في ذكراها العاشرة، تقف الأزمة السورية وسط مستنقع لا انتصار/لا خسارة. بعد عقدٍ من الاقتتال العبثي، يعتقد كل طرفٍ أنه المنتصر على الأرض، في حين أن الجميع في الواقع خاسرٌ بالحساب. حوالي نصف مليون ضحية، ونحو نصف سكان سوريا مهجّرون في الداخل أو لاجئون في الخارج، وأكثر من 60 في المئة منهم فقدوا أمنهم الغذائي، وأكثر من تريليون دولار الكلفة الاقتصادية للحرب، وارتفاع في أسعار المواد الغذائية لأكثر من ثلاثين ضعفاً مع انهيار قيمة الليرة السورية أمام الدولار الأميركي الذي قارب سعر تصريفه في السوق السوداء 4,500 ليرة، أي حوالي مئة ضعف قيمته ما قبل الأزمة: هذه هي أرقام العقد القادم التي لا يبدو اليوم أن الحكومة السورية لديها أي رؤية مبتكرة لمعالجتها، سوى في التأكيد على عدم اتباع النهج النيوليبرالي.

يتمثل أحد أبرز معضلات الحوكمة في سوريا في أن السياسة الداخلية السورية أشبه ما تكون بدليل تعليماتٍ تعتمده فجأةً مفاصل الدولة على اختلاف أنواعها وأدوارها، فيأخذُ جميعُ المسؤولين، أحياناً بمناسبة وغالباً من دون مناسبة، بالحديث عن المواضيع التي صدر قرار التركيز عليها. اليوم، تمثّل “النيوليبرالية”، أو “الليبرالية الجديدة” من أجل التمسّك بثوابت اللغة العربية، آخر الكلمات الطنانة السائدة في الأوساط الحكومية السورية. وفي حين لا يفهم غالبية السوريين بالضرورة لزوم تداول هذا المصطلح الجديد، فإنه يُصوَّر لهم كسببٍ كامن وراء مصائبهم كافة. تظهر الكلمة اليوم في تصريحات الوزراء، وفي مداخلات المعلقين الإعلامية، وفي المقالات الصحافية الموجّهة أبداً، وحتى في أحاديث رجال الدين. ويتكفّل جميع هؤلاء بإبراز جوانب محددة للنيوليبرالية – خصوصًا على المستوى المجتمعي – ينشغل برفضها السوريون، وإغفال أخرى يعاني منها الناس يومياً، لكن أحدًا لا يقول لهم إنها نيوليبرالية.

في عام 1987، قالت مارغريت ثاتشر، رئيسة الوزراء البريطانية في حينه وواحدة من زعامات ثمانينيات القرن العشرين ممن أسّسوا لهيمنة النيوليبرالية في دول الغرب الرأسمالي، جملتها الشهيرة: “ليس ثمّة شيء اسمه مجتمع؛ هناك فقط أفرادٌ رجالٌ ونساء”. ويبدو اليوم أن هذه الجملة هي ما يستند إليه المسؤولون في سوريا لمهاجمة النيوليبرالية بوصفها “أحد أشكال استهداف الأسرة والمجتمع”، وحيث “مواجهة آثار هذه الحرب على سوريا تتجسد في تحصين الأسرة السورية، من خلال العودة للتمسك بالقيم والعادات، لأن الليبرالية الجديدة تعمل على تعظيم مفهوم الفردية والأنانية، وتؤدي إلى هدم الأسرة، وتخريب الوحدة الأساسية في المجتمع يؤدي إلى تخريب المجتمع بشكلٍ كامل”، على حد وصف عبد الستار السيد، وزير الأوقاف، خلال كلمته في افتتاح حملة “أيام الأسرة السورية” بحسب صحيفة “الوطن”.

وتبعت السيّد في خطابٍ آخر أثناء الحملة ذاتها سلوى عبدالله، وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، كي تؤكد أن “سوريا ما زالت قادرة على تجاوز هذه الأزمة، من خلال العودة إلى الاهتمام بالأسرة كخليةٍ أساسية في المجتمع، والابتعاد عن الفردية التي تروج لها الليبرالية الجديدة، لأن سوريا بُنيت بكل السوريين، ولم تكن في يومٍ من الأيام تعيش على الفرديّة”. وهي تابعت بحسب صحيفة “الوطن” أيضاً لتقول إن “هناك الكثير من الخير في سوريا، ويكفي بالنسبة لنا أن يكون هناك عشرة في المئة من المجتمع من الأخيار ليحملوا الدولة ويعيدوا بناءها من جديد”.

لكن يبدو أن ما فات معاليهما هو أن ثاتشر تتابع لتقول: “ما من حكومةٍ تستطيع فعل أي شيء سوى عبر الناس الذين عليهم الاعتناء بأنفسهم أولاً. فمن واجبنا أن نعتني بأنفسنا، ومن ثم أن نعتني بجيراننا أيضاً”. فبرغم الفردانية التي تتصف بها النيوليبرالية، إلا أنها أيضاً تريد للمجتمعات أن تنظّم نفسها وتعتني بنفسها، بالضبط كما يطالب كل من السيّد وعبدالله. وهذا لأن النيوليبرالية ترى أن الأمر ليس من شأن الدولة، وأن على الحكومات أن تنسحب من واجباتها المجتمعية وتتركها للمنظمات غير الحكومية ولمؤسسات المجتمع المدني. فلو أنشأ “الأخيار” من السوريين جمعيات خيرية تكفل السوريين الآخرين “الأقل حظاً”، ولو تكاتفت الأسر وتعاونت في تنظيم شؤون الأحياء من أمن ونظافة وساعدت الأفراد العاطلين عن العمل، فكم من الأعباء ستنزاح عن كاهل الحكومة!

يعدّ دعم الحكومة للمواد الغذائية الأساسية ومصادر الطاقة سياسةً متجذرة تاريخياً في سوريا، فلا يمكن تغيير القواعد الناظمة لهذا الدعم سوى على نحو تدريجي

لا يمكن إغفال هذا التوجه اليوم مع تعاظم الضغط المالي على الحكومة وميلها إلى التخلص من أعباء الدعم الاجتماعي والاقتصادي الذي ازداد خلال العام الماضي ومطلع هذا العام، فيما المؤشرات تفيد بأن التوجه ذاك سيشكل أحد الاتجاهات المستقبلية الأبرز. ويُعدّ دعم الحكومة للمواد الغذائية الأساسية ومصادر الطاقة سياسةً متجذرة تاريخياً في سوريا، فلا يمكن تغيير القواعد الناظمة لهذا الدعم سوى على نحو تدريجي. ولا بدّ من مزج إلغاء الدعم مع تواترٍ محدّد للتصريحات النافية لحصول تغيير كهذا، الصادرة عن وزراء ومسؤولين آخرين بين الحين والآخر، والمترافقة مع كلام ينضح بالمنّة حول تحمّل الدولة السورية تكاليف باهظة كي تبقي على هذا الدعم. فعلى سبيل المثال، بعد سلسلة من التغييرات والتصريحات المُمهدة، قامت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك بإصدار قرارٍ مطلع هذا الأسبوع يقضي برفع الدعم عن مادة البنزين مع زيادةٍ ملموسة على سعر أسطوانة الغاز المنزلي. الخطوة التالية، ولو بعد حين، ستكون عبر رفع الدعم عن مادة المازوت، ما سيؤدي إلى قفزة هائلة تطال أسعار جميع المواد والخدمات لارتباطها بهذا الوقود الحيوي.

من الممكن أحياناً بثّ رسالةٍ ما عبر الإعلام عن طريق شخصياتٍ غير رسمية كما في حال أكرم عفيف، الخبير التنموي والمستشار لدى اتحاد غرف الزراعة السورية كما تصفه صحيفة “الوطن”. يرى عفيف مثلاً أن “عاداتنا الاستهلاكية ليست سليمة، فحتى اليوم نشتري ما نحتاجه بالكيلو أو بالصندوق… ونخجل من الشراء بالحبّة، كما يفعل الأوروبيون الذين سبقونا بهذا المجال”. إذاً لا بد لنا في المستقبل من اللحاق بالأوروبيين وشراء الخضار والفاكهة بالحبّة. والسيد الخبير والمستشار إذ يبدو متحمساً لهذا ومسرعاً في لحاقه بهم، ترك خلفه الأسواق المحلية ولم يعد يرى ما يشتريه السوريون اليوم على ما يبدو، ولا يعرف أن كثرًا منهم باتوا غير قادرين على شراء حتى تلك الحبة، وأن الأوضاع متجهة نحو الأسوأ.

ولدفع تهمة النيوليبرالية عن الاقتصاد السوري، خرجت صحيفة “البعث” لتقارن سوريا بلبنان أو دول في أميركا اللاتينية ولتطرح بعض الأسئلة الإشكالية من قبيل “هل يملي صندوق النقد الدولي سياساته على صانع القرار؟”، و”هل الدولة مكبّلة بدينٍ عامٍ خرافي لا مجال لسداده إلا بالمزيد من القروض، وبيع مؤسسات القطاع العام للشركات الغربية؟”، و” هل تم تفكيك دولة الرعاية الاجتماعية من تعليم وصحة وخدمات عامة لمصلحة شركات خاصة أجنبية تستبيح المواطن؟”، وأسئلة أخرى مشتقّة من الخطوط العريضة التي تشرح النيوليبرالية على نحو عامٍ في الكتب المدرسية. وبرغم الأجوبة النافية حالياً لمعظم هذه الأسئلة، إلا أن شيئًا لا ينفيها في المستقبل المثقل بالدين وتكاليف إعادة الإعمار.

حرب السنوات العشر راكمت على سوريا ديوناً لم تصرح الحكومة بعد حول كيفية سدادها، سوى أن الخطط الحكومية تشير إلى الاعتماد على “دعم الدول الصديقة” في جهود إعادة الإعمار المستقبلية. فهل بنوك الاستثمار الروسية والصينية مؤسسات إنسانية لطيفة على عكس البنك الدولي؟ وهل دعم طهران عبارة عن هبات غير محدودة زمنياً بهدف “مقاومة قوى الاستكبار العالمي”، خصوصاً مع الانتخابات الإيرانية القادمة ومراوحة المفاوضات مع إدارة بايدن مكانها وتفاقم الأزمة الاقتصادية في إيران؟

وفي ظل الأزمة الخانقة المتنامية، أقرّ “مجلس الشعب” مشروع القانون الجديد للاستثمار، وأصبح قانوناً نهاية هذا الأسبوع. يفتح هذا القانون، كما سابقه، المجال أمام الاستثمارات الخاصة في المجالات كافة، وامتلاك المستثمرين والشركات السورية أو الأجنبية الأراضي والمنشآت اللازمة لإقامة المشاريع. ترافق هذا الخبر مع آخر نقلته صحيفة “الثورة” حول إيقاف مجلس الوزراء العمل بإنشاء معمل للأدوية وأغذية الأطفال تابع للشركة العامة لصناعة الأدوية “تاميكو”، وذلك من أجل “ضغط النفقات” من جهة، فيما سبقه صدور قرارٍ عن هيئة الاستثمار السورية بالترخيص لإقامة مصنع سجاد بملكية إيرانية-سورية من جهة أخرى. وفي ظلّ اجترار خطط تطوير القطاع العام الفاشلة دوماً مع غيابٍ لمصادر التمويل اللازمة، يتّضح أكثر التوجّه نحو بناء علاقات مع القطاع الخاص وفقاً لقانون التشاركية الصادر عام 2016، والتي ستصل غالباً إلى شكلٍ من أشكال الخصخصة.

لا يحتاج الخروج من هذه المآزق إلى حملات شيطنة للنيوليبرالية في المجتمع، فيما لا توجد أي سياسة لمواجهة التحوّل الاقتصادي نحوها. الحاجة الحقيقية الملحّة تنحصر في تغيير طريقة التفكير والتخطيط على المدى الطويل لوضع قراراتٍ تعالج جذور الترهل الإداري والمالي في جميع مفاصل الحكم. هناك فقرٌ حقيقي يخيّم على جميع المدن السورية سيؤدي إلى ازديادٍ في معدلات المرض والجريمة والفساد، وهو ما سيحصل بغضّ النظر عن تباهي المجتمع السوري بعلاقاتٍ عائلية حميمة وتقاليد تراثية جميلة.

 

من ملف: “عن غدٍ سوريٍ لا يأتي”

 
×