Image Credit: Chris McGrath/Getty Images

في دورةِ سجالٍ أولى (وأخيرة، بالنسبة إليّ) بيني وبين ياسين الحاج صالح (نُشِرَت موادها الثلاث على موقع الجمهورية، إذ كتبَ ورددتُ وردَّ على الردّ)، ظهر بوضوح أنَّك يكفي أن تخالف ياسين وأشباهه الرأي كي يتّهمك بأنكّ معارضٌ لـ”الثورة والمعارضة”. فإذا ما نَقَفْتَ برأس إصبعك أَلَّ التعريف في هاتين الكلمتين وتركتَ “ثورة” ياسين و”معارضته” نكرتين عاريتين في الشمس، بوصفهما صنفًا من الثورات والمعارضات كارثيًا وبالغ الرداءة خاصًا بالإسلام السياسي المسلّح ومطاياه من نفايات يسار بائس سابق، اتّهمك ياسين بأنّك كاتب “تقارير كاذبة” وراح يفنّد النُّتَفَ والفتات ويغرق فيهما، أعمىً عمّا هو الأساسيّ والجوهري.

لكنّ ما يتبدّى بوضوح أكبر، في رأيي وفي رأي قرّاء عديدين، هو أنّنا إزاء شخص ليس لديه سبيل آخر غير هذا السبيل الرخيص. إذ كيف يمكن لياسين أن يواصل أيامه حين يدرك، في وعيه ولا وعيه، أنَّ ثورته مجرد ثورة مضادة قَضَت على ما خالطته من براعم ثورة السوريين الحقّة وجاءت أشبه بهدية للنظام، وأنَّ معارضته، كما انتهى  كثيرون إلى الاستنتاج، “أتفه” معارضة على وجه الأرض منذ فجر التاريخ، وأنّها خالطت أيضًا معارضة السوريين الحقّة التي أنهكها الاستبداد الوحشي وسمّمتها وأودت بها إلى التهلكة.

ومع هذا، فإنَّ اضطرار ياسين إلى هاتين التهمتين شائهتيّ الخِلْقَة والخُلُق ليس أشدّ ما يلفت الانتباه ويثير الاشمئزاز. ما يفعل هو المفارقة المضحكة التي تجمع هذا الاضطرار إلى عدم أهليّة ياسين، لا في بنيته الفوقية ولا التحتية، لأنْ يوجّه مثل هذه التُّهَم. فهو خارج البلد منذ تشرين الأول 2013، آمنٌ على بعد قارّات عن أيدي من تُكْتَب لهم التقارير، وذلك بعد تَمَتْرُسٍ “ثوريّ” عابر في منطقةٍ وصفها بأنّها محرَّرة، لدى حليفه السابق زهران علّوش، وتلويحةِ وداعٍ عَجْلى لمدينته الرقّة التي سبق أن دَبَكَ من بعيد (مع النَّخّ) لكونها أولى المدن التي حررتها ثورته.

ثمَّ إنَّ ياسين، بين المعارضين السوريين الذين من طينته قاطبةً، هو الأشدّ سذاجة، ما يجعل السخرية أَلْيَق باستخدامها معه وحياله، بدلًا من تبديد الوقت بنقد رصين أو بكتابة تقارير، حتى لو كان في قارّتنا. ما كان جورج صبرا نفسه ليبلغ من السذاجة و”الغَبَا” حدّ الصراخ “نريد سلاحًا” قبل أن يمسي وأبناؤه جميعًا خارج البلد. وما كان المرحوم ميشيل كيلو ليترك خدّه لـ”النصرة” تقبّله من غير أن يضمن رعاتُها وممولُوها عودتَه من مضاربها سالمًا.

ولطالما تطاول ياسين، في اتهاماته المثيرة للشفقة هذه، على مناضلين يعلونه كعبًا في مقاومة الدكتاتورية والنظام الأمني، ولهم في ذلك تاريخ أنصع وأرصن بكثير. ويبدو أنّه لم يرعوي عمّا كان يمارسه في عزّ ثورته من فحصٍ مضحك لثوريّة الذين ينتقدونه، مطالبًا إيّاهم بإدانةِ نظامٍ أدانوه طوال أعمارهم ولا يزالون بأثمان فادحة. لكنّ مصدر الإضحاك الأكبر هنا هو الربط الزائف الذي لا ينطلي على الرضَّع، بين انتقاد الآخرين له ولأشباهه وما يزعمه كاذبًا من سكوتهم عن جرائم النظام، كما لو أنَّ هذه الأخيرة حسنات تُحسَب له وفي كفّة سفاسفه الثورية، وكما لو أنّه لا يبقى بالغ الرداءة سواء أشرنا إلى ما فعل النظام أم لم نُشِر.

من مصادر عدم أهلية ياسين أيضًا، واقع الاندحار المخزي والهزيمة المذلّة للخطّ الذي انضوى فيه. وهما اندحار وهزيمة حلّا بنا جميعًا وبالبلد، شئنا أم أبينا، لا بسبب طرف واحد من المؤكّد أنّه العلّة الكارثية الأولى، بل أيضًا بسبب طرف آخر سأصفه، سخريةً، بالياسينيّ، تنطّع، كما سأبيّن أدناه، لما ليس أهلًا له البتّة، وساهم في سَوْقِ شعبٍ قدّم الغالي والرخيص إلى مزيدٍ من الذَّبح.

المصدر الأخير الذي سأتوقف عنده لعدم أهلية ياسين هو أنّه على قَدْرٍ من النفاق يتيح له، بحسب المصلحة، أن يضع المجموعة البشرية الكبيرة الواحدة ذاتها في موقعين متناقضين في الوقت ذاته. والمثال الأسوأ صيتًا على ذلك، هو اعتباره من دعاهم “مقاتلي الغوطة” شعبًا محاصرًا ثائرًا حين حرروا قرية العتيبة في أواخر تشرين الثاني 2013، واتّهامه هؤلاء أنفسهم حين اختطفوا رفاقه الأربعة يوم 9 كانون الأول 2013، أي بعد أقلّ من أسبوعين، بأنّهم قوى أمر واقع وعصابات شبيهة بعصابات شيكاغو، مُغَيِّبًا في المثالين، وعلى طريقة شعبويّ نصّاب، أنَّ الأهمّ في مثل هذه الأحوال ليس المنبت الشعبي لهؤلاء المقاتلين، على أهميته، بل الإدارة والترجمة السياسية والعسكرية لما يجري من أفعالهم على الأرض.

خلال أقلّ من أسبوع من شهر أيار 2016، افترس “مقاتلو الغوطة”، كما أسماهم ياسين، ما يزيد على 1,200 قتيل في المعارك التي شهدتها الغوطة الشرقية بين “فيلق الرحمن” و”جيش الفسطاط” و”جيش الاسلام”، وسُمّيت “ذات الرقاع”

كان قد شارك في عملية تحرير العتيبة، بتنسيق مشترك، كلٌّ من “جبهة النصرة” و”الجبهة الإسلامية” و”الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام” و”كتيبة عيسى بن مريم”، (وياسين الحاج صالح، طبعًا). وتشير المعلومات إلى أنَّ “الجبهة الإسلامية” هي التي كانت تقود التحالف والمعارك (إلى جانب ياسين الحاج صالح، طبعًا). و”الجبهة الإسلامية” هي سبع مجموعات منفصلة اتحدت في 22 تشرين الثاني 2013، أكبر ثلاث فيها هي “أحرار الشام” و”لواء التوحيد” و”جيش الإسلام”، وهذا الأخير هو الأكبر والقائد وهو الذي اختطف الناشطين الأربعة في دوما. وما يعنيه ذلك كلّه هو احتمال أن يكون “مقاتلو الغوطة” الذين التقاهم جون ريد الحاج صالح وكتب عنهم والذين “ليس فيهم سلفي واحد”، قد أُمِروا وشاركوا، جمعًا أو فرادى وبعد أيام تُعَدّ على أصابع اليد الواحدة، باختطاف رفاقه. وسوف يعمد “مقاتلو الغوطة” هؤلاء، خلال أقلّ من أسبوع من شهر أيار 2016، إلى افتراس ما يزيد على 1,200 قتيل في المعارك التي شهدتها الغوطة الشرقية بين “فيلق الرحمن” و”جيش الفسطاط” و”جيش الاسلام”. وقد سُميّ هذا الاقتتال معركة “ذات الرقاع” على اسم الغزوة التي وقعت في السنة الرابعة للهجرة، وكان طرفاها جيش المسلمين وبني ثعلبة من غطفان. وواجهت جيش المسلمين خلالها وقبلها مصاعب عدة، من أبرزها قلّة ما يَرْكَبون عليه في الطريق، حيث كان كلّ ستة أو سبعة أو ثمانية من المسلمين يتناوبون على بعير أو راحلة واحدة. والأرجح أنَّ “ذات الرقاع” الجديدة واجهت المصاعب ذاتها (وإلا فلماذا تكرار الاسم؟)، إذ كانت قد مضت سنوات على مغادرة معظم “يسار النصرة”، وبينهم ياسين بالطبع، إلى خارج البلد.

***

على الرغم من اعتباري السجال (وليس الحوار فحسب) أمرًا مفيدًا في كلّ حين، ما كنت أنوي الردّ على ردح ياسين الأخير لولا إلحاح بعض الأعزّاء، خصوصًا ذلك الصديق المناضل والأكاديمي اللبناني العريق والرصين الذي أرسل إليَّ قائلًا: “عزيزي، سلام، قراته اليوم مصادفة [يقصد ردّي على ياسين]. ليتك توسعت، ليس بخصوص ياسين فهو تافه، بل بخصوص الظاهرة بكل تفرعاتها وتقلبات مواقفها الخ. بكل الاحوال شكرا لك فقد كان هذا الكلام ضروريا”. وها أنا أحاول هنا بعض التوسّع المرغوب، مستخدمًا ياسين ذريعةً أو وسيلة إيضاح، أبيّن من خلالها كيف ارتكبت “الظاهرةُ” التي ينضوي فيها جرائمَ فكرية وسياسية وحتى عسكرية تستحقّ أن يحاكمها شعبنا عليها في قادم الأيام مع من يجب أن يحاكمهم، إذا ما أُريد أن يطلع على سوريا وشعبها ووطنييها الديمقراطيين ويسارييها الحقيقيين نهارٌ نظيف.

ابتدأ ياسين مشاركته في انتفاضة السوريين في عام 2011 كما ابتدأها خطّه ككل (“المجلس الوطني” ومن لفّ لفّه)، بالدعوة إلى “إسقاط النظام” و”عدم التفاوض معه إلّا على تسليم السلطة”. وكان ذلك يعني، في ظلّ موازين القوى القائمة، سَوْقَ المنتفضين إلى مزيد من المذبحة. كما كان يعكس خلطًا بالغ الصبيانية والخطورة بين أن تكون هنالك ضرورة نظرية وأخرى تاريخية لإسقاط نظام من الأنظمة وبين رفع هذا الإسقاط شعارًا للتنفيذ. والمقصود بالضرورة النظرية هنا هو إمكان أن نبيّن بتحليل نظري علمي أنَّ النظام المعني يُعْجِزُ العقلَ والمنطقَ عن إيجاد مبررٍ لبقائه. والمقصود بالضرورة التاريخية هو أنَّ هذا النظام يسدّ أمام شعبه ومجتمعه منافذ التطور التاريخي ويجرّ باستبداده وفساده البلد إلى الوراء والهاوية. لكنّ وجود هاتين الضرورتين لا يكفي لرفع شعار الإسقاط، لأنّ هذا الأمر الأخير يقتضي أيضًا وجود القدرة الفعلية على تنفيذه، بأقصى قَدْرٍ ممكن من احتمال النجاح وأقلّ قدر ممكن من الدماء والضحايا. بعبارة أخرى، قد تكون ثمة مسافة بين الضرورتين النظرية والتاريخية لإسقاط نظام من الأنظمة وبين رفع ذلك شعارًا للتنفيذ. وهي مسافة لا يراها مُهَوِّشٌ هائج جائع للظهور خالٍ من الشعور بالمسؤولية، مثل ياسين، ويراها الثوريون الحقيقيون الذين يدركون أنّها تُقْطَع بنضال سلمي صبور لا بدّ منه، الأمر الذي دفع كثيرين إلى تفريق حاسم بين حكيم كعبد العزيز الخيّر، رأى عند الإعلان عن “الجيش الحرّ” أواسط 2011، أنَّ “حمل السلاح سياق مناقض لمصلحة الثورة كليًا … الثورة تنتصر بسلميتها مهما كان الثمن الذي تدفعه باهظًا”، وحكيم كياسين، فوصفوا الخيّر بـ”الحكيم الفهيم”.

أَرْفَقَ ياسين دعوته إلى إسقاط النظام بترّهة لا تخطر ببالِ سويّ، مفادها أنَّ “الثورة سياسة ذاتها”. ومع أنّ مثل هذه العبارة قد تبدو عبارةً فوضوية للوهلة الأولى، فإنَّ من لديه أدنى اطلاع على الفوضوية يعلم أنَّ البؤس ما كان يمكن أن يبلغ بها هذا الحدّ، خصوصًا في وضع كالوضع السوري في 2011، وأنَّ صاحب هذه الترّهة كان يغطي، بوعي أم بدونه، على أخطاء قاتلة وجرائم فادحة بدأ يرتكبها رفاقه الإسلاميون و”جيشهم الحرّ” الذي قال عنه ميشيل كيلو في 16 تشرين الأول 2013: “ليست بنية الجيش الحر الحالية صالحة لحمايته او للدفاع عن منتسبيه او لتحقيق اهدافه السياسية والعسكرية. إنها بنية تليق بعصابات وامراء حرب اكثر مما تليق بجيش تحرير وطني”. لكنّ بنية ياسين ما كانت لتتيح له أن ينتبه إلى ذلك على هذا النحو الجذري. إذ كان خصومه على الدوام أولئك النقّاد المحقّين الذين كانوا في قلب الثورة أكثر منه ومن أشباهه بكثير، وراحوا يطالبون بسياسات للثورة تحدد هويتها ووجهتها، لعلمهم أنَّ طبيعة الثورات لا تتحدد بطبيعة من تثور عليهم فحسب، بل أيضاً بطبيعة الفئات التي تقودها وخطوطها السياسية وتكتيكاتها وأشكالها النضالية المتّبعة وحلفائها الإقليميين والدوليين. وبعد فترة قصيرة جدًا من الالتباس – وبسبب عقود من القمع الوحشي المديد لكلّ شكل من أشكال المعارضة الوطنية والديمقراطية وللمجتمع ككل – اتضحت بلا لبس طبيعة الفئات التي سيطرت على انتفاضة السوريين وبرامجها السياسية وتكتيكاتها المجرمة المدمرة التي قادت الشعب السوري إلى مزيد من التهلكة: الإسلام السياسي ومطياته من نفايات يسارٍ سابق.

لكنّ وجود ضرورة نظرية وأخرى تاريخية لإسقاط نظام لا يكفي لرفع شعار الإسقاط، لأنّ هذا الأمر الأخير يقتضي أيضًا وجود القدرة الفعلية على تنفيذه، بأقصى قَدْرٍ ممكن من احتمال النجاح وأقلّ قدر ممكن من الدماء والضحايا.

كان ياسين في طليعة من شتموا باكراً تقارير لمنظمات حقوقية دولية لمجرد إشارتها إلى تجاوزات الثورة. ولطالما تباهى بأنّه لا يسمح لنفسه بأن يتعالى على الحراك أو بأن يطالب “الشعب” بفعلٍ غير الذي يفعله مهما يكن. وأبدى اكتفاءً بأفعال النظام الوحشي سبباً للخطط والشعارات السياسية، كما لو أنّ المظالم وحدها والمشاعر العاطفية التي تولّدها تكفي لرسم السياسات. وتقلّب بين اعتبار منظمات إرهابية تكفيرية مثل “النصرة” و”داعش” وسواهما صنائع النظام ثم اعتبارها جزءاً من قوى الثورة ثم العودة إلى نقدها من جديد. وكان من الذين تحللوا من جميع المحاذير الخطرة التي جرى الانتباه إليها في البداية، مسرعًا في الانتقال من الدعوة إلى السلمية ونبذ العنف والطائفية ورفض التدخل الخارجي إلى قبول ذلك كلّه وتبريره، بل والدعوة إليه بذريعة أنّ النظام لم يترك مجالاً لغير ذلك وأنّ “الشعب يريد”. ومن المعروف، بالطبع، أنَّ مثل هذه التبسيطات الساذجة والتقلّبات السريعة تندرج ضمن ما يوصف بـ”الشعبوية”؛ وهي، باختصار شديد، خطاب وممارسة سياسيان يقاربان ما يُدعَى “الشعب” مقاربةً تبسيطية تصوّره على أنّه كتلة مصمتة، فإذا ما برز تناقضٌ أو تعدّدٌ ضمن “الشعب” فُسِّر بنظريات المؤامرة والعدو الداخلي. ويزعم الشعبويون أنَّهم صوت “الشعب” وضميره وممثّلوه الذين يعلمون تطلعاته وآماله ومطامحه، حتى من دون أن يأخذوا تفويضاً بهذا التمثيل أو يقيموا عقداً في شأنه. وأكثر ما يتّسم به الخطاب الشعبوي هو الإبهام والعاطفية ومراعاة ما يحسب أنّه المزاج الشائع، مبتعداً بذلك عن مخاطبة العقل والحسّ النقدي. ومن الواضح أنَّ أبرز الغائبين هنا هو تحديد ما يعنيه هؤلاء بـ”الشعب”، ما يفسح لهم المجال لاعتبار أنفسهم هذا الشعب مع أنّهم من النخب، وما يتيح لهم مطّ هذا المفهوم المنطوي على تعقيد شديد وتضييقه بحسب مصالحهم (هل “صفحة الثورة السورية ضد بشار الأسد” التي كانت تحدد أسماء أيام الجمع وشعاراتها بالتصويت، من الشعب أم من النخب؟). لا يُنتظَر من الثوري الحقيقي والمثقف الفعلي، بالطبع، أن يتبع ما يريده “الشعب” بالضرورة، بل يتبع، علاوةً على صوت مظالم الشعب ونداء مستقبل أفضل ممكن، ما تقتضيه معرفته التقدمية وتحليله العلمي للواقع، الأمر الذي يتيح له أن يشارك شعبه أشد المشاركة إنّما من موقع نقدي لا هوادة فيه. ولعلّ أنصع مثال على ذلك، تغنّي ماركس بالطبقة العاملة الباسلة “التي هبّت تقتحم السماء” في كومونة باريس، وانتقاده أوجه قصورها وعيوب أحزابها الاشتراكية والفوضوية القاتلة، بما في ذلك اختيار لحظة المعركة. ومن المرجّح هنا أن يكون ياسين قد اعتبر مقاتلي الإسلام التكفيري الطبقةَ العاملة الباريسية واعتبر نفسه ماركس، فراح يتغنّى ببسالتهم وينتقد محدوديتهم إلى أن أوقظه زهران علوش من تخاريفه، ودفعه إلى شغل أجدى ماديًا ومعنويًا هذه الأيام، ألا وهو انتقاد الإسلام السياسي.

كان ياسين من أوائل من زَعَقُوا: “المجلس الوطني يمثلني”. وكان ذلك يعني في ما يعنيه الانضواء في تحالف يقوده الإخوان المسلمون على مطياتٍ يسارية متلبرلة وشعبوية هي مجرد واجهات رخيصة. وكان يعني، كما نعلم جميعًا، موافقةً على السلاح، وتسوّل التدخّل الخارجي، والتحليل الطائفي لما يجري (حيث أبدع ياسين للفكر العربي والإنساني أهم مفهومين نظريين في هذا المجال: “جينات الأقليات” و”إنّهم يقصفون السنّة”). وإذا ما كان ياسين قد انتقد لاحقًا هذا المجلس التَّعس -كعادته في العودة متأخّرًا عن كلّ ما فعله أو المجيء متأخّرًا إلى الاعتراف بكلّ ما أنكره- فإنَّ هاديه ودليله في ذلك ليس الانتقال إلى ما هو أحسن، بل إلى ما هو أردأ على الدوام، لأنَّ التركيبة أو الخطّ أو السياسات هي “المضروبة” أصلًا، من المصنع. بيد أنَّ الأهم من ذلك كلّه أنَّ تلك الزَّعْقَة كانت تعني طلاقًا يكاد يكون أبديًا بين ياسين وأضرابه من اليساريين السابقين وبين وجود خطّ وطني ديمقراطي يساري وليبرالي محترم مستقل في سوريا والثورة السورية، وتَرْكَ العمل السياسي القيادي المعارض لجلاوزة النظام التاريخيين الذين انشقّوا عنه بالإيجار، وتَرْكَ العمل الميداني لرفيق ياسين وحليفه زهران علوش ومقاتليه في الغوطة وأضرابهم في غير مكان. وهؤلاء جميعًا رفاقٌ خُلَّص لياسين لا يكتبون فيه التقارير. وعلى العكس فإنّهم سيتركون لياسين نفسه أن يكتب فيهم التقارير حين يحتاج، على هيئة نقد فارغ وسطحي ومفوَّت للإسلام السياسي من النوع الذي يُتَاجَر به عند أوساط غربية معينة.

يمكن أن نعدد إلى ما لا نهاية الجرائم السياسية والفكرية لهذا الصنف البائس والمدحور من المعارضة، غير أنّنا سنختم بمشهد رسخ في ذاكرتي وأثار لديّ في حينه مشاعر أليمة متناقضة؛ نفورٌ من هذا الديماغوج الصغير ثقيل الظلّ الذي يعبث بالأفكار الكبيرة، والذي داهمنا عنوةً من دون أن نعلم من أطلقه وراح يفحص جيناتنا الثورية وسواها، وأسىً لحال سورية التي هبط فيها المستوى إلى هذا الحضيض: كان ثمّة مقطع فيديو، لعلّه يعود إلى أواخر عام 2013 – لا أذكر تماماً، ولن أُتعب نفسي البتّة في العودة إليه – ظهر فيه ياسين وهو يتعتع ويستحثّ تفكيره بحكّ قفاه، قائلًا، كما لو أنّه يكتشف قارّة جديدة، إنَّ الإطار الوطني للصراع السوري قد انكسر. كان قد سال حتى حينه طوفان من الدم. وكانت قد مضت سنوات على تحذير الوطنيين الديمقراطيين واليساريين السوريين النابه: لا للسلاح، لا للطائفية، لا للتدخّل الخارجي. وكانت قد مضت سنوات على تكذيب ياسين لهم أَنْ ليس ثمة شيء من هذه الأخطار. وبدا واضحًا أنَّ فترة ما من الزمن ستمرّ، يعود فيها بعض أكاديميي وأكاديميات “التلاتة تعريفة” إلى هذا الفَدْم المهذار كي (لا) يفهموا ما جرى في سورية. غير أنّه بدا لي أيضًا، وشعرت في قلبي، على الرغم من كلّ شيء، أنَّ تلك الفترة لن تطول.

 
×