تصير الرومانسية تهمة حين يتعلّق الأمر بالسياسة. يسخر رجال السياسة من سذاجة الحالمين ويقولون بلهجة الحكم المبرم: “ركّزوا، تعاملوا مع الواقع كما هو، اتركوا الرومانسية، واحصدوا ما أُتيح لكم ببراغماتية”. وبحسب هذا المنطق، فإنَّ العاطفة والحلم تهمة “المرأة”، والقسوة والعنف عزّة “الرجل”. وأنا هنا أقبل التهمة، أخلع البراغماتية وأختار، كما تفعل النساء الأحرار، حليفي العاطفي ورفيق حلمي. وكما تفعل النساء، أصنع حلماً من الصفر ثم أعتني به ليكبر، أليست النساء مطالبات بالإنجاب؟ أؤمن: وحدهن النساء قادرات أن تنجبن لأجيال المستقبل نظاماً غير هذا النظام.

استبدلت النسوية العلاقات النفعية بالعاطفة، وجعلت التضامن مبدأ سياسياً بذاته يقف عند خط الوسط بين الاتحاد، من جهة، والفردية، من جهة ثانية. يتطلّب الاتحاد أن نذوب ضمن نموذج. وتتطلّب الفردية، بالمقابل، أن نتعارك لفرض النموذج الأقوى. أمّا التضامن، فيستدعي ضمان القدرة على الاختلاف، والعمل لبناء نظامٍ واحد يلائم جميع النماذج. تقع العاطفة في صلبنا السياسي، ففي كل مرّة يغيب هذا المكوّن، تطفو محلّه رواسب ذكورية تنافسية، تسعى لإحكام السلطة وتحطيم التوازن. خطّ أحدهم على جدار بيت مهدوم: “الحكومة لا تعرف الحب”، وهو محقّ، لأن السلطة لا تعرف العاطفة، وهي مقتل التشارك.

في كلّ مرة تطالب النساء بحقوقهن أو تدافعن عنها، تطالعنا نكتة “حقوق الرجل” التي باتت في خطر. وفي هذه النكتة من الخبث ما يكفي لتحويل المعركة من مقاومة تتصدى للسطوة الممنوحة للرجل إلى معركة على السطوة ذاتها. يصبح الخروج من دوامة “المساواة مع الرجل” أسهل حين ننظر من عدسةٍ نسويةٍ تقاطعية. نستدلّ بالتقاطعات، ونحدّد نقاط التلاقي، ونتضامن لإبراز أشكال مختلفة من التمييز وللدفاع عن المتضررين منه.

التقاطعية (Intersectionality)، بحسب كيمبرلي كرينشو، هي الكلمة التي تسمح بأن نصف حقيقة التمييز الذي نتعرّض له. كانت كرينشو طالبة في كلية الحقوق عندما لفتت انتباهها قضية رفعتها خمس نساء من أصل أفريقي ضد شركة “جينيرال موتورز” للسيارات في عام 1976. ادعت تلك النساء يومها أن سياسة الشركة في شغل الوظائف العليا تميز ضد النساء السود. ردت المحكمة القضية يومها انطلاقاً من دفاع الشركة أنَّ بين موظفيها أشخاصاً سود. الواقع، إنَّ الشركة لم تكذب، فهي توظف رجالاً سود في وظائف تتعلق بأعمال التصليحات وما شابهها من أشغال تُناط بالرجال حصراً. بالمقابل، تُناط الوظائف الإدارية من الصف الأول بالرجال البيض، وتُتاح الوظائف الإدارية المساعدة للنساء البيضاوات. وجدت المحكمة يومها أنه من الصعب دمج ادعاء التمييز ضد العرق والجنس سويةً بحسب الباب التي قامت عليه القضية من قانون الحقوق المدنية في الولايات المتحدة. تقول كرينشو أن المدعيات لو وجدن مصطلحاً يعبّر عن التمييز الذي تعرّضت له ويفككه، ما كنّ خسرن القضية، ومن هنا تبلور مفهوم “التقاطعية”.

هكذا تشرح لنا التقاطعية كيف أن التمييز الممارس ضد اللاجئين السوريين هو قضية نسوية أيضاً. يجرّد النظام اللبناني اللاجئات/ين من الإقامة الشرعية بفعل نظام منح التأشيرات والكفالة. عندما تتعرّض لاجئة إلى العنف داخل الأسرة، ستتردد في اللجوء إلى مخفر الشرطة أو التقدم بمراجعة أمام القضاء لكونها لا تحمل إقامة شرعية. وبهذا المعنى، فهي محرومة من الحماية التي اكتسبتها النساء في قانون الحماية من العنف الأسري لأنها لاجئة، والتمييز ضدها مشكّل من عنصرين: كونها امرأة وأيضاً كونها لاجئة. هكذا يتحتم على النساء أن يدافعن عن حق اللاجئين بتسوية أمورهم القانونية، لا سيما الإقامة، حتى يضمنَّ استفادة جميع النساء من أحكام قانون العنف الأسري.

في هذا المثال، قضيتنا هي “حق النساء بالحماية”. وبقاء اللاجئات مجرّدات من هذه الحماية يعني وجود ثغرة تكرّس العنف ضد النساء في أسرهن وتشرعنه. إنَّ أداة السلطة لضمان بقاء هذه الثغرة هو التأكد من كون اللاجئات لسن مرئيات لهذه الناحية، وهن يبقين كذلك ما دمن يترددن في طلب الحماية. تعطينا التقاطعية هنا أداة التصدي، حيث تجعل تركيبة العنف والتمييز الممارس ضد اللاجئة واضحة، ومحل التلاقي بينها وبين “مواطنة” مُعنّفة أيضاً، ظاهرٌ بما يكفي لتضامنهن في دفاعٍ ومقاومةٍ مشتركَين.

في كلّ مرة تطالب النساء بحقوقهن أو تدافعن عنها، تطالعنا نكتة “حقوق الرجل” التي باتت في خطر. وفي هذه النكتة من الخبث ما يكفي لإلباس السلطة ثوب “الحقّ”

للبطريركية أساليبها في جعل معارك فئات مجتمعية كاملة غير مرئية. لننظر إلى أساليب تكريس النظام اللبناني للتمييز. يمكن أن نحدد ثلاث استراتيجيات مكررة: تكريس التمييز من خلال الحرمان من ضمانة بالأساس، مثل رفض إقرار قانون الجنسية للنساء اللبنانيات؛ سحب الضمانة، وهنا تكون الضمانة موجودة قانوناً لكنها مسحوبة من صاحبها في الواقع، كما في حالة عدم تجرؤ اللاجئة على الاستفادة من حقها بتحصيل قرار حماية؛ وأخيراً تكريس التمييز بصورة مباشرة وواضحة، كما في تجريم الميول الجنسية.

لننظر في مسألة تجريم الميل الجنسي. يتعامل النظام مع الأفراد غير المطابقين للنمط الاجتماعي الذي يحدده لهم سلفاً على أنّهم مجرمون بطبيعتهم. وهو بهذا الشكل يحصّل نفس نتيجة التجريد من الإقامة، ويضمن أن تكون الانتهاكات التي يتعرضون لها غير مرئية. لنفكّر مثلاً بحالة رجل مثلي الجنس يتعرّض إلى الطرد من عمله بصورة مترافقة مع ابتزاز بفضح ميوله الجنسية لو تقدّم بشكوى قضائية أو طالب بأي تعويضات. لننظر الآن من عدسة نسوية تقاطعية، إن التمييز الذي يتعرّض له هذا الرجل يأتي من مصدرين: كونه عاملٌ من جهة وكونه مثلي الجنس من جهة ثانية. بهذا المعنى فانه يتلاقى مع العمال عموماً في دفاع مشترك عن الحقوق العمالية، ومع اللاجئات في دفاع مشترك ضد تجريم الأشخاص من دون ارتكاب جرم. وهو بالطبع يتلاقى أيضاً مع النساء اللواتي ترفضن الخضوع للأدوار الاجتماعية المحددة لهن.

لنعد بضع خطوات إلى الخلف وننظر كيف أن تلك العدسة التقاطعية التي أحتفي بها، تكفي بذاتها لتطوير خطاب ورؤية سياسية جدية تتعارض مع بنية النظام اللبناني وتمهّد لبناء مشروع سياسي بديل.

في عام 2018 احتفت النساء في لبنان بالثامن من آذار بمسيرة حملت شعار: “قضايانا متعددة، غضبنا واحد”. لقد عبّرت الحركة النسوية عن تبنيها التقاطعية بصورة أكثر وضوحاً منذ ذلك الوقت. فقد حملت هذه المسيرة قضية الاعتراف بطبيعة الاختلافات الجنسانية، وقضية الأحوال الشخصية، وقضية أصحاب الاحتياجات الخاصة والمعوقين، وقضايا اللاجئين السوريين والفلسطينيين، وقضايا العمال والمهاجرات. بلورت تلك المسيرة المرحلة اللاحقة عليها التي استهدفت البنية التحتية للنظام من مختلف جوانبه السياسية، لجهة أخلاقياته واقتصادياته وتركيبته.

تلت هذه المسيرة مثيلة لها في عام 2019 للمناسبة نفسها، حاولت التصويب على مسؤولية الحراك النسوي تجاه القضية الاقتصادية ودورها في تحديد شكل النظام الاقتصادي المناسب. وتركّز التعبير عن هذا الخطاب في مسيرات “طالعات” في المخيمات الفلسطينية، رداً على خطة وزير العمل التي استهدفت حرمان اللاجئين من الحق بالعمل. وقتها كان خيار المخيمات الفلسطينية استراتيجياً لناحية إبراز التقاطعات بصورة أكثر وضوحاً، والاعتراف بقضايا الفلسطينيين في لبنان كأولوية موازية لقضايا المواطنين. اللافت لجهة هاتين المسيرتين هو مدى تعبيرهما وتحضيرهما الأرضية لتتشكل “17 تشرين” كما تشكّلت. ما شهدته “17 تشرين” من توسّع مساحات الخطاب المتأتي من خلفية نسوية تقاطعية لم يكن وليد لحظته، إنما وليد تراكم عناصر، كانت الخيارات السابقة من بين أهمها.

ها هي التقاطعات باتت اليوم واضحة. لقد ناضلنا لسنوات وكأننا في شارع واحد ولكن كل منا يحمل مظلة. كانت مرحلة القضايا الموزعة والنضال الهوياتي. بعدسة نسوية نقرأ كيف تتقاطع هذه القضايا وتتحوّل إلى شبكة، كيف ننتقل من النضال القائم على أساس الهوية إلى التضامن لبناء جبهة نسوية الخلفية والمنطلق، جبهة يلتقي فيها كل الذين عانوا من انتهاك النظام وتمييزه ضدهم. نحن اليوم مطالبات بالعمل لتحويل حركتنا النسوية إلى منهجية سياسية قائمة بذاتها، الى مشروعنا السياسي المتكامل، حتى تتكون جواباً متكاملاً عن النظام الذي نريده، عن ذاك البديل الذي تُسأل عنه المعارضة اليوم.

تعالوا ننظر إلى تلك الشبكة حيث الناس المشكلّين لكل الفئات المسماة بالمستضعفة، إلى النساء، المثليين/ات، العابرين/ات، اللاجئين/ات، أصحاب الاحتياجات الخاصة، ضحايا الحرب وأهاليهم، ولننتبه إلى أنهم أيضاً عمال وعاطلين عن العمل وطلاب وأصحاب مهن حرة وموظفين، وأنهم/ن من طبقات اجتماعية مختلفة. لننظر إلى كل هؤلاء ونفكر بحجم انتظامهم السياسي ومصلحتهم المشتركة التي مصدرها شكل النظام القائم على التسلط أو البطريركية، لننظر إلى هذا العديد البشري ونفكر، هل هذه رومانسية؟

اليوم، تتحمل المعارضة التي ترغب في اقتلاع النظام الحاكم من جذوره، مسؤولية التراجع والسير خلف قيادة جبهوية مؤلفة ممن سمّيناهم سابقاً فئات مستضعفة. على الرجال في المجموعات المعارضة أن يعترفوا بأن المجتمع منحهم سلطة وبأن ما بين أيديهم ليست حقوق مكتسبة بل سلطة مصدرها النظام الذي يعارضونه. وحدهم الذين يعترفون بنوع سلطتهم ويبدون استعداداً لوضعها جانباً والتنازل عنها، هم حلفاء.

كيف أتخيل النظام؟ أطمح إلى نظامٍ لا يحتاج فيه الفرد لأن يشكّل نفسه ليستطيع العيش فيه؛ ولا تضطر امرأة لأن تكون “أخت الرجال” لتحقق حلماً واحداً أو لتكون بأمان؛ ولا يتمنى شخص لو أنه بميل جنسي وعاطفي مختلف ليتمكن من العيش؛ ولا يشعر مُقعد أن رصيف الشارع أعلى مما يمكنه العبور اليه. أتخيل مجتمعاً لا تجيب فيه أمٌّ على أحلام أطفالها بالقول: “على قدر بساطنا نمد أرجلنا”. أتخيل نظاماً يتطور ويتبدّل بحسب تبدّل قياساتنا ويكبر تبعاً لقياس أحلامنا.

 

من ملف: “مقاربات نسويّة”

 
×