أي خطاب طويل.

"عانقيني يا ميلينا، عانقيني، فالكلام لم يعد كافيًا". يقول كافكا لميلينا في لحظة يعجز الكلام عن التعبير عمّا يعتمل في النفس.

تُعانق صديقتي ابنتها الصغيرة مرّات عدة في النهار، وأسترسلُ في وصف الندوب التي خلّفها غياب العناق في روحي وأرواح كثيرين مثلي ينحدرون من ثقافة ممنوع عليها أن تعبّر عن الحب، وممنوع عليها أن تُظهر هشاشتها. أتذكّر حين توفيت أمي وانهرتُ في اللحظة التي خرج نعشها من المنزل، هرعت أختي إليّ. لم تعانقني، بل نهرتني قائلة: "قومي ما تخلي الناس يحكوا علينا". 

تُوفّيت أمي في أحضاني، ربما كانت تلك المرة الأولى التي حظيَت بها بعناق طويل. لكنّي أفكر، كلما تذكرتُ تلك اللحظة، هل كانت أمي بحاجة إلى الأمان كي تعبر روحها ذلك البرزخ؟ هل كان حضني هو المكان المناسب كي تسلّم روحها؟ هل شعرت بالطمأنينة بين ذراعيّ؟

هل يخيّب "الحضن" توقعاتنا؟ هل يمكن أن يسبب لنا، هذا الحضن الآمن، الألم أيضًا؟

يغنّي عبد الحليم:

"رميت نفسك في حضن

سقاك الحضن حزن

حتى في أحضان الحبايب شوك

شوك يا قلبي"

هل ثمة خذلان أكبر من ذلك؟ كيف يمكن للبيت والغمرة والحوش أن يحمل الأذى؟

لطالما شبّه الناس الوطن بالأم. هل يمكن لحضن الأم نفسه أن يكون مترعًا بالأشواك؟ من قال إن الأم توزّع حبها على أبنائها بالتساوي؟ كيف يمكن أن تكون سوريا هي الحضن في عيون أبنائها، وهو يلفظهم مع كل مجزرة؟ كيف يمكن أن تغدو سوريا حضنًا لجميع أبنائها وتكفّ عن خذلاننا؟

إنّه عيد الحب. أمشي في الشارع وحيدة. أرى الناس يعانقون بعضهم، فيما أردّد مع المقطوعة المنبعثة من هاتفي أغنية مدحت صالح:

"يا بلدنا يا بلد

هو من إيمتى الولد

بيخاف من أمو

لما في الضلمة تضمو

خفت منك صدقيني

صدقيني خفت منك"

عشت خمسين عامًا في حضن الخوف، ولا زلتُ خائفة من سوريا. أرى المجازر تقع، وأقرأ تعليقات المحرّضين، وأرى ضحكاتهم، فأشعر بالرعب. نعم، أنا في برلين وأشعر برعب يأكل روحي. فما بالكم بالذين يعيشون في حضن الذئب وينتظرون افتراسهم.

سوريا بدها "عبّوطة". نحن، السوريين جميعًا، بدنا "عبّوطة".

وأنا أنا... هل أنتَ أنت؟

لماذا كنتُ "سوريةً" ترفض الظلم أيام نظام الأسد، وغدوتُ، الآن، شاعرة "علوية" بنظر أصدقاء الأمس؟

هنادي زرقة
حرب تشرين: عن نقطة مضيئة في ظلام دامس

أنا لا أعرف أبي، لكن رجلًا جاء في اليوم التالي لدفنه وانحنى فوق القبر وبدأ يبكيه. وحين سألته العائلة: من...

هنادي زرقة
المرايا وإعادة اكتشاف الذات

بتُّ أتجنّب النظر في زجاج نوافذ القطار وأنا عائدة مساء. أنشغل بأخبار سوريا، أتخيل جسد سوريا وقد غزته التر...

هنادي زرقة

اقرأ/ي أيضًا لنفس الكاتب/ة