خطف مادورو: اللحظة الفارقة

فنزويلا ليست هامشًا في مسار تصدّع النظام الدولي، بل حالة تكشف كيف يتحوّل انهيار الشرعية الدولية إلى ممارسة يومية، ويُستبدل القانون جهارًا بمنطق القوة، والادعاء الأخلاقي بإدارة النهب.

أعلنت الإدارة الأميركية احتجاز نيكولاس مادورو ونقله قسرًا إلى الولايات المتحدة، تمهيدًا لعرضه أمام محكمة فبدرالية في نيويورك، في عملية وُصفت رسميًا بأنها "إنفاذ للقانون"، بينما هي، في جوهرها، خطف عابر للحدود لرئيس دولة يتمتع بالحصانة السيادية، جرى خارج أي إطار معترف به في القانون الدولي. اللافت أن هذا الإجراء لا يصطدم بالقانون الدولي فحسب، بل يطرح إشكالًا دستوريًا داخل الولايات المتحدة نفسها. فالسلطة التنفيذية، في عهد ترمب، نصّبت نفسها جهة اتهام واحتجاز ونقل قسري، متجاهلة السلطة التشريعية، وأحالت الأمر إلى القضاء الفدرالي باعتباره مسألة إجرائية، قالبة المعادلة رأسًا على عقب. نحن هنا، إذًا، أمام ممارسة تُعلَّق فيها القواعد الدستورية بحجة "الضرورة"، ويُمنح فيها القضاء ولاية كونية لا يقرّها الدستور الأميركي حتى.

لا يمكن قراءة ما يجري في فنزويلا بوصفه حالة استثنائية أو انحرافًا مؤقتًا، إذ أصبحنا أمام نظام لم يعد قادرًا على الادعاء بأنه "قائم على القواعد". فما كان يُبرَّر سابقًا بوصفه إجراءً اضطراريًا في ظروف استثنائية، أصبح اليوم ممارسة معتادة: توسيع الاختصاص القضائي خارج الحدود، ونزع الشرعية عن حكومات قائمة بقرار أحادي، والتعامل مع السيادة باعتبارها امتيازًا مشروطًا لا حقًا أصيلًا. حالة فنزويلا تقع في قلب هذا المسار؛ فالمسألة لم تعد خلافًا سياسيًا أو دبلوماسيًا، بل إعادة تعريف من يملك حق الحكم، وحق المحاسبة، والحق بالموارد.

وأمام حدث بهذا الحجم نجد نفسنا أمام ثلاثة أسئلة. الأول عن الفعل، والثاني عن السبب، والثالث عن الأثر. السؤال الأول يدور حول صاحب الحق بنزع الشرعية وأدواته، وما إذا كانت الديمقراطية ـــ حين تُستخدم مبررًا للخطف والمحاكمة القسرية ـــ تظل ديمقراطية أصلًا. وقد أعاد الحديث عن ملاحقة مادورو فتح نقاش قديم متجدد حول حدود الشرعية، ومعايير الديمقراطية، واستخدام القانون الدولي كأداة سياسية. 

ويمكن في هذا السياق استدعاء تجربة سلفادور أليندي، بوصفها نموذجًا كاشفًا، لا مجرد مقارنة تاريخية عابرة. فنظام أليندي (الذي وقع الانقلاب عليه بدعم من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عام 1973) لم يكن ديكتاتوريًا، ولا جاء من خارج الإطار المؤسسي. بل كان رئيسه منتخبًا، وبرلمانه قائمًا، وقواعده الدستورية فاعلة. لكن ذلك كله لم يشفع له حين اعتُبر مشروعه الاشتراكي الديمقراطي تهديدًا غير مقبول. هكذا أُطيح بتجربة ديمقراطية لم يُسمح لها أن تكتمل. وكان الدرس واضحًا: لم تكن المشكلة في غياب الديمقراطية، بل في مضمونها الاجتماعي والاقتصادي، وفي ما قد تفضي إليه من إعادة توزيع للسلطة والثروة.

في حالة أليندي ـــ وبرغم الإقرار النظري بمبادئ السيادة، والديمقراطية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها — أحيطت التجربة بشروط تجعلها غير قابلة للممارسة. اعتُرف بالحق من حيث المبدأ، لكنه أُلغي عمليًا. وظل قبول الديمقراطية مرهونًا بعدم إنتاجها مسارًا مستقلًا. خطفُ مادورو ليس خروجًا عن هذا السياق، بل تطبيق فجّ له. تُدار السياسة فيه بلغة القانون، ويُستخدم القانون فيه كسلاح سياسي.

يتّصل السؤال الثاني بالسبب. إذ تبدو الحجج المطروحة في هذا السياق مألوفة: نظام قمعي، وانتخابات مشكوك في نزاهتها، وفساد واسع، وانهيار اقتصادي بلغ حد المجاعة. باسم هذه الصورة، يُقدَّم التدخل – أو التهديد به – باعتباره دفاعًا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، أو استجابة لمعاناة شعب ناجمة عن طبيعة النظام القائم، لا عن أي عوامل خارجية أخرى. كان هذا يُقال في القرن الماضي عن أنظمة ذي نزعة استقلالية في الدول النامية، مثل نظام لومومبا (الكونغو) أو نكروما (غانا) أو عبد الناصر، لكن هذه المرة  أُضيفت للتهمة بعدًا آخر: "الاتجار المخدرات".

واشنطن هيمنت على قطاع النفط الفنزويلي لأكثر من أربعة عقود طالت خلالها معدلات الفقر نحو نصف السكان، ولم تبدأ في التراجع إلا بعد تأميم النفط في عهد شافيز

غير أن هذه الحجج، على شيوعها، نادرًا ما تُناقَش في سياقها الأوسع. فالعقوبات الاقتصادية، والحصار المالي، والعزل السياسي، تُستبعد عادة من التحليل، أو تُقدَّم بوصفها عوامل ثانوية لا ترقى إلى تفسير الأزمة. كذلك يُفصل وضع فنزويلا عن سجل طويل من السياسات الأميركية تجاه أنظمة حاولت – بدرجات متفاوتة – انتهاج مسار مستقل، اقتصاديًا و/أو سياسيًا، حتى لو وُلد هذا المسار عبر آليات ديمقراطية. وقبل أن نقبل هذا الافتراض أو نرفضه، من المهم أن نراجع معلوماتنا حول الوضع في فنزويلا ومصادر هذه المعلومات، وما إذا كانت هناك حاجة لإعادة النظر في صورة البلد اللاتيني ذاك السائدة اليوم. لا يعني ذلك إنكار الاختلالات السياسية أو الاقتصادية في فنزويلا، ولا تبرئة النظام من مسؤولياته، بل مساءلة معيار القياس نفسه. فأنظمة أخرى، أكثر قمعًا وأشد فشلًا (في الجانب الاقتصادي)، لا تُعامل بالطريقة ذاتها طالما أنها داخل شبكة التحالفات الأميركية. هكذا تُضخَّم عيوب بعض الأنظمة إلى حد نزع الشرعية عنها، وتُغضّ الأبصار عن ممارسات أكثر عنفًا في دول “صديقة”، فتُمنح القروض وتُجدَّد لها الشرعية الدولية عبر انتخابات شكلية ومؤسسات خاوية. 

ويفيد هنا التذكير بأن تهمة تزوير الانتخابات الفنزويلية لم تُدعَّم بأدلة مستقلة قاطعة، بل استندت أساسًا إلى مواقف وإعلانات صادرة عن الولايات المتحدة وحلفائها. واللافت أن النمط هذا ليس جديدًا؛ فقد استُخدم ضد الرئيس الفنزويلي السابق هوغو شافيز في مراحل سابقة، وبلغ ذروته خلال محاولة الانقلاب عليه عام 2002، يوم أُطيح به مؤقتًا بدعم من واشنطن. حينذاك لم يكن الجيش وحده من من أفشل الانقلاب، بل الحراك الشعبي الواسع الذي أعاد شافيز، الرئيس المنتخب، إلى السلطة. لا تنفي هذه الواقعة وجاهة نقد بعض سياسات شافيز، لكنها تضع حدودًا واضحة لنقدٍ يقوم على فكرة مفادها أنه أخضع مجتمع بلاده بأسره. النقد الحقيقي للنظام الفنزويلي يبدأ بالاعتراف بمشكلاته ونواقصه، لا بتبسيطها في صورة كاريكاتورية تُستخدم كتمهيد للتدخل.

أما السؤال الثالث الذي يُطرح فهو: بأي معيار تُمارَس هذه الوصاية؟ هل النظام السياسي في الولايات المتحدة، خصوصًا اليوم، ملتزم بالقواعد التي يُحاسِب الآخرين بها؟ وإذا كانت قرارات كبرى كهذه متخذة خارج الأطر الدستورية، أو بعد الالتفاف عليها، هل يعود نقد "ديكتاتورية" الآخرين أكثر من أداة خطابية؟

لا يمكن، في هذا الإطار، قراءة تصريح وزير الخارجية الأميركية حول نية الولايات المتحدة تولّي بيع النفط الفنزويلي "لضمان وصول العائدات إلى الشعب" باعتباره زلة لسان، بل بوصفه تعبيرًا مكثّفًا عن منطق استعمار اقتصادي قديم يُعاد تدويره بلغة إنسانية: نزع سيادة دولة على مواردها باسم حماية شعبها من حكامه. والتجربة الفنزويلية نفسها تفضح هذا الادعاء، إذ إن واشنطن هيمنت فعليًا على قطاع النفط لأكثر من أربعة عقود طالت خلالها معدلات الفقر نحو نصف السكان، ولم تبدأ في التراجع إلا بعد تأميم النفط في عهد هوغو شافيز، حين انخفضت بسرعة إلى قرابة النصف. وبرغم تعقيدات التجربة لاحقًا، تبقى الخلاصة واضحة: السيطرة الخارجية على الموارد لم تكن يومًا طريقًا لرفاه الشعوب، بل لإعادة إنتاج التبعية.

إن عبث ترمب بالنظام العالمي يقوّض فكرة "الاستثناء الأميركي" نفسها. فالاستثناء لم يكن يومًا قائمًا على القوة فحسب، بل على الادعاء بأن الولايات المتحدة حامية للنظام العالمي، لا مجرد لاعب متغوّل فيه. وحين يسقط هذا الادعاء، تسقط معه قابلية النظام للضبط، ويميل العالم أكثر إلى فوضى تكون فيها الولايات المتحدة طرفًا أقوى، لكن أكثر عرضة للمخاطر أيضًا، وأقل قدرة على التحكم في مساراتها.

فنزويلا، بهذا المعنى، ليست هامشًا في مسار تصدّع النظام الدولي، بل حالة تكشف كيف يتحوّل انهيار الشرعية الدولية إلى ممارسة يومية، ويُستبدل القانون جهارًا بمنطق القوة، والادعاء الأخلاقي بإدارة النهب. من هنا، فإن فنزويلا ليست "قضية لاتينية"، بل مرآة كاشفة لمسار عالمي، ولنظام دولي يفقد تماسكه ويتحوّل استثناء خرقه إلى قاعدة.