العالم بأجمعه اليوم يواجه ضغوطاً اقتصادية متفاقمة. ومع استعار الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، سجّلت مؤشرات الأسواق المالية هبوطاً كبيراً خلال الأسبوع الماضي بعد إعلان الصين فرض تعريفاتٍ جديدةٍ على المنتجات الأميركية، في ردّ على تعريفات سبق للولايات المتحدة أن فرضتها عليها. أما الدَّين العالمي فقد سجل أرقاماً قياسية جديدة بحسب “المنتدى الاقتصادي العالمي” ووصل قبل أيام إلى نسبة 225 في المئة من الناتج الإجمالي العالمي، بقيمة 164 تريليون دولار أميركي، في ظل اقتصاد عالمي متباطئ.

الاقتصاد عصب الحياة، وحوله تدور الشؤون السياسية والاجتماعية كافة. لا يمكن لجمهورٍ من العاطلين عن العمل أو المدينين أن يأبه حقيقةً لأي قضيةٍ وطنيةٍ أو عمليةٍ سياسيةٍ إن لم تخاطب مشكلته هذه بالدرجة الأولى. السياسيون يعرفون هذا، كما أنهم يعرفون مكمن المشكلة. سيطرة البنوك على الاقتصاد، النيوليبرالية المنفلتة، التنمية غير المتوازنة، وغيرها من عوامل تتحكّم في مجتمعات الدول الغربية التي اعتادت الرفاهية يوماً. ولكن من الصّعب على أولئك السياسيين الذين ترعاهم المصارف والشركات الإشارة إلى مواطن الخلل هذه. إذاً فليحمل الآخرون وزر الفشل الاقتصادي، وليكن الشعار “هم السبب فيما أنت فيه وليس نحن”. و”هم” هنا تشير إلى المهاجرين أياً كان انتماؤهم العرقي أو الديني أو الوطني، ولو أنها غالباً ما تتركز على مهاجري الجنوب داكني البشرة أو المسلمين. وهكذا، على وقع أزمات العمل والمال، وحقيقة أن غرائز البشر ما تزال أسرع إثارة من عقلهم، ينشأ الخطاب اليميني الشعبوي وينتشر في أوروبا وأميركا دافعاً أحزاب اليمين وشخصياته إلى مقاعد الحكم والتمثيل البرلماني.

ولأن “المركزانية الأوروبية (eurocentrism)” ما تزال فاعلة في الدول العربية على ما يبدو، ولو بعد عقودٍ من الحرب على الاستعمار، فقد وصل الخطاب اليميني بكل شعبويته وتعصّبه وتمييزه إلى بلادٍ لا تعوزها الأزمات ولا تنقصها الغرائز. مع بدأ الأزمة السورية وشنّ الهجمة الخليجية بدعمٍ من دول عربيةٍ وإسلاميةٍ أخرى، شعر الكثير من السوريين بطعنة ضربت صميم ما كانوا يتغنون به من إيمانٍ بعمل عربي مشترك. لم تكن تلك الصدمة العروبية وليدة لحظتها بقدر ما جاءت لتعبّر عن تراكماتٍ امتدت لأعوامٍ ما قبل 2011. الانفتاح الاقتصادي غير المدروس فتح السوق السورية أمام دول الخليج وتركيا، بخاصة لاستملاك الأراضي وإقامة المشاريع وتصدير المنتجات، ما شكّل فرصة إثراءٍ للبعض وحالة إفقارٍ وإخراجٍ من السوق والمنافسة لكثيرين. أما فشل “البعث” في تحقيق أي من أهدافه واضطراب الهوية السورية وضياعها عبر السنين فقد فتح المجال لنمو “الحزب السوري القومي الاجتماعي” في صفوف الشباب ولانتشار خطاب قومي سوري متعصب. غالباً ما يظهر هذا الخطاب على صفحات “السوشال ميديا” مع دعواتٍ لمعاقبة العرب ومنع دخولهم إلى سوريا في المستقبل رداً على إقفال كثير من الحدود العربية في وجه السوريين وعلى دور بعض الدول العربية في الحرب السورية. ودائماً ما تترافق هذه الدعوات مع تشديد على تميّز الانتماء السوري إثنياً وحضارياً وثقافياً عن باقي دول الجوار والعالم. يأتي هذا الخطاب من دون أي أساس علمي أو بحثي، بل هو في الواقع يحمل الكثير من التزييف والتضليل في التاريخ والمعلومات. وهذه جميعها عوامل مشتركة مع الخطاب اليميني القومي المنتشر في العالم.

شعار “سوريا أولاً” لا يجب أن يعني عداء الآخرين ورفضهم، بل التركيز على المصلحة الوطنية أولاً في إطار تعاون إقليمي ودولي يساهم في إعادة إعمار البلاد وضخ الروح في اقتصادها المتعثر

استمرار الأزمة السورية دفع بالكثير من السوريين خارج الحدود إلى الدول المجاورة، وخاصةً إلى لبنان وتركيا. واليوم يعاني البلدان من أزمة اقتصادية ومالية تحصل جراء عقودٍ من سوء الإدارة والتخطيط والتنمية، ومن تسييسٍ للاقتصاد لتحقيق أهداف انتخابية قصيرة الأمد. وبالتوازي، ظهر في كلا البلدين خطاب معاد للمهاجرين يحمّلهم أعباء فشل إدارات البلدين في المجال الاقتصادي. في الأسبوع الماضي توّج وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل ذلك التوجه بتغريدة تحمل جميع خصائص الخطاب اليميني فجعل من لبنان “أرض القديسين والأنبياء (نحن)” التي يدنّسها “اللاجئون والنازحون (هم)” الذين يتساوون مع “الفاسدين (ممن أصبحوا هم لأننا نحن أنقياء)” ويريدون “طردنا منها.” أما في تركيا، فقد ظهر الصراع في الانتخابات البلدية الأخيرة بين تيار يميني تركي يؤسس دعايته الانتخابية على رفض بقاء اللاجئين السوريين أو توطينهم بقيادة حزب “الشعب الجمهوري”، وتيار يميني إسلاموي يؤسس دعايته على الأخوة الإسلامية لشعوب المنطقة بقيادة حزب “العدالة والتنمية”. لطالما كان رجب طيب إردوغان أحد أبرز وجوه اليمين الشعبوي في المنطقة وهو كثيراً ما لجأ إلى إنهاض الروح التركية العثمانية في معرض تغطيته للتحديات الدولية والاقتصادية التي تواجه شعبه، من دون أن يحقق كثير نجاحٍ في حلها.

يبرز في مواجهة زعامة العالم الإسلامي التي يسعى إردوغان لنيلها انسحاب سعودي ناعم من قيادة إسلامٍ معولمٍ بصيغة وهابية لصالح إسلام سعودي معتدل. تلك النسخة من الإسلام السعودي الجديد هي ما أسماها الداعية الشهير عائض القرني “الإسلام الوسطي المعتدل الذي نادى به سمو ولي العهد محمد بن سلمان” في حوار تسبب بضجةٍ كبيرةٍ قبل أيام، إثر اعتذار القرني خلاله للمجتمع السعودي عن الأخطاء التي ارتكبتها “الصحوة” بممارسة التّشدد وطمس الاعتدال والفرح في المجتمع. لطالما استثمرت السعودية في بناء الجوامع ومراكز نشر الفكر الديني الوهابي حول العالم، ولكن محمد بن سلمان الذي يبني مملكة جديدة تقطع مع الماضي الديني والفكري والاقتصادي لا بد له اليوم من التقهقر باتجاه بلده أولاً وبناء هوية جديدة. ولهذا، فقد بدا لافتاً في ذلك الحوار التركيز على إدانة “تيار الصحوة” لمحاربته فكرة الدولة ومؤسساتها المستقلة وإهماله الخطاب الوطني لصالح تمجيد الأمة الإسلامية وغياب اسم السعودية عند دعاة التيار على حساب استخدام تعبير “بلاد الحرمين”.

وإذ يتفشى ذلك الخطاب القومي سياسياً وإعلامياً مع تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية في المنطقة، تنكفئ الدول العربية على نفسها بحثاً عن هويةٍ تميزها عن غيرها بدل البحث عن هويةٍ تجمعها مع غيرها، وذلك في استنساخٍ لما يحصل مع كثير من البلدان حول العالم. ومع رواج الخطاب التمييزي الرافض للآخرين، تزداد الكراهية ويستفحل التوتر ورهاب الغرباء فيما تستمر الأزمات الاقتصادية بالتوالد. لم تحسّن عدائية ترامب الصاخبة أداء الاقتصاد الأميركي بالفعل، كما لم تنتشل شعبوية بولسونارو اقتصاد البرازيل من وهدته حيث تشير استقراءات المصرف المركزي البرازيلي إلى انكماش الاقتصاد في الربع الأول من العام الجاري وإلى تراجع الدخل الإجمالي المحلي وتوجه البلاد حثيثاً نحو الركود. وبالمثل، لن ينجّي التهجم على اللاجئين الأحزاب اللبنانية الحاكمة من مواجهة الأخطاء الاقتصادية الفادحة التي تراكمت منذ بداية تسعينيات القرن الماضي. وشعار “سوريا أولاً” لا يجب أن يعني عداء الآخرين ورفضهم، بل التركيز على المصلحة الوطنية أولاً في إطار تعاون إقليمي ودولي يساهم في إعادة إعمار البلاد وضخ الروح في اقتصادها المتعثر.

لطالما كان من السهل إثارة الغرائز وبثّ الكراهية والتفرقة. فمن السهل أيضاً التعامل مع الأفراد بدل الجماعات ومع الدول بدل التكتلات. إلا أن الكراهية التي تنشأ كردة فعل على فشل اقتصادي تبقى، ولا تغيّر من ذلك الفشل كما أثبتت التجربة مرة بعد أخرى. أزمةٌ اقتصاديةٌ تبعها صراعٌ على الموارد ونعرة شعبٍ يشعر بالغبن يقوده زعيم متهور. هذه كانت حال العالم عام 1939. التاريخ لا يعيد نفسه، ولكنه ينحو أحياناً باتجاه المحاكاة الساخرة.

 
×