سرَت نكتة في الآونة الأخيرة مفادها أنّ البعض لو خيّرتهم بين عبور البحر سباحةً أو العبور فوق جسر مبنيّ فوقه، لذهبوا في الخيار الأول الذي يبدو مجنوناً. فهؤلاء يتكلمون بلغة الواثق معتبرين أنّ حدوث زلزالٍ يدمّر الجسر أمرٌ واردٌ (وإن كانت منطقةً بعيدة عن خط الزلازل). وعليه، فخيار السباحة يبقى أكثر أماناً. وبرغم غرابة هذا الطرح، إلا أنّه يمثّل المنطق ذاته الذي تقارَب فيه بعض القضايا اليوم، كقضية اللقاح المُنتظر. في هذه المقالة فرضية تحاول البحث ما وراء قضية الأخذ بالعلم أو عدمه.

لماذا يصعب علينا إقناع جزءٍ لا يستهان به من الناس بضرورة التلقيح؟ طبعاً، لم يعد خافياً على أحد الدور المباشر الذي يلعبه المدّعون والمزيّفون، وقد عمل كثير من الشخصيات البارزة، ومن بينهم نقيب الأطباء في لبنان، على كشف أكاذيب ومخادعات هؤلاء على مختلف الشاشات ووسائل التواصل. في العموم، يمكن لكثيرين أن يختزلوا قضية اللقاح بسهولة ويصوّرونها (عن نيّة حسنة) كصراع بين العلم من جهة وما يقابله من علمٍ زائفٍ وفهمٍ منقوص، فالمجتمع بحاجة لهذا النقاش حتى يتبيّن الحقيقة في هذا المجال ويربح سباق الوقت مع الوباء.

لكن، في العمق، المشكلة أبعد من ذلك بكثير. وإذا ما أردنا تصغير الدائرة لنتحدث عن المجتمع اللبناني مثلاً، فجذور الأمر تعود، بجانب منها على الأقل، خمسة عشر عاماً إلى الوراء، وهي الفترة التي تلت احتلال العراق وسبقت اغتيال الرئيس رفيق الحريري، حين تعقدت علاقة المواطن في المشرق العربي بشكل عام وفي لبنان بشكل خاص بالإعلام. أعاد الضخّ الذي مورس، خلال هذه الفترة، تشكيل وعي المواطن من الصفر. ولعلّ حدّة الاصطفافات والتمذهب الذي بلغ حدّ الجنون والسيناريوهات العجيبة التي كانت تملأ الشاشات يومياً، استطاعت خلق واقعٍ جديد في العقول. هكذا صار الناس ميّالين نحو طرق التفكير المؤامراتية ولو ضاهت الخيال، ضاربين بعرض الحائط أساس القياسات المنطقية المطلوبة في أي حوار. فقواعد بديهية من نوع “المتهم بريء حتى تثبت إدانته” أو “على المدّعي البيّنة” صارت بحكم المنسية، لمصلحة كل ما يخدم فكرة التهديد الوجودي لفئة ما، أو لتثبيت لمؤامرة ما كانت لتخطر في بال الشياطين، أو لربط تسلسل أحداثٍ ببعضها بطريقة بعيدة عن المنهجية السليمة.

ولو تابعنا تتالي الأحداث، كحرب تموز 2006 وأحداث السابع من أيار 2008 الشهيرة وما تلاهما، لرأينا كيف انقلبت موازين القبول والرفض. كاد منسوب التطرّف في تلك الفترة بالذات أو يفوق ما وصل إليه الحال عشية الحرب الأهلية عام 1975. ومع اندلاع الحرب السورية، ببعدها الطائفي الدموي وتأثيرها المباشر على الساحة اللبنانية، أصبح العمل على إصلاح هذه الذائقة المجتمعية العامة وما ينتج عنها من خلاصاتٍ يكوّنها المواطن أمراً شبه مستحيل. صارت الخطابات خبزاً يومياً، وبات “التحليل السياسي” بشكله البائس عملاً يمارسه اللبناني في منزله أو أثناء تبضّعه وفي طريقه إلى العمل.

بشكل عام، قد يكون انخراط المواطن العادي في الصراع المفتوح (كمراقبٍ ومتابع) أمرٌ حسن، ويؤدي مع الوقت إلى نشوء جمهورٍ واعٍ يقاوم الإسقاط. لكنّ المقتل هنا هو مبدأ الثنائيات الموجودة دوماً: حليفٌ أم عدو، مؤمنٌ أم كافر، جنةٌ أم نار، وطني أم عميل. وضعت هذه الثنائيات إطاراً واضحاً يحرّم على المتلقّي التفكير خارجه.

يبدو الشباب اليوم أكثر تحمّساً للتلقيح بالمقارنة مع الكهول، فالانهيار الحاصل جعل الأصغر سناً ناقمين على الذهنية التي تأثّر بها الأهل أو “جيل الحرب”

في العلوم التجريبية، تزعزعت الكثير من الثنائيات، بعد صمودها لقرون عديدة، إثر توسّع آفاق العلماء والتفكير خارج الأطر المرسومة. فعلى سبيل المثال، لا زال النقاش مستمراً في الأوساط الطبية عن الحد الفاصل بين الحياة والموت، وما يتبع الأمر من جدلٍ علمي-أخلاقي-اجتماعي يمكن استنتاج عشرات المواقف منه. وعليه، فإنّ تنوّع المعرفة عامل أساس في بناء الذات المتحررة من القيد الثنائي، وكلّما توسعت الدائرة، لم يعد الفكاك سهلاً فحسب، بل غدت القدرة على إقناع الآخرين حبيسي معتقداتهم أكثر فعاليةً أيضاً. يصعب أن ترى رجل دينٍ ملمٍّ بالتاريخ والاجتماع، يقارب موضوعاً شائكاً (كالحجاب مثلاً) كما يتحدّث به خطيب جمعة تقليدي، وهنا يمكن الوصول مع الأول إلى قواسم مشتركة كثيرة حتى لو كان الطرف المقابل مغالياً في معاداة الطقوس الدينية.

في السياسة يبدو ملف العلاقات التركية-الإيرانية (ربما الخليجية لاحقاً) دليلاً على فداحة الخيار الذي مشى فيه “الثنائيون”، حيث تراهم يستحضرون مصطلحات “العثمانيين” و”المجوس” في وقت تُنسَج التحالفات خارج الحدود على أساس مصالح أممٍ يفوق تعدادها عشرات الملايين، واقتصاداتها عشرات المليارات لا تأبه للشعارات والمزايدات التي وقع فيها ضحايا الفترة التي تلت عام 2003.

الأمثلة لا تنتهي، ولكننا نعود إلى نقاش الساعة: لقاح كورونا. إلى حين كتابة هذه السطور، لا يزال عدد المسجَّل اسمهم ضمن لوائح وزارة الصحة اللبنانية قليلاً جداً بحسب تصريح الوزير نفسه. وهو عددٌ مخيبٌ للآمال في بلدٍ تحصد فيه الجائحة يومياً العشرات، مع نتائج اقتصادية كارثية. وانطلاقاً ممّا تقدّم، فمن الواضح أن الذهنية اللبنانية لا تزال أسيرة الثنائيات حيث أنّ الحديث المؤامراتي الذي يشكك بكل شيء دون علم، ويبحث عن الأصوات الشاردة أو الشاذة ليدعم بها وجهة نظره، يجد طريقه بسهولة نحو أذن المستمع اللبناني الذي صار ذهنه معتاداً على تسخيف ذوي الاختصاص والمشهود لهم بالكفاءة مقابل وجوهٍ يراها للمرة الأولى ولا يعرف شيئاً عن خلفياتها المعرفية.

ومع رصدٍ سريع لمواقع التواصل، يبدو الشباب اليوم أكثر تحمّساً للتلقيح بالمقارنة مع الكهول. فالانهيار الحاصل جعل الأصغر سناً ناقمين على الذهنية التي تأثّر بها الأهل أو “جيل الحرب”، وأكثر ميلاً لما يناقض تقليديّتهم. نستطيع الحديث إذاً عن خصومةٍ بين جيلين، لا تعتمد بالضرورة على التحصيل العلمي بل نجمت عن اشمئزاز الشباب من سلوك “التحذير” الذي ينتهجه “الكبار” ممن يخشون كل ما هو مجهول برغم وهن حججهم أمام الوقائع (“أميركا تريد تجربة اللقاح بنا” وغيرها من الأمثلة المستقاة من تطبيقات الدردشة).

خلاصة القول أنّ النقاش حول اللقاح ليس سوى جزء من جدل واسع حول تكوين الرأي العام بالمجمل ودور الإعلام (السيء غالباً) في هذا المجال. ومع سوء الحال الذي وصلنا إليه اليوم، لا يعيش تقويم أنماط التفكير وتفكيك الإيمان بالثنائيات عصرهما الذهبي، وإن كان البعض يؤمن أن انتفاضة الشباب في مكانٍ ما ستحمل معها متغيّرات اجتماعية وفكرية تتّسم بالجذرية والقطيعة مع الماضي وتجلّياته. نعيش إرهاصات هذه القطيعة اليوم مع ارتماء الهاربين من الموروث المهترئ في أحضان الخطاب النيوليبرالي الذي لا يقل سوءاً، وهذا مبحثٌ آخر على أي حال.

 

من ملف: “عامٌ على الجائحة”

 
×