لطالما كانت المصارف اللبنانية مستودعًا لأموال قسم كبير من أثرياء سوريا ورجال أعمالها وتجّارها، ولبعض متنفذي السلطة ممّن جمعوا أموالهم بالفساد. يواجه هؤلاء اليوم أزمة في الحصول على أموالهم المودعة في المصارف اللبنانية بعد الأزمة اللبنانية المصرفية، التي تكشّفت في الربع الأخير من العام 2019.

وثمة، في المقابل، فئة كبيرة من السوريين أودعت مدخراتها داخل سوريا في مصارف خاصة، يُفترض أنها سوريّة “بحكم قانون إحداثها”، فماذا عنهم؟

تُظهر البيانات المالية المنتهية في كانون الأول/ديسمبر للعام 2020، أن حجم الإيداعات والأرصدة للمصارف السورية الخاصة الأربعة عشر في المصارف الخارجية، تجاوزت 2 تريليون ليرة سورية (أي ما يعادل 1.6 مليار دولار أميركي)، بينها 880 مليار ليرة سورية تعود لسبعة مصارف سورية خاصة من “أم لبنانية” (أي ما يعادل 704 مليون دولار).

ما هو مصدر هذه الأموال؟

بالعودة إلى الإفصاحات المالية للمصارف السبعة (“بيمو” السعودي الفرنسي، و”عودة” – حالياً “الائتمان الأهلي”، و”سورية والمهجر”، و”بيبلوس”، و”سورية والخليج”، و”فرنسبنك”، و”الشرق”)، سنجد أن إجمالي حقوق الملكية لهذه المصارف هو بحدود 100 مليار ليرة سوريّة.

وتشير الإفصاحات أن إجمالي ودائع العملاء في هذه المصارف قاربت 1.2 تريليون ليرة سوريّة. وبهذا، فإن كتلة الأرصدة والودائع في المصارف الخارجية تشكل 75% من إجمالي كتلة الودائع (حسابات جارية وودائع تحت الطلب وحسابات توفير وودائع لأجل)، علمًا بأن أكثر من 50% من هذه الودائع هي حسابات جارية وودائع تحت الطلب لا يتجاوز أجلُ استحقاقها الثلاثة أشهر.

بالتالي، فإن أرصدة المصارف السورية المودعة في الخارج ليست إلا أموال مودعين في الداخل السوري، تم تحويلها إلى الخارج.

الآن، تعاني المصارف السورية “ذات الشريك الاستراتيجي اللبناني” من قيود وضوابط على سحب أرصدتها، أسوة بأثرياء سوريا ورجال أعمالها وتجّارها، وهذا ناجم عن قرارات وتعاميم وبيانات علنية وسريّة صادرة عن مصرف لبنان المركزي منذ بروز أزمة الدولار في لبنان.

وهذا ما يظهره حجم مخصصات الخسائر الائتمانية المتوقعة، المرصودة في القوائم المالية لهذه المصارف، والتي تجاوزت 53 مليار ليرة سوريّة عن عامي 2019 و2020 فقط.

على مدى أكثر من 18 شهرًا من عمر الأزمة اللبنانية، لم يدل مصرف سوريا المركزي بأي تصريح حيال مصير أموال المودعين السوريين

هل ستعود الأموال؟

من الواضح أن مليارات الليرات قد لا يتم استردادها أبدًا إذا ما طال أمد الأزمة اللبنانية ولم يتم التوصل إلى تسوية سياسية. وقد بات مصير ما يقارب تريليون ليرة سورية من ودائع الداخل في المصارف “ذات الشريك الاستراتيجي اللبناني”، مجهولًا، خصوصًا إذا ما علمنا بوجود ثلاثة مصارف خاسرة من أصل المصارف السبعة، وهي مصرف “بيبلوس سورية” (بخسارة قدرها 5.242 مليار ليرة سوريّة، وهي تشكل 85.6% من رأسماله)، و”بنك عودة” لبنان – “بنك الائتمان الأهلي حاليًا” (بخسارة قدرها 4.831 مليار ليرة سوريّة، وتشكل 80.5% من رأسماله)، و”بنك سورية والمهجر” (بخسارة صافية قدرها 717.9 مليار ليرة سوريّة، أي بما يعادل 8% من رأسماله).

ومن بين المصارف السبعة، التزم مصرفان فقط – في الآونة الأخيرة – برفع رأسمالهما إلى 10 مليار ليرة سورية، بما يتوافق مع القانون رقم 3 للعام 2011، والذي نصّ على وجوب رفع الحد الأدنى لرأسمال المصارف التقليدية لتصبح 10 مليار ليرة سوريّة بدلًا من 1.5 مليار ليرة، علمًا بأنه كان يُفترض أن تنتهي المهلة الممنوحة لزيادة رأس المال قبل نهاية العام 2015.

والمصرفان اللذان رفعا رأسمالهما وفق القانون هما “بيمو السعودي الفرنسي” و “سورية والخليج”، في حين جاء رأسمال المصارف الخمسة الأخرى على النحو الآتي: “سورية والمهجر” 8.640 مليار ليرة سورية، و”بيبلوس” 6.12 مليار ليرة سورية، و”عودة” 6.001 مليار ليرة سورية، و”فرنسبنك” 5.25 مليار ليرة سورية، و”الشرق” 4.125 مليار ليرة سورية.

كلّ ما ذُكر يرتبط بالأزمة الخانقة التي تواجهها المصارف اللبنانية، والتي اتضحت معالمها في أيار/مايو 2019، وتكشّفت بشكل أكثر وضوحًا في تشرين الأول/أكتوبر من العام ذاته، ونتجت منها مجموعة من الإجراءات الصادرة عن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، حدّ فيها من حركة السحوبات، وطلب بموجبها رفع رأس مال المصارف لديه، والتي نتج منها بيع “بنك عودة” بعض فروعه في الخارج مثل مصر والأردن وسوريا أيضًا.

وكانت المصارف اللبنانية نقطة اتصال الاقتصاد السوري المقيّد بالعقوبات بالعالم الخارجي، وقد أمّنت الروابط المصرفية مع لبنان استمرار أنشطة الأعمال والتجارة في الداخل السوري، منذ انفجار الحرب قبل عشرة أعوام.

وعلى مدى أكثر من 18 شهرًا من عمر الأزمة اللبنانية، لم يدل مصرف سوريا المركزي بأي تصريح أو توضيح حيال مصير أموال المودعين السوريين.

فهل ضوابط السحب اليومية التي فرضها مصرف سوريا المركزي، بذريعة ضبط السيولة بالعملة المحلية خارج الجهاز المصرفي، تفيد في لجم التسارع في تدهور سعر صرف الليرة السوريّة، أم أن مردّها الخشية من عدم قدرة المصارف السورية على تلبية سحوبات المودعين في حال حصول طلب كبير على استرداد أموالهم؟

بانتظار الأيام القادمة لتكشف لنا المزيد من الوقائع.

 
×