ما إن حطّت طائرة وزير الخارجية والتعاون الدولي الإماراتي، عبد الله بن زايد، على أرض مطار دمشق، يوم الثلاثاء 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، حتى أطلق قسمٌ ممن يُفترض أنهم نخبٌ سوريّة العنان لأفراح “انتصار سوري” يتحقق، وهو ما دفع قسمًا ممن يُفترض أنهم نخب سوريّة، على المقلب الآخر، إلى الردّ عبر قنوات تلفزيونية ووسائط التواصل، عن طريق التصويب على الإمارات ومواقفها والتقليل من مكانتها تارةً، وعن طريق نشر أخبار غير مُسندة عن نقل بن زايد تحذيراتٍ، أو حزمة شروطٍ ومطالب ينبغي على دمشق تنفيذها، تارةً أخرى.

المعركة الإعلامية حول هوية المنتصر من زيارة الوزير الإماراتي إلى دمشق لم تستمر لأكثر من أسبوعين، إذ حصل ما خلط الأمور وغيّر الأدوار. فقد حان دور القسم الثاني من النخب السورية لإعلان الأفراح بانتصارٍ تركي هذه المرة، جاء من البوابة الإماراتية أيضًا، وتمثل بزيارة ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان إلى تركيا، يوم الأربعاء 24 تشرين الثاني/نوفمبر.

وزاد في طين المتنافسين بلّة أنه بالتزامن مع زيارة بن زايد إلى تركيا، كانت الإمارات وإيران تتفقان على “تعزيز العلاقات على أساس حسن الجوار، والاحترام المتبادل في إطار المصالح المشتركة”. وأتى ذلك الاتفاق كنتيجة لاستقبال المستشار السياسي لرئيس دولة الإمارات، أنور قرقاش، نائبَ وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية، علي باقري كني. وما إن انتهت زيارة باقري كني إلى الإمارات، حتى أُعلن عن زيارةٍ لمستشار الأمن القومي الإماراتي طحنون بن زايد إلى طهران، التي وصلها بالفعل صباح الاثنين 6 كانون الثاني/ديسمبر 2021.

وبالطبع، لن يخلو الأمر أيضًا من متحدثين عن انتصارٍ قطريّ إثر انتهاء الحصار الرباعي وعودة العلاقات القطرية-الإماراتية إلى سابق عهدها. احترنا، إذًا، من هو المنتصر. وللمصادفة، فإن جميع المتنافسين يسوّقون انتصارهم من البوابة الإماراتية.

يضعنا التسليم بوجاهة المعركة الإعلامية بين المتنافسين على إعلان النصر أمام احتمالات عديدة. أولها أنه تم تفريغ مفهوم الانتصار من أي معنى لكثرة استهلاكه، أو أن ندرة الإنجازات دفعت “النخب” إلى البحث عن انتصاراتٍ وهمية تشحذ بها الهمم.

بعد مضي أكثر من عشر سنواتٍ على اشتعال عددٍ من دول المنطقة، بدا أن الإمارات استشعرت أخيرًا حالة الاستعصاء

على أي حال، يساعد تسليط الضوء على مسألتين هنا في فهم ما يحدث في المنطقة، بعيدًا عن البروباغندا الرائجة.

تفيد المسألة الأولى بتزايد احتمالات العودة إلى أدواتٍ أثبتت نجاعتها سابقًا، ومنها “المثلث الضامن”، وإدارة الصراع، وتبريد الجبهات. ففي تسعينيات القرن الماضي، شكّل كل من سوريا ومصر والسعودية “مثلثاً ضامنًا” لعب دور رجل الإطفاء ومبرّد الجبهات، والأهم، دور ضابط إيقاع العلاقات العربية-الإيرانية، استنادًا إلى العلاقات الاستثنائية بين سوريا وإيران.

أبصر ذلك المثلث العربي النور بعد سنوات عاشتها سوريا خلال ثمانينيات القرن الماضي عُرفت بـ”أحداث الإخوان”، وبعد اتهام سوريا كلًا من العراق والأردن بتقديم الدعم للجماعة، فضلًا تعرّض دمشق إلى عزلةٍ دولية وعربية لأسباب عديدة، أهمها خروجها عن شبه الإجماع الداعم للعراق في مواجهة إيران خلال حرب الخليج الأولى، بالإضافة إلى موقفها الرافض لاتفاقية “كامب ديفيد”، ودورها في الحرب اللبنانية خصوصًا إبان الاجتياح الإسرائيلي. كانت أولى ثمار ولادة ذلك المثلث فكّ العزلة عن دمشق، الذي شكّلت مقدمته “حرب الخليج الثانية” واشتراك وحداتٍ عسكريةٍ سورية مع قوات “التحالف” عام 1991، بالإضافة إلى موافقة دمشق على المشاركة في “مباحثات السلام” في مدريد 1991.

أما المسألة الثانية، فتتمحور حول التحوّل في السياسة الإماراتية. إذ بعد مضي أكثر من عشر سنواتٍ على اشتعال عددٍ من دول المنطقة، خصوصًا سوريا وليبيا واليمن، وانغماس غالبية الدول العربية والإقليمية في هذه الحروب من دون أن يتمكن أي فريقٍ من تحقيق النتائج المرجوة منها، بدا أن الإمارات استشعرت أخيرًا حالة الاستعصاء، وأدركت أن الاستمرار في النهج ذاته سيؤدي إلى مزيد من هدر الموارد والطاقات. لهذا، قد تكون الإمارات قرّرت تغيير أسلوبها من التدخل العسكري المباشر والدعم المالي لبعض الأطراف المتحاربة، إلى الدبلوماسية الناعمة المستندة إلى القوة الاقتصادية. أي بدلًا من صرف المليارات على الأسلحة وحامليها، وخوض معارك لتحقيق نتائج ثبُت أنها غير مضمونة، يمكن دفع المليارات ذاتها – وربما أقل – لتحقيق النتائج المتوخاة عبر دعم التنمية وتمويل مشاريع اقتصادية.

ويأتي التحول في السياسة الإماراتية هذا عقب مستجدات عديدة عززت من هذا الخيار، على رأسها حالة الاستعصاء، كما أسلفنا، على جبهات سوريا واليمن وليبيا. كما يشارك انتشار جائحة “كوفيد-19″، والنتائج الكارثية التي تركتها على الاقتصاد الخليجي والعالمي، في الضغط على دول الإقليم لإطلاق مبادرات سياسية واقتصادية. وبموازاة ذلك، شكل فوز بايدن بانتخابات الرئاسة الأميركية عاملًا حاسمًا في الدفع في هذا الاتجاه، خصوصًا مع اتضاح سياسة إدارته في الشرق الأوسط، القائمة على حل النزاعات بالطرق الدبلوماسية، والعمل على تبريد الجبهات في المنطقة كي تتمكن واشنطن من التفرغ لملفات أهم وأصعب في مناطق أخرى من العالم.

لا شك أن السياسة الإماراتية الجديدة حقّقت نتائج أولية مثيرة، أقلّه حتى الآن، وما الإشادة بمواقف أبو ظبي من قبل مختلف الفاعلين الذين ربما لم يتفقوا منذ زمن على أيّ أمر، سوى برهانٍ على تعاظم الدور الإماراتي في المنطقة. ويبدو أن هذا الدور سيتعدى كونه رجل إطفاءٍ، أو مجرد مصرفٍ كبير، ليأخذ وظيفة مهندس مشاركٍ في رسم الأدوار في المنطقة. أقلّه، هذا ما يصبو إليه.

وأخيرًا، على هامش كلّ ذلك، عُقدت جلسة لمجلس الأمن الدولي خاصة بالأزمة السورية، في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2021، قدّر فيها وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، مارتن غريفيث، نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر بما يتجاوز الـ 90% من إجمالي عدد سكان البلاد.

هل هناك داعٍ بعد هذه المعلومة للمشاركة في معارك إعلامية حول المنتصر، أو حتى مجرّد السؤال عن هويته؟!

 
×