ليس غريباً أن يعيش لبنان أزمة وجودية في هذه المرحلة المفصليّة التي فضحتها جائحة “كورونا” عالمياً. قبل ذلك تحسّس اللبنانيون خللاً منهجياً، فعَلَت صرخاتهم في 17 تشرين معلنين بذلك بدء الانهيار في هذا الكيان الذي لم يعد يحتمل الاستمرار بالشكل نفسه.

لا شك أن الأزمة العالمية، الصحية والاقتصادية، ترتبط بفشل الخيارات السياسية التي سعت إلى إدارة المجتمعات على غرار إدارة الثروات! إلا أن الأزمة اللبنانية تضيف إلى هذا الخلل طبقات متراكمة من الفشل، يتّصل بالعجز عن انتشال هذا المجتمع من أزماته المتوالدة، ومن حرب أهلية لم تنتهِ تبعاتُها بعد.

توافق المتحاربون في “اتفاق الطائف” على وقف إطلاق النار، ولم يتّفقوا على وقف استغلال البشر. فما كان منهم إلا أن انتقلوا من المتاريس إلى داخل المؤسسات، وأعلنوا، منذ لحظة وصولهم، قانون عفو عما ارتكبوه من كبائر. صفّروا عداداتهم وبدأوا من جديد، هذه المرة على ايقاع عصر نيوليبرالي، تحولت فيه الفريسة من أمن البشر إلى كراماتهم وأموالهم. وتم ضبط المصالح السياسية من قبل كبار رجال الأعمال، سواء على رأس السلطة التنفيذية أو من خلال دور السلطة المصرفية، الشريكة في القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

بعد الاتفاق على إنهاء الحرب الأهلية، تم تعديل الدستور وأُدخلت ضمن بنوده مرحلة تضمن الانتقال إلى دولة القانون والمواطنة. إلا أن تكريس الطائفية في مؤسسات الدولة واعتماد التقسيم كأمر واقع في الأقاليم والإدارات والمصالح الاقتصادية والمرافق العامة، أديا إلى إنتاج توافق “سلمي” أوصلنا إلى الانهيار الذي نعيشه الآن.

العدالة الانتقالية – خصوصية التجارب

طرحت تقارير الخبراء في الأمم المتحد أمام لجنة حقوق الإنسان عام 1998 العدالة الانتقالية كشكل من أشكال التحول الديمقراطي للشعوب التي عاشت نزاعات في مراحل سابقة. وبما أن أشكال الحروب الأهلية والنزاعات وأسبابها تختلف، فإن أمر تقدير الأدوات المستخدمة لتحقيق هذه المرحلة الانتقالية كانت خاصة بكل مجتمع. هدفت هذه الأدوات إلى ضمان التلاحم الاجتماعي والمصالحة، في ظل حكم ومؤسسات تنظمها قواعد وقوانين، على أن تكون هذه القواعد منسجمة مع قيم الأمم المتحدة المتمثلة بالشرعة العالمية لحقوق الإنسان.

لن ندخل في تقييم هذه الشرعة وكيفية تفعيلها من قبل المنظمة الدولية المعنية بالسلم والأمن الدوليّين، ولا برغبات الدول التي تنظر في هذه القيم والمفاهيم، غير أننا سنقرأ في معنى هذه العدالة المبنيّة على المصالحة وبناء المؤسسات وتفعيل حكم القانون، ودورٍ أساسٍ للقضاء كضمانة لتحقيق هذه القواعد.

وإن كانت المصالحة التي تقوم على الاعتراف بالخطأ والتعويض على المتضررين تأخذ بعداً قانونياً، فإن البعد الاجتماعي كان مقروناً بالمحافظة على الذاكرة حتى لا تتكرّر التجربة. هذان المحوران المتمثلان بمعايير قانونية – مؤسّساتية وأخرى اجتماعية – شعبية، يستلزمان توافر إرادة سياسية تضمن هذا التحول وتفعّله من خلال عملية ديمقراطية وتنموية، تضع دولة القانون على سكة التطبيق وتسهّل تحويل الثقافة الاجتماعية من ثقافة نزاعات واستقواء وثأر إلى ثقافة قانون وسلام وعدالة ومواطنة.

أصبحت دولة القانون جزءاً من منتجات السوق التجاري الاستثماري، بدلاً من اهتمامها بتمثيل مصالح المواطنين

سعت التسويات إلى إنهاء الحروب مع اعتماد واحد أو أكثر من خيارات متعددة، كالمحاكمات الدولية الجنائية أو المصالحات أو قوانين العفو، كما في الحالة اللبنانية، مع مفارقة أساسيّة تتمثل في أن العفو في لبنان لم يكن جزءاً من اتفاق إنهاء الحرب، بل أقرّه من قاموا بتدوير السلطة لضمان مصالحهم، فكان ذلك أول إسفين وُضع في بناء دولة القانون.

وقد اختلفت تجارب الشعوب في اعتماد المحاسبة كأساس للعدالة الانتقالية، فكانت تجربة جنوب أفريقيا، مثلاً، النموذج الأبرز لإبعاد المحاسبة واعتماد الصفح كأساس للانتقال إلى بناء الدولة على أسس جديدة بعيدة عن التمييز العنصري.

غير أن تحقيق العدالة من دون محاسبة يبقى غير ممكن، متى تمكّن المعتدي من استخدام موقعه وتوظيف أدوات جديدة لم تمنع القوانينُ المتفق عليها في مرحلة إنهاء النزاع استخدامَها. فحين يصبح استغلال السلطة والنفوذ ممكناً وفقاً لأطر قانونية تم نظمها على قياسات المصلحة الجديدة، تتحول الدولة إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة والانقسامات الاجتماعية، بالقانون.

الدولة الشركة والمواطن الزبون 

ساهم اعمتاد نماذج نيوليبرالية في الحكم، على مستوى العالم، بتعميق الانقسامات الاجتماعية وبحصول اختلالات أكبر في توزيع الثروة وبتدهور في البيئة وبتوالد الأزمات الاقتصادية الناجمة عن تقاطع المصالح بين السلطات السياسية والسلطات الاقتصادية. هذا التضارب بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة جعل كثيراً من المواطنين – واقعياً – فئة اجتماعية مقابل الفئات الحاكمة أو المهيمنة.

لكن المخاطر الأساسية في هذا التغيّر تمثل بغياب واضح لفعالية الدولة المبنية افتراضاً على مبدأ فصل السلطات. كما برزت ضرورة استصدار تشريعات تتعلق بحماية المستهلك، وقوانين تنظّم المنافسة والمشاريع التجارية الفردية والوسائل البديلة عن القضاء الرسمي لحل النزاعات الناشئة عن المعاملات التجارية الدولية. وإذ دخلت القوانين عالم المنافسة الدولية، راحت الكثير من الدول تعمل على ضمان حقوق المستثمرين في تشريعاتها على حساب مصالح مواطنيها.

بذلك أصبحت دولة القانون جزءاً من منتجات السوق التجاري الاستثماري، بدلاً من اهتمامها بتمثيل مصالح المواطنين. ولم تعد السيادة المميزة للدولة بمفهومها التقليدي الذي استقر في القرن العشرين منضوية تحت لواء الدستور، ولا عادت راعية لحقوق المواطنين في إقليم محدد سلفاً. واستُبدلت الأدبيات والمبادئ الحقوقية بأخرى مستوحاة من عالم الاقتصاد، فأصبح المواطن عميلاً لمقدّم الخدمة، وبرز دور الحوكمة في إدارة المصالح على حساب دور الحكومات في ضمان الحقوق، ومثّلت المشاريع الاقتصادية الأداة المثلى لاستغلال النفوذ السياسي والانقضاض على الأموال الخاصة والعامة. أما التجربة المصرفية في لبنان، فليست إلا دليلاً على اعتماد هذه الآلية وعلى نتائجها المدمّرة.

هكذا تحولت الشركات الاحتكارية الكبرى في لبنان إلى دويلات ذات تأثير على السلطات السياسية، على غرار الدويلات السياسية الأخرى، وبرزت امتيازات استفادت منها طبقة محدّدة، تمثلّت بدفق التحويلات والسحوبات المالية وبالحياة اللائقة والمشاركة الفاعلة في القرار السياسي. وبذلك، أصبح مبدأ حق التملك وحرية تداول الثروة من المبادئ الحامية لها. أما النظام العام والاستقرار النقدي، فمبدأ يُطبق على سائر الفئات من المواطنين. فيما القضاء الوطني محايدٌ، ينأى بنفسه عن حلّ النزاع!

أمام هذا التراكم في الأزمات، وأمام العنف الاقتصادي والاجتماعي، وأمام مشهد مركب مستمدّ من إرث الحرب الأهلية، نطرح في ذكرى الحرب سؤالاً عن كيفية تحقيق عدالة انتقالية في لبنان، ووفق أي معايير. إذ نادراً ما شهدت دول حروباً، ثم عاشت انهياراً اقتصادياً رعته ميليشيات الحرب نفسها. فيما الدول التي عاشت انهياراً مماثلاً، لم تكن تعاني في الغالب من أوجاع حرب لم تلتئم بعد. فأي مجتمع وأي دولة ننتظر، في مطلع المئوية الثانية من تاريخ الكيان اللبناني؟

 
×