Image Credit: NurPhoto via Getty Images

 

ما زال الاقتصاد السوري يئنّ من وطأة الارتفاع الهستيري في المستوى العام للأسعار ومن الأمل المفقود داخل سوريا، خصوصًا لدى الشباب وذوي الكفاءات والمهارات، ولدى من يُعتبرون بنّائي وصانعي نهضة الأمم.

وبرغم الاختلافات الجذرية في بنية الاقتصاد السوري وخصائصه خلال السنوات العشر المستمرة للحرب، والانعطافات الجذريّة في سير الأحداث عسكريًا وسياسيًا، محليًا ودوليًا، وبرغم توالي ست حكومات على سوريا منذ بدء الحرب لتاريخه، إلا أن النهج السياساتي للحكومات الست المتعاقبة انحصر في أفق ضيق واحد. ويمكن تلخيص هذا النهج كالتالي: “السوق ويدها الخفية قادرة على أن تكون ذراعَ الدولة وعكّازها الاقتصادي للتخفيف من ضغوط الحرب والالتفاف على العقوبات، والقطاع العام ومؤسساته أضعف و”أفشل” من أن يقود الاقتصاد في عقد الأزمات”.

غير أن الواقع، يكشف – يوميًا – أن السوق ليست عصى سحرية، وأن اليد الخفية للسوق “ليست بالأساس موجودة إلا في الكتب الجامعية”، وأن الأسواق، وإن كانت بمثابة “خدم جيّدين” في فترة ما، إلا أنها ستتحول إلى “سادةٍ سيئين” كلما طالت تلك “الفترة”.

النتيجة كانت استمرار هستيريا ارتفاع الأسعار، حتى تجاوزت 3000% مقارنة بسنة الأساس، 2010، أي بمعدل تضخم سنوي بلغ 300% سنويًا، فيما تجاوزت الأسعار 4000% في العديد من أصناف الأغذية الرئيسة من الحبوب والفواكه واللحوم والألبان والأجبان. كذلك انخفضت نسبة الأسر الآمنة غذائيًا من 23.3% في العام 2017، إلى 5.1% في العام 2020.

إعادة التفكير  عند الحكومة السابعة

قريباً سيؤدي الرئيس بشار الأسد القسم الدستوري، فيما المواطن السوري ينتظر تشكيل الحكومة السابعة. لكن ما الذي على هذه الحكومة السابعة فعله؟ هل ستعتمد الأُفق “الضيق” للحكومات الست السابقة، أم سيكون في جعبتها أفقًا جديدًا “أرحب” من سابقه؟

باتت إعادة التفكير في السياسات الاقتصادية ضرورة، وهذا يستدعي إعادة تحديد الأهداف الاقتصادية، وإعادة النظر في جوهر هذه السياسات. فلا يمكن اختزال السياسة المالية بكونها وسيلة “جباية”، ولا يمكن اختزال السياسة النقدية بأنها وسيلة “توفير قطعٍ أجنبي”.

خلال العقد الضائع، شُوّهت الغايات الأساسية للسياسات الاقتصادية، القاضية بتحقيق النمو الاقتصادي وإعادة توزيع الدخول، لتصبح غايات مالية نقدية صرفة، بعيدة كل البعد عن أي هدفٍ اجتماعي.

شعاراتزائفةلا بد من التخلي عنها

تستدعي إعادة التفكير المذكورة أعلاه التغلّب على القيود المتأصّلة في التفكير الاقتصادي لدى الساسة وصنّاع القرار الاقتصادي، وهي بالتالي تتطلّب الاستغناء عن اثنين من الشعارات التي استهدفت العَرَض وليس المرض؛ أي التدهور الاقتصادي.

أوّل هذين الشعارين: تقليص العجز الحكومي؛ حيث ساد اعتقاد مفاده أن خفض العجز في المالية العامة للدولة ضروري وكافٍ للحدّ من التدهور الاقتصادي، وهذا شعارٌ زائفٌ لأن العجز هو النتيجة وليس السبب. لذا، فإن تحاشيه ليس دواءً يعالج “التدهور الاقتصادي” على الإطلاق. أما الشعار الثاني، فهو أنه الشريحة الأكثر فقرًا بإمكانها أن تحتمل ألم تجريب السياسات؛ حيث اعتقدت الحكومات المتعاقبة بضرورة الحفاظ على مصالح رجال الأعمال والتجار والصناعيين على حساب الشريحة الأكبر من المجتمع، بذريعة ضمان استمرار الإنتاج والاستثمار. ولكنها أغفلت أن الشريحة المجرّب بها من الفقراء والفئات المهمشة مثل “النابض”، كلما ضغطت عليه بقوة لأسفل، زادت القوة التي قد يرتد بها للأعلى. وكلّما طال أمد الضغط على أمل مستقبلٍ أفضل، ضعفت مرونة استجابته عندما يأتي هذا المستقبل. والنتيجة، تهديدٌ للسلم والأمن الاجتماعيين، وخشية من عودة الصراع مستقبلًا.

الشريحة المجرّب بها من الفقراء والفئات المهمشة مثل “النابض”، كلما ضغطت عليه بقوة لأسفل، زادت القوة التي قد يرتد بها للأعلى

ما يمكن للحكومة القادمة أن تفعله

إن الاستمرار في استخدام مجموعة الأدوات الاقتصادية “البالية” القائمة على شعاراتٍ واهية، سيؤدي إلى مزيدٍ من خنق الاقتصاد ومن البلاء الاقتصادي والاجتماعي. لذا، فما يمكن للحكومة السابعة أن تفعله هو استهداف الأسباب عند رسم السياسات وليس العارض، وإعادة ترتيب الأولويات ليأتي خلق فرص العمل ودعم الإنتاج أولًا.

لكن الحكومة الجديدة ستجد صعوبةً بالغة في تحقيق أولوياتها وأهدافها الجديدة، في ظلّ انخفاض الطلب وانتشار الفساد. وهنا نقترح العمل على ما يلي:

مكافحة الفساد انتقائيًا: إن الفساد المستشري والمتأصّل هو سببٌ للتدهور الاقتصادي في سوريا، وهو يشكّل قيدًا وعائقًا رئيسًا أمام التغيير المنشود. لكنّ اتباع استراتيجيةٍ “شاملة” لمكافحة الفساد، من شأنه أن يهدر الموارد المحدودة من دون تحقيق النتائج التي يمكن أن تتيحها أجندة محدّدة وأكثر تركيزًا.  لذا، يمكن بدايةً التركيز على الحدّ من “الفساد الكبير”، خصوصًا في الجمارك والمعابر الحدودية، بالإضافة إلى “إصلاح نظام المشتريات الحكومية”.

تحفيز الطلب على الإنتاج المحلي: في ظل انخفاض القدرة الشرائية للمواطن وتدني مستوى الدخل، يمكن تحفيز الطلب وتحويله عبر زيادة حجم الائتمان الممنوح مع تسهيلاتٍ وشروطٍ ميسّرة لتمويل شراء سلعٍ من إنتاجٍ محلي حصرًا. ويمكن ربط شروط التسهيلات بمدى مساهمة المكوّن المحلي في تصنيع المنتج النهائي.

ومهما اختلفت الأدوات، يجب أن تكون بوصلة القرار لدى الحكومة السابعة وهدفها “التكتيكي والاستراتيجي” متمثّلين بخلق فرص العمل ودعم الإنتاج المحلي، عبر التغلّب على القيود المتأصّلة في التفكير الاقتصادي القائم على تقليص العجز الحكومي على حساب الشريحة الأكبر من المجتمع، حفاظًا على مصالح الشريحة الأصغر “من رجال الأعمال والتجار والصناعيين” على أمل مستقبلٍ أفضل.

وبالقدر نفسه من الأهمية، يجب إعادة الألق لجوهر السياسات الاقتصادية وعدم تقزيم فحواها، فالسياسات الاقتصادية ليست مجرّد أدوات لتحقيق “وفر مالي”، بل يُفترض أن تكون غايتُها تحقيقَ أهداف اجتماعية تنموية شاملة.

 
×