في أوّل ردّ فعل، دخلنا إلى حساباته للتيقّن من الخبر. وهذا الفعل يختصر علاقتنا بعلي شعيب، خبرنا الموثوق من الجبهات، و"المراسلُ الحربيّ" من قبل أن يصبح المصطلح متداولًا.
في التسعينيات ظهرت أنواع من الإعلام المواكب لعمليات المقاومة ضد الاحتلال، خلال العدوان الذي تكرّر عامي 1993 و1996، وطوال مراحل المقاومة السابقة لتحرير العام 2000، بينها ما اصطُلح على تسميته "كاميرا حزب الله"، وكان عبارة عن توثيق الحزب عملياته في الجنوب عبر فيديوهات، وبثّها لحظة إنكار الاحتلال وقوعها. وكانت بينها أيضًا بيانات المقاومة المكتوبة، الهادفة إلى "تبنّي العمليات"، وكانت بينها التغطية الإخبارية العادية لوسائل الإعلام حينها، من تلفزيونات وإذاعات وجرائد ووكالات أنباء، والتي تُعدّد الأضرار التي تصيب البشر والحجر، وتنقل معاناة أهل الجنوب تحت الاحتلال. وكانت بينها، طبعًا، أخبار المراسل الحربي، ذاك النمط الذي لا نبالغ إن قلنا إنّ علي شعيب كان رائده في لبنان قبل عقود.
فعلي لم يكن ينقل ما يُسمى اليوم "الخبر العاجل"، ولا يُعدّ تقارير استقصائية، ولا كان "كاميرا حزب الله" أو "بيانات عملياته"، بل كان مراسلًا صحافيًّا يتنقّل بين الجبهات، يقترب منها، يُعاينها، ولا يقدّم تحليلًا عنها، بل يكتفي بنقل الخبر منها بعد التأكد منه. وهذه كفاية تفوق "المُتداول" و"الأنباء"، وتذهب إلى عين الحقيقة. وهي عملٌ مهنيٌّ شاق، بعكس ما يبدو عليه.
ربما اكتسب علي شعيب شعبيّةً واسعة في حرب تموز 2006، لكنّ عمق تجربته السابقة لعدوان ذاك العام وصدق أخباره وتريّثه، وابتعاده عن إغراء الخبر العاجل والتمادي بالتحليل وإبداء الرأي، هو ما رسّخ أخباره في أذهان المتابعين، حتى أصبح خبره هو الأصدق والأقرب إلى الدقة. وقد بنى هذا كلّه ورسّخه في عمله بمهنية عالية، من دون حيادٍ ولا ادعاءات، وقبل طفرة الهواتف النقالة والتطبيقات.
كانت وسائل الإعلام تنقل "أنباء" عن عملية أو عدوان ما، ثمّ ننتظر جميعًا الخبر اليقين الذي يأتي به علي شعيب. فإن أكّد لنا يعني أنّ النبأ صحيح، وإن نفى يعني أنه إشاعة. من يريد خبرًا صحيحًا من محاور المواجهة ينقل عن علي شعيب، حتى لو منعه غروره من ذكر المصدر. ومن يهوى لعبة الإشاعات والتضليل، لا ينتظر تأكيد علي شعيب أو نفيه النبأ. هكذا بدا علي كمن يقدّم خدمة التحقّق من المعلومة، قبل رواج هذه الخدمة.
ولكن ما يثير الدهشة في مسيرة شعيب هو التصاقه بعمله طوال عقود، من دون بهرجة وسلالم اعتاد كثير من الصحافيين تسلّقها. كأنه بنى قلعته في الجنوب؛ بيتٌ متواضعٌ برفقة المقاومين وأهل الأرض. وهذا كان يغنيه عن المراكز والمراتب، بل يجعله خارج تصنيف ما يُعرف اليوم بـ"المراسل الحربي".
استشهد علي شعيب. قتلته اسرائيل في سياق إبادتها الصوت والصورة والحقيقة واليقين. قتلته برفقة إعلاميَّين آخرين، فاطمة فتوني ومحمد فتوني، في سيارةٍ مدنيّة خلال جولة عمل. وهذا الاغتيال ينفي ما كان يقال عن تخفّيه على الجبهات وابتعاده عن الصحافيين الآخرين، في محاولةٍ للإيحاء بأنه مقاتلٌ لا صحافي (ولا انتقاص هنا من الدورين في مواجهة الاحتلال).
استشهد علي شعيب. المراسلُ الصادقُ الذي لم يقع في فخّ الحياد يومًا، والذي كان مثالًا حيًا للفارق بين المهنية التي أجادها ببراعة وهذا الفخ.
استشهد علي شعيب. تفاخرت اسرائيل بقتله عمدًا، هو المراسل الذي وقف وجهًا لوجه أمام جنودها المعتدين، حاملًا كاميرا وميكروفون. كشفهم بالحقيقة التي لطالما كان مصدرها، وبعدم التخلي عن دوره أمام جبروتهم. وكشفهم باغتياله في سيارةٍ مدنية في وضح النهار، برفقة صحفيين شجعان.
استشهد علي شعيب، بفخرٍ وعزٍ، دون أن يتنازل.
ولكنّ الحقيقة اليوم تعرّضت لضربة كبيرة لا شكّ. من بإمكانه أن ينفي هذا الخبر!