"القبواتيّة" ونسويّة الدولة في سوريا الجديدة

تقتبس "القبواتية" وظيفة نسوية الدولة من دون أن تمتلك بُنيتها ووعودها بل حتى هامشها النسائي، وتختلط مع ما أدعوه بـ"النشاطية الموالية للدولة" مع فارق حاسم: إذ حتى "الحضور الرمزي" للنساء الذي يسمح أصلًا بتشكّل نسوية الدولة يكاد يكون غير متاح.

أثارت التصريحات الأخيرة لهند قبوات، المكلفة بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في الحكومة الانتقالية في سوريا، موجات من التهكم ــــ قبل الاستغراب والتوبيخ ـــ في بعض الأوساط الحقوقية أو المعارِضة السلطة، وحتى بين زميلاتها السابقات في النضال النسوي. قبوات التي عُرفت بدورها في المعارضة لنظام بشار الأسد، عدا عن تصدرّها المشهد السياسي والشأن العام كناشطة نسوية وسياسية، أكّدت في الآونة الأخيرة على "وحدة" سوريا وعلى أن ما حدث في السويداء كان "بعض الأخطاء". وقد تزامن ذلك مع خبر عدم منح وزارة الخارجية الإذن للحركة السياسية النسوية السورية لعقد مؤتمرها في دمشق.

وللمفارقة، فقبوات من العضوات المؤسسات للحركة السياسية النسوية السورية، وقد باركت الحركة انضمامها للحكومة الانتقالية، لتعزيز دور النساء في "العملية الانتقالية". غير أن سمات هذه المرحلة الانتقالية باتت ترتبط باختطاف النساء والفتيات أو ممارسة العنف الجنسي ضدّهن، فضلًا عن تقويض حضور النساء في الحيز العام وتقليص مشاركتهنّ السياسية والإدارية.

يكتسب وجود قبوات في الحكومة الانتقالية بعدًا رمزيًا ودلاليًا، قد يُوظّف بقصد أو غير قصد، بوصفه تمثيلًا نسائيًا وأقليّاتيًا (كونها مسيحية) في سلطة دمشق. وتكشف جولة على الانترنت كيف تصفها الصحف والمواقع العالمية والمحلية التي تتناول شخصها ومنصبها، بوصفها الوزيرة أو المرأة الوحيدة في حكومة سوريا الانتقالية. 

وبعيدًا عن الجدل حول شرعية الحكومة، يُفيد التذكير بأنّها تشكّلت نتيجة توحّد مليشيات، أبرزها "هيئة تحرير الشام"، عقب إسقاط نظام الأسد، ونصّبت نفسها ورئيسًا لها سلطة على السوريين والسوريات، في ظل إشكاليات قانونية ودستورية عديدة. هذا الائتلاف المشكِّل للحكومة المؤقتة، المتورط بجرائم حرب وانتهاكات خلال كامل فترة النزاع، عاد وتورّط في جرائم جسيمة خلال مرحلة "توحيد سوريا"، بلغ ذروته خلال مجازر الساحل والسويداء، وما تلى ذلك من تصعيد في شمال شرق سوريا. ويبدو التذكير بذلك ضروريًا لدى افتتاح أي نقاش حول العمل السياسي في سوريا اليوم، خصوصًا في ظل الاشتغال الخطابي لـ"الناشطين/ات" والمنظمات غير الحكومية في ملف العدالة الانتقالية، الذي يستثني فعليًا "هيئة تحرير الشام" وبعض المتورطين الآخرين، بمن فيهم متورطون سابقون في نظام الأسد، ممن أعفتهم سلطة دمشق وفق تسويات معينة.

منذ تعيينها وزيرةً للشؤون الاجتماعية والعمل في آذار/مارس 2025، قدّمت هند قبوات نفسها ــــ في خطابها الرسمي والحوارات الصحافية ــــ بوصفها "وزيرة عملٍ اجتماعي" أكثر منها فاعلة سياسية: فركّزت في كلامها على "المجتمع المتماسك" و"العدالة الاجتماعية" و"العمل التشاركي"، الذي يضمّ "وزراء ومجتمعًا مدنيًا معًا"، مع التشديد على ضرورة "تعزيز الثقة" بين الجميع. كما تتكرّر في خطابها مفرداتٌ شبه ثابتة حول الوساطة والحوار، والمصالحة الأهليّة، وتجنّب "الحرب الطائفية"، واعتبار الانتقال مجالًا تُحتمل فيه "الأخطاء".

تكثّفت الأدائيات الخطابية لهند قبوات على امتداد عام 2025، توازيًا مع تكريس خطاب الوحدة والتآخي عقب أحداث دموية متكررة

في مقابلة مع صحيفةLibération  الفرنسية، تصف قبوات نفسها بـ"التكنوقراطية المتخصصة بالحوار"، وتذهب إلى أبعد من ذلك بتقديم قادة "هيئة تحرير الشام" كشركاء يمكن "أخذ أفضل ما لديهم" والتعاون معهم، مع إبراز فضائل "اللباقة والاستقامة والتفاني" لديهم، والتأكيد على أن "الفشل غير مقبول".

وفي تغطية Fortune لظهورها في منتدى دولي (تشرين الأول/أكتوبر 2025)، تعود قبوات إلى مفردات "الاندماج/الشمول" و"سوريا الفسيفساء"، وتطرح "الكوتا" كحلٍّ عملي لضمان تمثيل النساء، واصفة وجودها كـ"مرأة وحيدة" في الحكومة بالوضع "غير العادل"، لكن القابل للإصلاح بمرور الوقت وتوفّر الإرادة.

تكثّفت هذه الأدائيات الخطابية على امتداد عام 2025، توازيًا مع تكريس خطاب الوحدة والتآخي عقب أحداث دموية متكررة، وصولًا إلى تداول صور ومقاطع مصوّرة تظهر فيها الوزيرة مُنشدة مع الجمهور بعفويّة في احتفالية ذكرى “التحرير”، أو مرتدية قبعة متواضعة خلال جولات تفقدية في مخيمات الشمال السوري. غير أن ملف تلك المخيمات لم يُقارَب بجدّية تُوازي حجم الكارثة، فيما ظهرت أخيرًا مقاطع مصوّرة قاسية توثّق المعاناة التي يعيشها سكان المخيمات خلال شتاء هذا العام.

وفي خبر مقتضب نشرته وكالة "سانا" في 9 شباط/فبراير 2026، تظهر الصيغة الخطابية ــــ الإدارية نفسها: لقاء مع “المنظمات الدولية والمحلية والفرق التطوعية” في مخيم بريف إدلب، لـ"تكثيف التعاون" ودعم المخيمات.

ما يجمع هذه المشاهد ــــ من تصريحات حول "الوحدة" و"الثقة" و"الشراكة"، وزيارات ولقاءات ووعود بتوسيع حضور النساء ــــ هو أنها تنتج مشهدًا انتقاليًا مطمئنًا أكثر مما تقدّم سياسةً قابلة للقياس؛ مشهد يُغري الفضاء المدني (خصوصًا المنظمات) بالتموضع داخل "لغة توافقية" تُعرِّف الفعل السياسي بوصفه تعاونًا وتهدئةً وتضميدًا، لا بوصفه اشتباكًا سياسيًا مع بنية السلطة.

لكنّ هذا المشهد ــــ وجه نسائيّ يقدَّم كإشارة على "الاعتدال"، ونسوية تُختزل في حضور رمزيّ وخطاب أخلاقي عن الأخوّة والمحبة والتسامح، وتناولٌ مكثف في الإعلام الغربي والإقليمي لحضور الوزيرة بوصفها "المرأة الوحيدة" ــــ يبدو مألوفًا، إذ إنّه يعيد إنتاج منطق قديم: تحويل "المرأة" إلى علامة شرعية، وحصر الفعل السياسي في لغة مُطمئِنة تُراكم الرمزية أكثر مما تُراكم السياسة.

قبل 2011، أخذ "تمكين" المرأة صيغة مرتبطة بالدولة، وبات مشروعَ "تحديث" يُدار عن طريق الصورة والمؤسسة واللغة. في قلب هذا المشروع، برزت أسماء الأسد كواجهة تُختصر فيها "المرأة الحديثة" القادرة على تحديث البلد، واستُخدمت مفردات "تمكين المرأة" لإضفاء شرعيةٍ وملامحِ حداثة على الدولة، بدلًا من تسييس المجال النسويّ أو فتحه على مساءلة السلطة.

لكنّ الأهم أن هذا الدور لم يقف عند الصورة. إذ إنّ "تمكين المرأة" حصل عمليًا عبر هندسة المجال الأهلي/المدني نفسه في لحظة نيوليبرالية كانت الدولة فيها تنسحب تدريجيًا من أدوار الرعاية، واحتاجت في المقابل إلى شبكة تمتصّ التوترات الاجتماعية وتضبط الحركات والاحتجاجات، كما تشير الباحثة ميسون سكرية في ورقة بعنوان "ظاهرة السيدة الأولى". هكذا، تمدّدت المنظمات غير الحكومية في سوريا بصيغةٍ "مضبوطة" وموجّهة نحو النساء والشباب والفقراء بوصفهم "مجالاتِ عملٍ اجتماعي" قابلة للإدارة بلا سياسة، أي مجتمع "مدني" بحدود مرسومة مسبقًا، لا مساحة مستقلة للصراع على الحقوق.

هذه الآلية ارتبطت مباشرة بتحوّلات في الاقتصاد والسياسة، تحت شعار "اقتصاد السوق الاجتماعي"، حيث توسّعت الخصخصة، وفُتحت أبواب الاستثمار، وخُفّض الدعم، وتراجعت خدمات الصحة والتعليم، بعد وصول بشار الأسد إلى الحكم خصوصًا، مع ما رافق ذلك من زيادة في أشكال اللامساواة ومخاوف "الاضطراب الاجتماعي". في هذا السياق، سُمِح بتوسع المنظمات على نحو متأخر نسبيًا، لكن ضمن صيغة تُهيمن عليها منظمات غير حكومية بتنظيم الحكومة (GONGOs)، وهي منظمات تُقدَّم بوصفها غير حكومية، فيما هي مُنشأة ومُنظمة ومسيطر عليها من قبل الدولة. ضمن هذه الصيغة، تأسست عام 2007 "الأمانة السورية للتنمية" بوصفها المنصة الأكبر، واشتغلت مشاريعها على الفقراء والنساء والشباب عبر التعليم والتدريب، والترويج لريادة الأعمال/المشاريع الصغيرة، والاحتفاء بـ"التراث الثقافي"، وذلك عبر شراكات مع وزارات وبلديات وقطاع خاص وجهات تمويلٍ دولية والبنك الدولي.

المسألة ليست في "سوء اختيار الكلمات"، ولا في "النوايا الطيبة" بعد كل مجزرة، بل في وظيفة اللغة غير السياسية حين تُمارَس داخل بنية إقصائية

وبذلك أدّت "نسوية الدولة" (state feminism) في سوريا دور وظيفة مزدوجة؛ فهي واجهة رمزية تُنتج صورة المرأة الحديثة، وبنية مؤسساتية تُعيد تعريف النسوية والمجتمع المدني داخل قنواتٍ تنموية، حيث تُموضع النساء غالبًا كـ"مُستفيدات" ضمن مشاريع تحسين، وتُختزل السياسة بإدارة مجتمع. وبالنتيجة، لا يعود السؤال فقط: ماذا قيل عن تمكين المرأة؟ بل يصبح: من امتلك حق تعريفه، ومن رسم حدوده، ومن حوّله إلى لغةٍ تُطمئن بدل أن تُسيّس؟

وإذا كانت نسوية الدولة في عهد أسماء الأسد قد اشتغلت عبر واجهة نسائية وشبكة منظمات أعادت تعريف المجتمع الأهلي ضمن حدودٍ مرسومة، فإن العودة إلى هذا النموذج يساعد على فهم ما يُعاد إنتاجه اليوم، أو على الأقل التنظير فيه، لكن في سياقٍ أكثر انسدادًا. إذ إنّ حالة هند قبوات ليست فردية، بل تعبير عن ظاهرة تتكثف حولها لغة "غير سياسية"، وتُعاد عبرها صياغة علاقة المنظمات والحركات بالسلطة الانتقالية.

هذه الظاهرة التي سنسميّها "القبواتية" تأتي كنتيجة لالتقاء ثلاثة عوامل:

الأول جندري/نسوي: اختزال العمل النسوي وتذويبه داخل بنية إقصائية تقوم بأسلمة المجال العام وتُقصي النساء وتهوّن من قضاياهنّ، وهي بنية تتعارض جذريًا مع الحراك النسوي، بما يُفرغ عمليًا احتمال "التغيير من الداخل" من محتواه.

والثاني سياسي: وهذا لا يرتبط بتماهي الوجه الحقوقي ــــ المعارض السابق مع سلطة متورطة بنزاعات أهلية فحسب، بل يمثّل تطبيعًا خطابيًا يخفّف من وطأة ما يحدث ويُسطّحه، ويغفل ملفات جوهرية مثل العدالة الانتقالية، والأحداث الدموية، وخطف النساء والعنف الجندري، علمًا أنّ التسطيح يتمثّل بشكل خاص بتقديم خطابات إنشائية تُربّت على أكتاف المكلومين/ات من دون خطّ أي مسار واضح لخلاصهم/هنّ، ويحفّز كثر على تبني هذا الخطاب في المجال العام.

أما الثالث فإعلامي/إنجي أوزي: وهذا نمط ممارسة تُترجَم فيه العلاقة مع السلطة كأداءٍ رمزي يُمكن تتبّعه في البيانات واللغة والمواقف "الوسطية"، وعبر حضورٍ إعلامي إقليمي يُساهم، بحكم وظيفته وسياقه، في تعويم حكومة أحمد الشرع وتقديمها كحكومة "واقعية/معتدلة"، بينما تُزاح إلى الخلف الأسئلة التي تختبر جدية أي انتقال. وفي هذا السياق تشارك منظمات غير حكومية في هذه العملية، وتصبح جزءًا بنيويًا منها.

بهذا المعنى، تقتبس "القبواتية" وظيفة نسوية الدولة (لجهة "التعويم الرمزي") من دون أن تمتلك بنيتها ووعودها بل حتى هامشها النسائي، وتختلط مع ما أدعوه بـ"النشاطية الموالية للدولة"  (state-friendly activism) مع فارق حاسم: إذ حتى "الحضور الرمزي" للنساء الذي يسمح أصلًا بتشكّل نسوية الدولة يكاد يكون غير متاح هنا. وهذا حُكمًا لا يعني تفضيل الاستغلال الرمزي للنظام السابق، لكنه يفتح السؤال على مآلات الشكل الجديد للوجود النسويّ في سوريا اليوم، وهو وجودٌ يُستخدم للتطبيع مع سلطة أمر واقع لا تمنح النساء حق التواجد الفيزيائي الواسع ولا الحضور السياسي داخلها حتى، فيما يُطلب من المجال المدني أن يكتفي ببثّ الطمأنة بدل أن يفتح معركة العدالة والحقوق.

المسألة إذًا ليست في "سوء اختيار الكلمات"، ولا في "النوايا الطيبة" بعد كل مجزرة، بل في وظيفة اللغة غير السياسية حين تُمارَس داخل بنية إقصائية: لغةٌ تبدو إنسانية ومحايدة وتقنية، لكنها في الواقع تُخرج السياسة من المشهد وتستبدلها بإدارة معنوية للألم. هذا النوع من الخطاب، الذي يتغذّى على مفردات الأخوّة والتسامح والثقة والتعاون، يُنتج سياسة من نوع خاص: سياسة تُنكر أنها سياسة، وتحوّل المساءلة إلى "تواصل"، والحقوق إلى "شراكة"، والعدالة إلى "لجان" و"إجراءات"، والاختلاف إلى "سوء فهم".

بهذا المعنى، لا يصبح "التغيير من الداخل" أفقًا، بل منطقًا لتأجيل السياسة: كل ما لا يمكن مواجهته يُعاد توصيفه كملف تقني، وكل ما لا يمكن تسميتُه يُستبدل بعبارات عمومية، وكل ما يفضح البنية الإقصائية يُعاد ربطه بفكرة "المرحلة" وضروراتها، أو بـ"البراغماتية".

وقد تبدّى هذا المنطق بأوضح صوره في "مؤتمر الحوار الوطني"، الذي كانت قبوات في لجنته التحضيرية، وقُدّم كمساحة جامعة لإعادة تأسيس الحياة السياسية، لكنه انتهى إلى عناوين عامة بلا آليات مُلزمة، وسط انتقادات تتعلق بكيفية توجيه الدعوات والتمثيل وضيق الزمن وغياب الأصوات المؤثرة. بهذا المعنى، لم يكن "الحوار" إنتاجًا لشروط سياسة جديدة، بل إعادة تدوير لـ"لغة الوحدة" على هيئة حدث يمنح شرعية شكلية أكثر مما يفتح باب مساءلة.

مع ذلك، من الضروري ألا يتحوّل نقد "القبواتية" إلى محو لما تبقّى من فعل نسويّ حقيقي في سوريا الجديدة. فخارج هذا النمط، ما زالت هناك جهود نسوية، علنية وسرّية، فردية وجماعية، تحاول أن تستمر في مواجهة أشكال الإقصاء، وتوثيق الانتهاكات، ورفع الصوت في ملفاتٍ تُدفع عمدًا إلى الهامش: من العدالة الانتقالية، إلى خطف النساء والعنف الجندري، إلى التمييز البنيوي في الحيز العام، إلى مساءلة الجرائم بدل تذويبها في لغة "المرحلة" و"الأخطاء". والاعتراف بهذه الجهود ليس مجاملة، بل شرط تحليلي: لأن ما يجعل "القبواتية" أكثر خطورة هو أنها لا تُقصي السياسة فحسب، بل تزاحم أيضًا الفاعلات والفاعلين الذين يحاولون إبقاء السياسة والعدالة والحقوق حيّة في وجه سلطة تضيّق المجال وتُعيد تعريفه.

يبقى السؤال الذي يطرح نفسه ربطًا بكل ما سبق: هل لنهج "التغيير من الداخل" أي معنى داخل حكومة الشرع؟ أم أن الأمر يتحول سريعًا إلى ترتيب لغويّ غايته تجميل واقع، لا يسمح أصلًا بشروط السياسة؟