خرق قرارات مجلس الأمن وأساسيات القانون الدولي والاعتراف بسيادة “إسرائيل” على الجولان. تنصيب رئيس في فنزويلا فيما الرئيس المنتخب شعبياً ما يزال على رأس عمله ويمارس صلاحياته. الخروج من الاتفاق النووي مع إيران خلافاً لجميع التعهدات وآليات التحقق والأعراف الدبلوماسية. التخلي تماماً عن عملية السلام – الكسيحة – في فلسطين ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. هذه، وغيرها، عناوين تدشن عصراً جديداً تدمغه الولايات المتحدة الأميركية بأهم سماته: الوقاحة.

هذا عصر تنتهي معه نهاية التاريخ الفوكويامية وينتزع أميركا من حالة الاسترخاء أحادية القطب إلى عالمٍ فيه من التحديات ما يجعل أميركا تستنفر مرة أخرى لتأكيد هيمنتها. تحديات لا يمكن لأميركا مجابهتها إلا عبر الوقاحة. بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والانتصار الأميركي – بالنتيجة – في الحرب الباردة، جثمت أميركا على صدر العالم طوال عقد التسعينيات من القرن الماضي وبضعة أعوام من بدايات القرن الحالي مستكينة بعض الشيء إلى تفردها على الساحة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. هي تختار متى تلعب دور الوسيط – المنحاز دوماً – في قضايا الشرق الأوسط وآسيا، ومتى تشعل الحروب المتفرقة هنا وهنالك.

العالم بأجمعه يبدو لترامب موسماً من برنامج تلفزيون الواقع الذي كان يقدمه، حيث على الدول أن تتصارع لتنال رضاه ولتبقى في اللعبة، وهو ينثر عليها المكافآت

سوى أن الحقائق والمعطيات تتغير اليوم. روسيا بوتين تريد العودة إلى واجهة الحدث وإلى ملعب السياسة الدولية. صين جينبينغ التي صبرت وبنت اقتصادها وقدراتها العسكرية تريد مد طرقها وسككها الحديدية ونفوذها عبر آسيا وأوروبا وإفريقيا. تركيا إردوغان ترى في نفسها زعيمة للعالم الإسلامي ووريثة خلافة عصرية وتريد أن تأخذ دورها في الوساطات والصفقات. وإلى الجنوب، كانت دول عدة في أميركا اللاتينية حتى سنوات قريبة تسترجع زمام أمورها من الديكتاتوريات العسكرية وتشهد صعوداً متجدداً للقوى الوطنية واليسارية. أما الاتحاد الأوروبي – المنهك في اقتصاده وفي تناقضاته الداخلية حدّ الانفجار – فقد راح يشعر كم ترتد عليه كلفة الاستثمار الأميركي في الإرهاب المتنقل والثورات المجنونة والعقوبات العبثية غالياً على شكل لاجئين وذئاب منفردة ويمين متعصب وإشكالات دولية تجعله يحاول الافتراق في سياساته أحياناً عن الوقاحة الأميركية.

لا يمكن لرئيس أميركا أن يترجم ملامح العصر الجديد هذا أفضل مما يفعل دونالد ترامب بغروره وسلاطة لسانه وجهله السياسي. هو القادم من عالم الأعمال التجارية والعقارية لا يرى ضرورة ولا نفعاً للمواثيق متعددة الأطراف فهو يكفيه – وكأنه ينجز أحد صفقاته – اتفاقاً ثنائياً بينه هو شخصياً وطرف آخر مستعد لقبول جميع شروطه. أما الأمم المتحدة وأجهزتها فهو يراها عبئاً ما دامت أميركا موجودة وقادرة على “حكم” العالم. وليس هنالك أي حاجة للقانون الدولي، بل تغريدة واحدة منه بسطرين تنهي أي إشكال دولي. والعالم بأجمعه بالنسبة لترامب يبدو وكأنه موسم من برنامج تلفزيون الواقع الذي كان يقدمه “المتدرب – The Apprentice” حيث على الدول أن تتصارع لتنال رضاه ولتبقى في اللعبة وهو ينثر عليها المكافآت.

يبقى السؤال: إلى أي حد يستطيع ترامب نقل المؤسسة الحاكمة في أميركا بأسرها إلى عصر الوقاحة، كما سبق أن فعل سلفه جورج دبليو بوش؟ لا تزال توجد قوى داخل الدولة العميقة وتيارات في الخارجية والاستخبارات والكونغرس تركن إلى الحفاظ على المصالح الأميركية عبر التوافقات الدولية وعن طريق اتخاذ القرارات المبنية على المعلومات والتحليلات وليس بناء على الرغبات والشطحات. هل ستتفاقم نتائج “تحقيق مولر” والتحقيقات الإشكالية الأخرى وستؤدي إلى إبعاد ترامب عن الصورة، أم أن مقام الرئاسة الأميركية سيبقى – كما هي العادة – لا يمكن المساس به؟ ولكن هنالك أيضاً حقائق لا يمكن تجاهلها. ترامب يمنح صوتاً لقطاعات واسعة من الشعب الأميركي ولاتجاهات يمينية تسود العالم بأجمعه هذه الأيام. الكثير من الناس اليوم يتحمس للوقاحة وينتعش معها. هنالك من يريدون أن يسمعوا فقط ما يرونه صائباً. وهنالك من يريدون للحي حيث يقطنون أن يكون آمناً وجيداً وليحترق باقي العالم. والوقاحة بطبيعتها جذابة، فهي متفلتة من أي قيد قانونياً كان أم أخلاقياً، ولا تثريب على من يمارسها في لعبة الأقوياء سوى وسمه بالوقاحة. فإلى متى يستطيع العالم مقاومة الانجراف نحو الوقاحة وما يعقبها؟

 
×