في المصفوفة الكبرى... أين موقعنا؟

أتذكّر جملة قالها لي المناضل عبد العزيز الخيّر عام 2012: "الحياة لم تكُن عادلة ولن تكون. والسياسة لا يكفي أن تكون أخلاقية، بل يجب أن تكون واقعيّة وتفهم موازين القوى أولًا".

صباح هادئ في برلين. ما يميّزه بشكل واضح اليوم هو سطوع الشمس بعد شتاء رمادي طويل.

أقف أمام آلة القهوة الألمانية بالقرب من شباك المطبخ المطل على حديقة البيت. يحطّ غرابان على سور الحديقة وينظران باتجاهي. في اللحظة نفسها، تُصدر آلة القهوة صوت إنذار نفاذ الماء من خزانها.

لوهلة شعرت أن نظرات الغرابين وصوت الإنذار لا ينتميان إلى اللحظة نفسها، كأنّ زمنين تقاطعا فجأة. ما قبل هذه اللحظة كان كل شيء يوحي بحياة يمكن توقعها، أمّا بعدها فانفتح في داخلي قلقٌ سحَبَ أفكاري إلى دمشق.

مازلت منذ أكثر من عام أحاول أن أفهم كيف يمكن أن تتبدّل المواقع ويتبدّل العالم بهذه السرعة، وكيف يصبح ما كان مستحيلًا بالأمس واقعًا معترفًا به اليوم. تذكرت فيلم The Matrix والسؤال البسيط، المزعج، الذي طرحه: ماذا لو كنا نعيش داخل مصفوفة، نظام كبير لا نرى حدوده لكنّه يحدد القواعد كلّها؟

في الفيلم يكتشف البشر أنّ حياتهم جزء من برنامج ضخم، وأنّ ما يظنونه واقعًا ليس إلاّ طبقة من طبقات عديدة. اليوم، شعرت بشيء يشبه ذلك، حين نظرت إلى الغرابين وهما يفتحان منقاريهما مرات عدّة، دون أن اسمع لهما صوت.

أشعر بالشيء نفسه عندما أفكر بالمشهد السياسي. ليس لأنْي أعتقد أننا داخل جهاز الكتروني، بل لأنّ الأحداث تبدو أكبر من قدرتنا على الفهم. كأنّ هناك "كودًا" يعمل في الخلفية، لا تحكمه الأخلاق أو المنطق الذي نعرفه، بل توازنات قوى بحسابات باردة، لا يظهر فيها الانسان إلاّ رقمًا صغيرا.

طار الغرابان، ومددتُّ يدي إلى فنجان القهوة، في حركة أوتوماتيكيّة لا تنتمي إليّ بالكامل. شعرتُ أنّي أراقب نفسي من الخارج، فسألتُها سؤالًا غريبًا: هل أنا أمسك هذا الفنجان فعلًا؟ هل الصباح وشمس برلين المشرقة والغرابان حقيقة كما يبدون؟ لم تكن لحظة فقدان عقل، بل لحظة اهتزاز نفسي. لأنّ داخلي يحمل عالمين متناقضين: هدوء ما أعيشه وما أنظر إليه عبر الشبّاك، واضطراب السياسة خارج المشهد. كيف يمكن أن يكون الاثنان حقيقيين في الوقت نفسه؟

عندما يشتدّ هذا التناقض، يخطر لي أننا نعيش داخل مصفوفة كبيرة، وما نحن إلاّ معادلة متناهية الصغر في جزء من برنامج صغير ينتمي إلى نظام أوسع منا بكثير. ما كان يُقال إنّه جريمة لا تغتفر، يصبح جزءًا من معادلة سياسية، وأشخاصًا ارتبطت أسماؤهم بجرائم خطيرة يتحوّلون إلى قادة رسميين، وآخرون يتحكمون بالقادة وما هم إلاّ مجرمون أكبر وأحط. تحالفات تتبدل، وخطوط حمراء تعاد صياغتها ويُعاد رسمها. كل شيء يتحرّك وفق موازين قوّة، ليبدو العالم كما لو كان نصًا يعاد تحريره باستمرار، ليخدم مصالح مجموعة محددة من البشر.

ليست المشكلة في الدول التي تخوض الحرب فقط، بل في الحكومات التي تقف حولها مرتبكة 

في هذه الحيرة أتذكّر جملة قالها لي المناضل عبد العزيز الخيّر عام 2012. كنت قد عدت من تظاهرة ضد نظام الأسد في مدينة حمص، وكان قد سقط فيها ضحايا كثر. كنت منهارةَ، أحاول أن أفهم دوافع العنف الذي يمارسه النظام ضد المتظاهرين. نظر إليّ بهدوئه المعتاد وقال: "الحياة لم تكُن عادلة ولن تكون. والسياسة لا يكفي أن تكون أخلاقية، بل يجب أن تكون واقعيّة وتفهم موازين القوى أولًا". يومها لم تعجبني هذه الجملة، كنت أريد عدالة واضحة وسريعة، لا حسابات باردة.

ثمّ اختطف نظام الأسد عبد العزيز الخيّر وأخفاه، ولم يظهر له أثر حتى اليوم. منذ ذلك الوقت، كلّما تذكرت كلماته شعرت بثقل في صدري. رجل كان يعرف قسوة وعبء موازين القوى وعبثها، ومع ذلك لم يتراجع عن مبادئه في الديمقراطية والحريّة والوقوف في صف المظلومين دائمًا. وبينما أفكر به أتمنّى لو أننا فعلًا داخل مصفوفة. لو كان كل ما يحدث برنامجًا يمكن اختراقه. لو كان هناك "نيو" ما، يستطيع أن يعيد كتابة الكود الخاص بعبد العزيز الخير، ويُعيده. في الفيلم كان يمكن انقاذ الأجساد النائمة إذا تمّ خرق النظام، وحتى يمكن استعادة من يختفي. هناك باب خلفي، فرصة أخيرة. أمّا في واقعنا، فالغياب ليس شيفرة يمكن تعديلها. هو فراغ كامل لا يملأه حتى الخيال.

لهذا تبدو فكرة المصفوفة مغرية، فهي تمنح أملًا بوجود خلل يمكن إصلاحه. أمّا الاعتراف بأنّ ما يحدث هو نتيجة شبكة معقّدة من المصالح والقرارات، فهو صعب، لأنّه يعني أنّ العالم ليس مؤامرة واحدة واضحة، بل توازنات متشابكة، لم تكُن عادلة ولن تكون، ولا ستكون معنيّة بالألم الفردي.

اليوم ونحن نتابع الحرب المتصاعدة التي أعلنها ترمب ضد إيران، يبدو المشهد كما لو كان طبقة أخرى من المصفوفة الكبرى. ليست المشكلة في الدول التي تخوض الحرب فقط، بل في الحكومات التي تقف حولها مرتبكة. حكومات تدرك أنّ الصراع أكبر منها، لكنها في الوقت نفسه لا يمكنها تجاهله. قد يبدو موقفها حيادًا، لكن يمكن أن يكون حسابًا دقيقًا داخل نظام معقد.

علامَ يخشون؟ خسارة موقعهم داخل المصفوفة؟ أم أنّ الكود نفسه لا يسمح لهم بموقف آخر أو بكلمة زائدة؟

كأنهم يتحركون بحذر داخل برنامج أكبر منهم، يعرفون حدودهم داخله تمامًا، لكن لا يمكنهم إعادة كتابته. فيغدو السؤال: من يقرر فعلًا من يبقى داخل النظام... ومن يتم حذفه منه؟

في فيلم "The Matrix" هناك دائمًا من يشغل النظام في الخلفية، يكتب الكود ويضغط الزر.

لكن كلما فكرت أكثر، بدت الصورة أعقد بكثير. فحتى أولئك الذين يبدون أنهم يقررون مصائر الحروب يتحركون داخل شبكة ضخمة من المصالح: مؤسسات أمنية وعسكرية، وشركات وسوق سلاح، وتحالفات وضغوط دولية، وحسابات سياسية داخلية. في هذه الشبكة يبدو القائد كما لو كان يضغط الزر، لكنّ الزر نفسه موجود داخل نظام أكبر بكثير، شبكة من المصالح التي تتحرك داخلها الدول والقادة، ونحن أيضًا.

ربّما عندما يدرك الإنسان حدود قدرته على تغيير هذا النظام، يصبح إغراء الوهم مفهومًا أكثر.

في الفيلم شخصيّة مثيرة للاهتمام وللقلق أيضًا: سايفر. الشاب الذي عرف الحقيقة، ثمّ تعب منها. اكتشف أنّ المعرفة لا تغيّر موازين القوى، وأنّ رؤية الواقع عاريًا لا تمنح قدرة سحريّة على إعادة تشكيله. فاختار الوهم. قال إنّ الجهل نعمة، وإن الحياة أسهل حين لا نعرف. فقرر أن يشي برفاقه مقابل أن يُعاد إلى المصفوفة وينسى كل شيء عرفه عن الواقع.

يبدو لي هذا الخيار مفهومًا في سياق عالم اليوم. أليس من الأسهل ألا نبحث عن منطق لما يبدو غير منطقي؟ ألا يجعل الجهل العالم أبسط وأقل إرهاقًا؟ أحيانًا لا يكون اختيار الحبة الزرقاء رغبة في الكذب، بل توقًا إلى النجاة من العجز.

لا أعتقد أننا أحرار تمامًا حتى في اختيارنا لون الحبّة التي نود أخذها. ومع ذلك لا أعتقد أننا مسيّرون بالكامل، فنحن ما زلنا نملك وعينا وأسئلتنا. قد لا نستطيع تغيير المصفوفة، لكننا على الأقل مازلنا نحتفظ بذاكرتنا، وبقدرتنا على الدهشة، وبرفضنا لأن يصبح الظلم أمرًا عاديًا.

في هذا الصباح، شربت القهوة، وكانت ساخنة وحقيقيّة. طارت الغربان واختفت عن ناظري، لكنّ الحديقة والسور ما زالا أمامي.

في هذا الصباح، بدا لي العالم بطبقات متداخلة. يمكن أن يكون هادئًا هنا، وقاسيًا هناك. يمكن أن يكون واقعيًا إلى حد البرودة، ومؤلمًا إلى حد الانكار. ربّما لسنا داخل مصفوفة بالمعنى الحرفي، أو ربّما نحن لا نعرف الكود الذي يحركها فحسب. لكننا بالتأكيد نعيش داخل نظام معقّد لا نرى حدوده كلها.

سوريّات يناقشنَ العودة من ألمانيا إلى الوطن

لا يقدّم هذا التقرير إجابة واحدة عن سؤال العودة إلى سوريا، لأنّ معنى العودة نفسه يختلف من امرأة إلى أخرى....

كفاح علي ديب
من نحن؟ بحثٌ عن الثبات

كما كانت الثورة اختبارًا سياسيًا وأخلاقيًا، والمنفى اختبارًا نفسيًا وإنسانيًا، جاءت لحظة سقوط النظام السو...

كفاح علي ديب
القضية أبعد من "الموديل العاري"

يتكرّس اليوم سلطان جديد غير مكتوب في سوريا. لا يُعلن نفسه رسميًا لكنه حاضر في كل تفصيل، من إدارة الجامعة...

كفاح علي ديب

اقرأ/ي أيضًا لنفس الكاتب/ة