سوريّات يناقشنَ العودة من ألمانيا إلى الوطن

لا يقدّم هذا التقرير إجابة واحدة عن سؤال العودة إلى سوريا، لأنّ معنى العودة نفسه يختلف من امرأة إلى أخرى. لكنه يسعى إلى تفكيك أسئلة من نوع كيف ولماذا أصبحت العودة ممكنة للبعض، ومستحيلة لآخرين، في اللحظة التاريخية نفسها.

لا تظهر العودة إلى سوريا من ألمانيا، في تجارب كثير من النساء، بوصفها قرارًا فرديًا يُتخَذ في عزلة، بل كمشروع جماعي يتشكل عبر شبكات دعم غير رسمية.

ففي مجموعة مغلقة على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، تضم عشرات السوريات اللواتي عُدن أو يخططن للعودة، تتبادل النساء يوميًا تفاصيل الحياة العملية: الأحياء المناسبة للسكن في المحافظات المختلفة، والمدارس المناسبة للأولاد، وحتى أسعار الخضار والفواكه واللباس وتكاليف الحياة اليومية.

قراءة نقاشاتهنّ تمنح صورة أقرب للواقع حول متى، وكيف، ولماذا تصبح العودة خيارا. فبالنسبة لكثير من المشاركات، وبرغم إدراكهنّ الصعوبات الاقتصادية والخدمية والتحديات الأمنية، تبدو العودة خيارًا أقل قسوة من الاستمرار في حياة يشعرن فيها باغتراب دائم في ألمانيا، داخل بيئات عمل صارمة، ومجتمع يتّجه، بحسب وصفهنّ، نحو مزيد من التعصّب وكره الأجانب.

وضمن هذه النقاشات يبرز نموذج خاص للعودة لا يقوم على الانتقال الكامل، بل على إعادة توزيع الحياة عبر الحدود. تتحدث نساء عن خيار عودتهنّ مع الأطفال إلى سوريا، مقابل بقاء الأب في ألمانيا كمصدر دخل يدعم الأسرة. لا يقدَّم هذا الترتيب بوصفه حلًا مثاليًا، بل كحل مرحلي يهدف إلى "حماية الأبناء، من الفلتان في ألمانيا" والحفاظ على دور الأهل في التربية، دون التخلّي عن الاستقرار الاقتصادي.

في هذا النموذج، لا تفهم العودة كقطيعه مع "المنفى"، ولا كحسم نهائي، بل كقرار مُدار، تُختبر فيه إمكانية العيش مع إبقاء الخيارات مفتوحة. الخيارات هذه تصغها النساء بأنفسهنّ، لا بوصفهنّ ضحايا للظروف، بل كفاعلات، يُعدن هندسة حياتهنّ بأقل خسائر ممكنة وبأكثر شكل يجدنه مناسبًا للمرحلة

من هذا الإطار العام، تنتقل قصص العودة من النقاش الجماعي إلى التجارب الفردية، حيث تتخذ العودة أشكالًا مختلفة بحسب الظروف الشخصية. 

حين بدت العودة ممكنة

لا تأتي العودة دائما بوصفها قرارًا سياسيًا أو تعبيرًا عن انتصار، بل قد تكون أحيانًا محاولة أخيرة لاستعادة توازن نفسي أو حماية الأطفال من شعور بالإقصاء. في هذا السياق، تبدو العودة خيارًا شخصيًا شديد الخصوصية، مرتبطًا بالإرهاق المتراكم من المنفى، وإلى جانبه تغيّر الواقع السياسي في سوريا.

الحالات التالية تمثل عودة لا تقوم على رؤية كل شيء ورديًا، بل على المقارنة بين ألمَين ومصاعب مختلفة ثمّ اختيار الأقل قسوة.

روزي: (اسم مستعار)، 34 عامًا، أنجبت طفلين في ألمانيا. برغم تحقيقها كل شروط "الاندماج"، بقي شعورها بالغربة يتراكم، خصوصًا بعد تعرض طفلها، المولود في ألمانيا، لإهانات عنصرية داخل المدرسة، ووَصمه المتكرر بـ"الأجنبي".

تقول روزي إن العنصرية "لم تكن السبب الوحيد للمغادرة، بل أيضًا البيروقراطية القاسية التي تحوّل الافراد إلى روبوتات بلا مشاعر". وتضيف: "تعرضت أيضًا للعنصرية في العمل بسبب ارتدائي للحجاب".

عند سقوط نظام الأسد، قرّرت روزي مع عائلتها العودة فورًا، برغم أنّهم لا يحملون الجنسية الألمانية "كضمان"، ولم يحصلوا على أي دعم للعودة الطوعية.

تضيف روزي: "مع كل ذلك، أنا لا أُنكر فضل ألمانيا علينا، وسأبقى شاكرة لأنها احتوتنا بعد أن تهجرنا. في سوريا توجد عائلاتنا التي ستساعدنا لنستقر، وبالتأكيد سيجد زوجي عملًا، فبلدنا بحاجة لكل يد عاملة الآن، خصوصًا الكفاءات".

بالنسبة لكثير من السوريات، لم تعد العودة سؤال توقيت أو ظروف، بل أصبحت سؤالًا غايته محاولة إيجاد معنى ما: هل ما زال هناك ما يمكن العودة له؟ 

العودة كعلاج نفسي 

على عكس روزي، تحمل داليا (اسم مستعار) الجنسية الألمانية، وهذا أشعرها بنوع من الدعم لقرار العودة.

تصف سنوات اقامتها في برلين بـ"الاكتئاب". تُتقن داليا اللغة الألمانية بمستوى متقدّم، واستوفت شروط الاندماج المتعارف عليها كافة، لكنها لم تكن سعيدة. فالفصل الرمادي طويل، وايقاع الحياة صارم، وثمة شعور دائم بأنّ الجهد المبذول لا ينعكس بالضرورة على جودة الحياة. وبعد إنجاب طفلتها، ازدادت حدّة هذا الشعور بسبب صعوبة الموازنة بين الأمومة ومتطلبات الحياة اليومية.

لم تكن العودة في الأساس ضمن خططها، لكن زيارة طويلة لسوريا بعد سقوط الأسد قلبت المعادلة.

تقول: "شعرت بسعادة وحبّ وطمأنينة لم أكن أعتقد أنهما ما زالا مُمكنين، فقررت العودة سريعًا قبل أن تدخل ابنتي المدرسة في ألمانيا، مستندة إلى دعم عائلي كبير في تجهيز بيت مع طاقة شمسية، وشبكة أمان اجتماعية ممتلئة بالحب".

ومع ذلك، لا تعتقد داليا أن العودة مثالية، لكنها بالتأكيد أقل قسوة نفسية من البقاء في ألمانيا. تجربتها ليست هروبًا إلى الماضي، بل خيار للحاضر، ومحاولة لإعادة تنظيم الحياة بما يحافظ على الصحة النفسية والمعنى الشخصي. العودة هنا تخفف ما تراكم من إنهاك.

حين اصطدمت العودة بالواقع

ليست كل عودة قابلة للاستمرار. فبين الفكرة والتطبيق، تظهر فجوة واسعة تصطدم فيها التوقعات بالواقع المعيشي، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالأطفال والتعليم والبنية التحتية. هذا النوع من العودة قد يتحوّل إلى تجربة صادمة تعيد تعريف معنى "الوطن" كمساحة غير صالحة للعيش. 

تمثل تجربة سمر (اسم مستعار) نموذجًا لهذه العودة حيث تقول: "العودة دمّرت أطفالي"، وهي لا تعتقد أنّ القرار كان خاطئًا بحد ذاته، بل أنّ البيئة غير قادرة على احتضان العائدين، خصوصًا أولئك الذين لديهم أطفال تشكّل وعيهم ومهاراتهم في أنظمة تعليمية مختلفة جذريًا. 

تقول سمر: "وضعت أبنائي في أفضل مدرسة خاصة، تكاليفها باهظة، ومع ذلك هم لا يطيقون المدرسة بسبب اختلاف طرق التعليم، وتعامل المعلّمين مع الطلاب. في أوروبا يبنون الإنسان، هنا يحطمونه".

لم تكن المشكلة في المدارس فقط، تضيف سمر: "أشعر أن أبنائي ضاعوا هنا، البيئة مختلفة تمامًا. لقد تعودوا على النظام والنظافة في أوروبا. الآن يرون كل شيء حولهم قبيح.

 Image

من احتفال في مدينة إيسن الألمانية بسقوط النظام السابق

حين أصبحت العودة مستحيلة

في مقابل من وجدوا في العودة خلاصًا أو جرّبوها ثمّ تراجعوا، تقف مجموعة كبيرة من السوريات أمام قناعة راسخة: العودة اليوم ليست خيارًا، لا نفسيًا ولا عمليًا.

في هذه الحالات، لا تتعلق الاستحالة بصعوبة الظروف فحسب، بل بانكسار الثقة، وفقدان الإحساس بالأمان، وأحياناً بتفكّك معنى الانتماء نفسه. 

تكشف شهادة عُلا الجاري كيف يمكن أن يتحوّل الأمل القصير بالعودة إلى صدمة جديدة.

علا المنحدرة من السويداء، لم تفكر يومًا بالعودة إلى سوريا في ظل نظام الأسد. بعد سقوطه، عاشت شهرًا من الحلم بإمكانية العودة وبفرصة تعريف أطفالها على بلدهم. تقول: "فجأة استفاق الشوق الشديد لسوريا والسويداء، الذي حاولت طوال عقد كامل دفنه كي لا ينغّص حياتي. صار مجرد التفكير أن الفرصة متاحة لتعريف أولادي على بلدي، سببًا لكثير من دموع الشوق والفرح".

لكن هذا الحلم، كما تضيف، لم يدم طويلًا. إذ سرعان ما اصطدم بواقع وصول "هيئة تحرير الشام" إلى الحكم في دمشق.
لا تثق عُلا بوعود التغيير، خصوصًا بعد المجازر الطائفية، وحوادث خطف النساء، وكثير من الانتهاكات. تختم موقفها بوضوح: "المرّة الأولى التي شعرت فيها بأنّي مواطنة محترمة لدي حقوق وواجبات وقانون يحميني، كانت في ألمانيا، ولا أرى بديلًا آمنًا لي ولأطفالي، وهذا قرار نهائي".

في أقصى هذا الطيف، تبرز شهادة راما. إذ لا ترى في العودة خيارًا مؤجلًا ولا مخاطرة، بل فكرة منتهية بالكامل. بالنسبة لها، لم تعد المسألة مرتبطة بالأمان أو بطبيعة السلطة فحسب، بل بإحساس فقدان الانتماء نفسه.

تقول راما إنّها لم تفكر بالعودة للعيش في سوريا، لا قبل سقوط النظام ولا بعده، وؤنّ زيارتها القصيرة بعد السقوط عمّقت هذا الشعور بالقطيعة، في ظل ما تصفه بصعود قوى دينية وإقصائية، ومجتمع لم يعد يوفر أي مساحة أمان أو قبول. تقول إن العودة لم تعد تعني خسارة مكاسب مادية فحسب، بل التنازل عن حرية شخصية واستقرار نفسي، ونمط حياة لم تعد قادرة على المساومة عليه.

بين شهادة عُلا التي انهار حلم العودة لديها تحت وطأة واقع سياسي وأمني جديد، وشهادة راما التي وصلت إلى حالة قطيعة مع فكرة الوطن والانتماء، تتضح إحدى أقسى نتائج السنوات الماضية: بالنسبة لكثير من السوريات، لم تعد العودة سؤال توقيت أو ظروف، بل أصبحت سؤالًا أقرب إلى الفلسفة لجهة محاولة إيجاد معنى ما: هل ما زال هناك ما يمكن العودة له؟ 

العودة ليست خيارًا محايداً جندريًا، وبالنسبة لكثير من السوريات، يُطرَح سؤال العودة بوصفه مفاضلة بين حياة يمكن عيشها، وحياة تُفرَض فيها المخاطرة بشكل يومي

العودة كخطرٍ جندري

في عدد من الشهادات النسائية، لا تُطرح العودة إلى سوريا بوصفها قرارًا سياسيًا أو اقتصاديًا فحسب، بل كسؤال يمس الجسد، والأمان، والحرية اليومية. هنا لا يقاس الوطن بحدوده الجغرافية فحسب، بل بقدرته على حماية النساء، وضمان حقوقهنّ، وإتاحة الحياة دون خوف.

تكشف التجربتان التاليتان، كل من موقعها، كيف تتحول العودة إلى مخاطرة وجوديّة بالنسبة لبعض النساء، حيث يتقاطع العنف الاجتماعي مع غياب الحماية القانونية، وتصبح الحرية التي اكتسبنها في المنفى شرطًا لا يمكن التنازل عنه.

الحرية اليومية كخط أحمر

سالي شابة في أوائل الثلاثينات، تعيش في ألمانيا منذ نحو عشر سنوات. تقول إنها لم تفكر يومًا بالعودة إلى سوريا، لا لآنها فقدت علاقتها بالمكان، بل لأنها أسّست حياتها على شروط لم تكن متاحة لها هناك. تدرس الفنون، وهو اختصاص لم تكن تتخيل دراسته في سوريا "لأنّه لا يطعم خبزًا"، بينما أتاح لها العيش في ألمانيا هامش أمان اقتصادي وفرصًا حقيقية للنجاح، إلى جانب ما تصفه بـ "حرية مطلقة كامرأة".

لكنّ العامل الحاسم في موقفها من العودة ليس المسار المهني وحده، بل التجربة الجسدية والاجتماعية للمرأة في الفضاء العام. تتحدث سالي عن تعرّضها المتكرر للتحرش في سوريا، وتقول إنّ كل النساء اللواتي تعرفهن تقريبًا مررن بتجربة مشابهة مرة واحدة على الأقل. في المقابل، وخلال عشر سنوات من حياتها في ألمانيا، لم تتعرض سوى لحادة تحرش واحدة، وتضيف، بمرارة، أنّها وقعت في "شارع العرب".

بالنسبة لسالي هذا ليس تفصيلًا، بل خط فاصل بين حياة ممكنة وحياة قائمة على الخوف.

تمثل تجربة سالي نموذجًا لسوريات لا يرفضن العودة من موقع القطيعة، بل من موقع حماية الذات. هنا لا تقاس العودة بالحنين، بل بقدرة المرأة على أن تعيش حياة لا تُفرض عليها شروطها بالقوة.

حين تصبح العودة مخاطرة وجودية

إذا كانت تجربة سالي تنطلق من الحياة اليومية، فإنّ علياء أمينة أحمد تضع استحالة العودة في إطار بنيوي أوسع. علياء كاتبة وباحثة اجتماعية، تعيش في ألمانيا مع زوجها وولديها منذ نحو عشر سنوات. وحصولها على الجنسية الألمانية شكّل، بحسب وصفها، واحدًا من أهم إنجازاتها حاليًا. "لقد منحني شعورًا بالأمان وحق امتلاك القرار بالكامل بشأن العودة أو البقاء، وفتح أمامي خيارات وآفاقًا متنوعة"، تقول. 

لم تفكر علياء بالعودة إلى سوريا، لا قبل سقوط نظام الأسد ولا بعده. قبل السقوط، كان الخوف من نظام مستبد يمنعها حتّى من الزيارة. وبعده راودها أمل محدود بإمكانية زيارة الأهل، لكنّه تلاشى سريعًا بعد زيارتها البلد، في ظل ما شهدته من مجازر وانتهاكات ذات طابع طائفي، وردود رسمية اعتبرتها مخيبة وتعكس استمرار منطق الإفلات من المحاسبة.

تقول علياء إنّ العودة، كامرأة، في هذا السياق، تشبه "الانتحار"، لأنها تعني العيش في بيئة تميّز ضد النساء، وتفتقر إلى تشريعات تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية.

ومع ذلك ما تزال مرتبطة بعائلتها في سوريا. لذلك لا تغلق باب العودة نهائيًا، إذ تؤكد أنّ العودة قد تصبح ممكنة فقط في حال تحقق انتقال سياسي حقيقي، وحصل تطبيق فعلي للعدالة الانتقالية، وبناء لدولة قانون تحمي الجميع دون تمييز.

خيار العودة الطوعية

أُدرجت سوريا، في ألمانيا، كوجهة رسمية ضمن برنامج العودة الطوعية في كانون الثاني/يناير 2025، ومنذ ذلك التاريخ تمّ تسجيل 3123 طلبًا لـ 5652 شخصًا، بالمقارنة مع 87 حالة فقط عام 2024، ما يعكس ازديادًا ملحوظًا في الاهتمام بالعودة، دون أن يعني بالضرورة تحوّلها إلى خيار قابل للحياة على نطاق واسع.

المجتمع، والذاكرة، والاستبداد، إذًا كيف نعود؟

إذا كانت تجربة سالي تنطلق من الجسد في الفضاء العام، وتجربة علياء من بنية القانون والسلطة، فإنّ شهادتي يارا وميساء تكشف مستوى ثالث من استحالة العودة: المجتمع بوصفه فضاءً طاردًا للنساء.

تقول يارا بوضوح إنّها لم تفكر يومًا بالعودة النهائية إلى سوريا. بالنسبة لها، لم تكن سوريا مجرّد نظام قمعي، بل مجتمعًا ذكوريًا عنيفًا، لم يمنح النساء يومًا شعور الأمان أو الحق الكامل في الوجود. تتحدث عن تجارب الخوف، والعنف، والتحرش، وعن شعور دائم بأنها "امرأة بلا حقوق" في بلدها.

بالنسبة ليارا، لم تعد العودة مستحيلة سياسيًا فقط، بل نفسياً أيضًا، لأنّ زيارة سوريا اليوم تعني، كما تقول، "قتل الذاكرة الجميلة" التي ما زالت تحتفظ بها عن دمشق.

أمّا ميساء، فتذهب أبعد في توصيف القطيعة. إذ تصف ما جرى بأنّه لحظة انكشاف قاسية، لا للسلطة فقط، بل للمجتمع أيضًا، حين يصبح العنف مقبولًا، بل مبررًا باسم الدين.

في شهادتَي يارا وميساء وسالي وعلياء، لا تُرفض العودة من باب الخوف الفردي، بل من باب فقدان الثقة بالمجتمع نفسه، وبقدرته على احتضان النساء، أو قبول الاختلاف، أو بناء معنى للمواطنة يتجاوز الطائفة والسلطة. 

وفي تقاطع هذه التجارب يتضح أنّ العودة ليست خيارًا محايداً جندريًا. فبالنسبة لكثير من السوريات، لا يُطرَح سؤال العودة بوصفه عودة إلى المكان، بل كمفاضلة بين حياة يمكن عيشها، وحياة تُفرَض فيها المخاطرة على الحريّة والكرامة بشكل يومي، وفي هذا السياق، لا يصبح المنفى نقيض الوطن، بل شرط النجاة منه.

لا يقدّم هذا التقرير إجابة واحدة عن سؤال العودة إلى سوريا، لأنّ معنى العودة نفسه يختلف من امرأة إلى أخرى. فبالنسبة لبعض السوريات، كانت العودة خيارًا ممكنًا، أو حتّى منقذًا، لاستعادة توازن نفسي، أو حماية الأطفال، أو العودة إلى شبكة دعم عائلي لا يمكن تعويضها في المنفى. وبالنسبة لأخريات، كانت العودة مخاطرة وجودية تمسّ الحريّة والأمان، والجسد، والحق في العيش دون خوف.

تُظهر هذه الشهادات أنّ العودة لم تعد فعلا رمزيًا أو حنينًا مجردًا، بل قرارًا شخصيًا مشروطًا بظروف دقيقة، منها موقع المرأة في المجتمع، ومستقبل الأطفال، وطبيعة السلطة القائمة، ووجود الدعم أو غيابه. 

ولا ينطلق هذا التقرير من فرضية العودة كحق أو واجب، ولا يفترض أنّ عدم العودة خيانة أو ترف. بل يسعى إلى تفكيك أسئلة من نوع كيف ولماذا أصبحت العودة ممكنة للبعض، ومستحيلة لآخرين، في اللحظة التاريخية نفسها.

من نحن؟ بحثٌ عن الثبات

كما كانت الثورة اختبارًا سياسيًا وأخلاقيًا، والمنفى اختبارًا نفسيًا وإنسانيًا، جاءت لحظة سقوط النظام السو...

كفاح علي ديب
القضية أبعد من "الموديل العاري"

يتكرّس اليوم سلطان جديد غير مكتوب في سوريا. لا يُعلن نفسه رسميًا لكنه حاضر في كل تفصيل، من إدارة الجامعة...

كفاح علي ديب
بين ولادتين: أيلول يدوّن بداياتي وانكساراتي

لا أعتقد أنّ أمّي تخيّلت أنّ أيلول، شهر مولدي، سيشكّل أهم المنعطفات في مسار حياتي. في كلّ أيلول يولد فيّ...

كفاح علي ديب

اقرأ/ي أيضًا لنفس الكاتب/ة