نشرت “هاربرز ماغازين” يوم 7 تموز/يوليو على موقعها الإلكتروني رسالةً مفتوحةً بعنوان “رسالة عن العدالة والنقاش المنفتح”. وصل عدد الموقّعين على الرسالة إلى 150 شخصاً من الأسماءِ البارزة في عالم الأكاديميا والأدب والفن والمجتمع. رأى هؤلاء في رسالتهم أنّ “التّبادل الحرّ للمعلومات والأفكار الذي يمثّل شريان حياة المجتمع الليبراليّ صار خاضعاً للتضييق بشكلٍ يوميّ”.

تأتي هذه الرسالة في لحظةٍ حرجةٍ بالفعل في تاريخ حركة حريّة الفكر والتعبير عن الرأي التي تتعرض اليوم لضغطٍ متزايد. تتأزّم هذه الضغوط بشكلٍ مطّرد بسبب التّوتر الناتج من عودة صعود الشعبوية والتفوّق الأبيض الذكوريّ وتغوّل النيوليبراليّة الاقتصادية في وجه انتفاضاتٍ جديدةٍ تعمّ مناطق مختلفة من العالم، مطالبةً بالمساواة والعدالة ومراجعة الماضي. توجّه الرسالة تحيّةً خاصةً إلى هذه الانتفاضات التي تطالبُ “بإصلاحِ قوى الشّرطة، ومساواةٍ أكبر في الإدماج المجتمعي، خصوصاً في التعليم العالي والصحافة وأعمال الخير والفنون.” ولكن في فورة هذه المطالب المحقّة، قد تتفاقم المظلوميات منتجةً تشنجاً يصل حدّ إقصاء أي صوتٍ لا يتماشى كليّاً مع ما ينادي به الشارع، ضاربةً بهذا جوهر الحركة وأساس انطلاقها.

وبالطبع لا تفوّت الرسالة فرصة تصويب سهمٍ على الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي “يمثّل تهديداً حقيقياً للديموقراطية”، إذ ترى فيه “حليفاً قوياً” لقوى اللاليبرالية التي تكسب أرضاً حول العالم. ومع ذلك، يؤكد الموقّعون أنّ “على المقاومة ألّا تسمح لنفسها بأن تتحجر متخذةً لنفسها نسختها الخاصّة من العقيدة والإرغام، وهو ما يمارسه بالفعل ديماغوجيّو اليمين المتطرف”. فبحسب الرسالة، لا يمكن تحقيق إدماج ديموقراطي شامل إلّا من خلال انتقاد مناخ التعصّب الذي بدأ يستقر لدى الأطراف كافة.

وعلى الرغم من أن التواقيع على الرسالة جمعت كوكبةً من الأسماء من مختلف التّوجهات والمجالات وعلى رأسهم المفكر الأميركي نوام تشومسكي، والروائية الكندية مارغريت أتوود، وعالم الاقتصاد السياسي فرنسيس فوكوياما، والناشطة النسويّة والكاتبة غلوريا ستاينم، إلا أنّ وقع بعض هذه الأسماء لم يخل من الإشكاليات عند انتشار الرسالة على “السوشال ميديا”. وجاء أبرز المواقف الرافضة من مجتمعات العابرين والمتحولين جنسياً، بانتقادهم ضمّ الرسالة توقيعَ الروائية البريطانية جي كي رولينغ، مؤلفة سلسلة “هاري بوتر”، التي تسببت لكثيرٍ منهم بالشعور بالإساءة بسبب كتاباتها وتغريداتها حول الجندر والمعالجة الهرمونية، إذ على الرغم من دعمها حصولهم على حقوقهم، فقد أكّدت غير مرة أنها غير مقتنعة بطمس “مبدأ الجنس البيولوجي”.

إن الطريق لهزيمة الأفكار السيئة يمرّ عبر الكشف عنها وعبر النقاش والإقناع، وليس عبر محاولة الإسكات أو تمنّي ذهاب تلك الأفكار بعيداً

كما برزت انتقادات عديدة حيال ما تطرحه الرسالة من إشكاليّات لجهة القمع والإسكات، في حين أنّ الموقعين عليها هم/هن من أبرز الشخصيات الفكرية والأكاديمية والفنية القادرين على إبداء الرأي على أيّ منصةٍ يختارونها.

ولكن هذا بالضبط ما يحاول كاتبو الرسالة والموقّعون عليها الإشارة إليه: المشهد الفكري يتغيّر بطريقةٍ هائلةٍ باتّجاه تقييد حرية التعبير عن الأفكار، كما الوصول إليها، حتى ولو كان ذلك على سبيل الأرشفة أو المعرفة أو الدراسة. حيث “يتعرض المحرّرون للطرد عند نشرهم مواد جدليّة، ويجري سحب الكتب في حال الادّعاء بعدم أصالتها، ويُمنَع الصحافيون من الكتابة في مواضيع معينة، ويخضع أساتذة الجامعات للتحقيق في حال اقتبسوا أعمالاً أدبية في صفوفهم…” مع إحالة إلى أحداثٍ وقعت بالفعل خلال الأشهر الماضية بحسب “نيويورك تايمز”.

ولا ننسى أن بعض خدمات “الستريمنغ” بدأت، إثر جريمة قتل جورج فلويد وما تلاها من تظاهرات، بسحب أعمالٍ سينمائيّةٍ وتلفزيونيّةٍ معينة، بينها أفلام خالدة مثل “ذهب مع الريح”، من أجل اقتطاع بعض اللقطات أو إضافة عباراتٍ إلى مقدمة العمل تُخلي مسؤوليّة الشركة عن المحتوى، وتؤكد عدم مناصرتها لأيّ تصويرٍ للشخصيات جرى بطريقةٍ قد تسيء لأيّ كان.

كما أن المنصات ليست مفتوحةً دوماً على مصراعيها أمام جميع الموقعين على الرسالة، ومنهم روائيين تعرضوا للتهديد ومُنِعت كتبهم من التداول في بلادهم نفسها كسلمان رشدي، مؤلّف “آيات شيطانية”، والروائي السوري خالد خليفة على سبيل المثال.

تهدف الرسالة، أولاً وأخيراً، إلى إبراز طيفٍ واسعٍ ومتنوع من الأصوات والخبرات والأفكار التي تتّحد لتدعم منظومةً من المبادئ التي لا يختلف الناس عليها وفقاً لكلام واضعها الرئيس، توماس تشاترتون ويليامز، الكاتب في “هاربرز ماغازين”، مع صحيفة “واشنطن بوست”.

تفادت الرسالة إيراد مصطلح “ثقافة الإلغاء” لوصف ما يحصل في البيئات السياسيّة والاجتماعيّة هذه الأيام، إلا أنّ العبارة تطلّ من بين السطور بشكلٍ جليّ. فسيادة منطق “الصّوابية السياسية” باطّراد أدى أخيراً إلى فرض نوعٍ من الانسجام الإجباري في صفوف المفكرين، وأخذ كثيرون يتفادون المواضيع الشائكة أو التعبير بحرية عن أفكارهم حيالها. سوى أنّ السكوت عن طرح مشكلةٍ ما لا يعني حلّها، ولا يعني اندثارها بفعل هذا السكوت. “إن الطريق لهزيمة الأفكار السيئة يمرّ عبر الكشف عنها وعبر النقاش والإقناع، وليس عبر محاولة الإسكات أو تمنّي ذهاب تلك الأفكار بعيداً. نحن نرفض أي اختيارٍ زائفٍ بين العدالة والحرية اللتين لا يمكن وجود إحداهما دون الأخرى. ككتّابٍ، نحتاج ثقافةً تترك لنا مجالاً للتجريب والمخاطرة وحتى الخطأ”و بحسب الرسالة التي تختمُ بقولها على لسان موقّعيها: “فإن لم ندافع عمّا يعتمد عليه عملنا، فعلينا ألّا نتوقع أن يدافع عنه العامّة أو الدّولة لصالحنا.”

 
×