أسفت اللجنة المشرفة على “جائزة الشيخ زايد للكتاب” عن تراجع الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس عن قبوله المسبق للجائزة، وأرفقت أسفها بالتأكيد، في بيان عبر موقعها، على تجسيد الجائزة “قيم التسامح والمعرفة والإبداع وبناء الجسور بين الثقافات”.

وقد أثار موقف هابرماس خلال اليومين الماضيين الكثير من النقاش المرتبط بالدوافع الأخلاقية للإحجام عن تلقّي الجائزة، وبدلالات هذا الخيار، السياسية وخلافها، وقابلية (أو عدم قابلية) هذا الخيار للتعميم، وكذلك بالموقف من الخيار ومن نقيضه. فهل تعني الحماسة لموقف هابرماس أن متلقّي الجائزة، الحاليين منهم والسابقين، مذمومون بالضرورة؟ وهل من معيار للحكم على أخلاقية خيارات من هذا النوع؟

لن تخوض هذه المقالة الموجزة في أي من الأسئلة المفتوحة تلك. لا المُراد هنا المفاضلة بين الخيارات، ولا تفنيد السياقات التي تجعل مثقفًا عربيًا يرفض جائزة من هذا النوع (كما فعل الروائي المصري صنع الله إبراهيم عام 2004 يوم أحجم عن تسلّم جائزة “ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي” معتبرًا أن “الحكومة المصرية لا تملك مصداقية منحها”) في مقابل قبول آخرين لها. ولا المقصود النظر في السياقات التي تجعل من مواقف فيلسوف غربي كهابرماس حيال إسرائيل، مثلًا، متحفّظة أكثر مما هي نقديّة، قياسًا على موقفه “اللاذع” من الإمارات قبل يومين (ولهذا سياقه المفهوم أيضًا ربطًا بألمانيّة هابرماس وإرث “الهولوكوست”).

إنما الغاية من هذه المقالة القول إنّ أبرز الإنتاج الفكري الذي عُرف به هابرماس، هو نقيض النموذج الذي تقدّمه الإمارات اليوم، وهذا الزعم قابل للتعميم على معظم الدول العربية بطبيعة الحال.

عُرف هابرماس، في ما عُرف عنه، بالتأصيل الفلسفي للفعل التواصلي. كما عُرف بكونه مثقفًا عموميًا، ينشر معلقًا على قضايا راهنة في صحف ألمانية مثل Die Zeit وسواها.

وقد شكّل كتابه المرجعي “التحوّل الهيكلي في الفضاء العام” The Structural Transformation of the Public Sphere (الذي صدر عام 1962 وتُرجم إلى الإنكليزية عام 1989) اللّبنة الأولى من إنتاجه الذي ركّز فيه على مركزية النشاط التواصلي، وعلى دور النقاش العقلاني في صياغة الرأي العام. تأثر بفيلسوف عصر الأنوار إيمانويل كانط ونقضه. ثم عاد ليؤطر قسمًا كبيرًا من إسهاماته الفكرية عبر “نظرية الفعل التواصلي” theory of communicative action التي راجع من خلالها معظم إنتاجه السابق، ودافع فيها عن نسق اجتماعي ديمقراطي يقوم على نظام أخلاقي، ويتم عبر نقاش عقلاني حرّ بهدف الوصول إلى التفاهم بدل الهيمنة.

وهابرماس، سليلُ مدرسة فرانكفورت للنظرية النقدية (وهي حركة فلسفية وسوسيولوجية انتشرت عبر الكثير من الجامعات حول العالم ابتداء من النصف الأول من القرن العشرين)، وناقدُ جيلها الأول في الوقت عينه (أمثال أدورنو وهوركهايمر وماركيوز وبنجامين)، لم يكُن بدوره مُحيّدًا عن النقد بطبيعة الحال.

ومن بين النقد الذي طاله هو ذاك الذي ارتبط بتجريده عملية التواصل في الفضاء العام الليبرالي من تأثير العوامل الثقافية والمادية والجندرية، التي جعلت هذا الفضاء أقل مثالية وتمثيلًا للمجتمع مما كان هابرماس يزعم.

هابرماس، الذي رأى أن العلم والتكنولوجيا تحوّلا إلى أيديولوجيا مرتبطة بحسابات السياسة، يصعب أن يُبهره نموذج العلاقات العامة الذي يمثّل هذا التحوّل في الإمارات

إذ إن الفضاء العام “الرسمي” في الغرب (أي الليبرالي المُهيمن الذي وُلد من رحم الحداثة)، والذي يرى فيه هابرماس نموذجًا مثاليًا، لم يكُن متاحًا أمام من لا يمتلك الموارد المالية ولا الوقت أو العلم الكافيين، وبالتالي القدرات الكلامية التي تسمح له بالنقاش العاقل والفاعل في القضايا العامة مع النخب البرجوازية في ذاك الزمن. أي أن العملية التواصلية التي كان الرأي العام يُصاغ على أساسها في صالونات فرنسا ومقاهي بريطانيا وأندية ألمانيا في القرن التاسع عشر، استثنت الطبقات الدنيا والنساء والرجال من غير البيض، وكانت بالتالي محصورة عمليًا بالرجل البرجوازيّ الأبيض.

لكن هابرماس، أيضًا، بنى نظريته حول تشكّل الفضاء العام في أوروبا على فرضية أن الرأي العام فقد استقلاليته ووظيفته النقديّة مع نمو الشركات العملاقة التي استحوذت على وسائل الإعلام في القرن العشرين، والتي باتت المشكّل الأول للرأي العام بعدما كان التواصل المباشر رافعتَه خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

يكاد يستحيل، والحال هذه، أن ينسجم هابرماس مع نموذج تقوم فيه الدولة على اختزال الفضاء العام في أجهزتها الحكومية كما في الإمارات (ومعظم الدول العربية)، وعلى نشاط تواصليّ تقوم أعمدته على دعاية أورويليّة، كما هو الحال مع وزارتي التسامح والسعادة الإماراتيّتين.

وهابرماس، الذي رأى في أكثر من موضع من إنتاجه الفكري أن العلم والتكنولوجيا تحوّلا إلى أيديولوجيا مرتبطة بحسابات السياسة، يصعب أن يُبهره نموذج العلاقات العامة الذي يمثّل هذا التحوّل، بالذات، في دولة الإمارات العربية المتحدة. ويُستبعد أيضًا أن يرى في الإمارات، أو في سياساتها الإقليمية خلال عقد “الربيع العربي” خصوصًا، ما يشجّع على إنتاج فضاء عام نموذجي يتوسّط المجتمع المدني والدولة، ويضمن حرية التعبير والتجمّع والتنظيم ونشر الآراء في القضايا العامة، كما يفيد في معظم كتاباته.

والفيلسوف الألماني، الذي يرى في الثورة الفرنسية إرثًا مرجعيًا لما ينبغي أن تكون عليه أوروبا، والمسكون بولادة “الحلم الأوروبي” ونموّه اتحاديًا ومن ثم تراجعه على الساحة الدولية، والمحتجّ على حرب العراق عام 2003 والمعرب عن أسفه لعدم قدرة أوروبا على صياغة سياسة خارجية مشتركة حيالها، لن يغريه نموذج دولتيّ منخرط في قوس أزمات يمتدّ من اليمن وينتهي في ليبيا.

وبرغم نجاح الإمارات في تقديم مثال كوزموبوليتي يندر وجوده في العالم العربي، إلا أن بناء هابرماس جانبًا من فلسفته على القيم الإنسانية الكونيّة لا ينسجم تمامًا مع سجل حقوق الإنسان الإماراتي، ولا دعوته الأوروبيين إلى إنتاج توافق قيميّ جديد يسهّل دمج الجيل الثاني من المهاجرين إلى أوروبا، وإلى إعادة تخيّل الأوروبيين أنفسهم كأفراد غير منفصلين عن هوية تعدّدية.

أما في مقاربته النظرية للمسألة الديمقراطية، فإن هابرماس يقول، حرفيًا، إن على المجتمع المدني أن “يُحاصر” البرلمان لضمان إيصال أفكاره ومطالبه إلى النظام السياسي. وهو إذ يضع دولة الرعاية welfare state في صلب مرافعاته الفلسفية والسياسية، فإنه يتمسك كذلك بتعريفه المواطن العادي ـ أو ما ينبغي أن يكون عليه هذا المواطن – كفاعل عاقل مستقل، فما بالنا بالمثقف! وغنيّ عن القول إن أيًا من المذكور ليس متوفرًا في الدولة المانحة للجائزة.

“هل يمكن أن يتحوّل هابرماس إلى أداة دعاية إماراتية؟”. مثّل هذا السؤال الذي أوردته مقالة في “دير شبيغل” الدافعَ الأساس وراء عزوف الفيلسوف الألماني عن قبول الجائزة، بعدما سبق له أن وافق على حضور حفل تسلّمها. اكتفى بعدها بالقول إنه أخطأ التقدير، وإنه تراجع عن الخطأ.

لم يُرد هابرماس أن يضيف إلى مسيرته بعد تجاوز سنّ التسعين ما يفيد بأن “قيم التسامح والمعرفة والإبداع وبناء الجسور بين الثقافات”، بالمعنى الذي نصّ عليه بيان اللجنة المشرفة على جائزة الشيخ زايد، هو المعادلُ العمليّ لما دأب على التنظير له على مدى نحو ستين عامًا.

هابرماس، والحال هذه، كان يدافع عن إرثه قبل الممات، قبل أن يكثُر المطالبون بحصّتهم منه. قرّر ببساطة أن ينسجم مع نفسه، وأن يقلّل من الإرباكات والتأويلات التي لن يكون موجودًا لتفنيدها بعد حين.

 
×