قبل أيام، احتفلت الأمم المتحدة باليوم العالمي للتَنوّع البيولوجي (22 أيار/مايو 2021) تحت شعار “نحن جزء من الحلّ من أجل الطبيعة”.

ربما علينا أن نتفهّم المواطن الذي سيتوقف عن قراءة هذه السطور من الآن، لأن همومَه في مكانٍ آخر. فإثارة هذا الموضوع قد تبدو في هذه المرحلة الحالكة من تاريخ لبنان (والمنطقة) ضربًا من الترف. لكن لعلّ مشهد الأسماك النافِقة بسمّ التلوّث، الطافحة على سطح بحيرة القرعون في منطقة البقاع نهاية نيسان/أبريل الماضي، ما زال حاضرًا بدوره في الأذهان ليزيدنا غمًا وكربًا، خصوصًا حين نعلم أن موت الأسماك ليس بذاته ما يُحزِن، بل موت الحياة كلّها في البحيرة.

من أطراف بحيرة القرعون بإمكاننا أن نفتح ثغرة، ولو ضيّقة، لنُطِّل من خلالها على مفهوم ما يُسَّمى “التَنوّع البيولوجي”، ولنتحدث عن الإشكاليات التي يطرحها: هل هو مفهوم علمي بحت، مُجَّرد وموضوعي؟ أم أنه بناء اجتماعي وسياسي تحوّل إلى شعار “أمم مُتحديّ”؟ أم أنه مفهوم له قيمته العمَلية والنفعيّة، كما الروحيّة والجماليّة والفلسفيّة التي تحدّد حجمنا وتنظم علاقاتنا مع الأنواع الأخرى التي تسكن هذه الأرض؟

نحن، في أرض المشرق، بالإضافة إلى خِتم “مَهد الحضارات” الذي ألصق بنا منذ القدم، يظهر أيضًا أننا نقاط حارة لـ”التنوع  البيولوجي”، أو ما يسمى بالإنكليزية Hot Spots of Biodiversity. إذ يُعتبَر لبنان من أهم مناطق التنوع البيولوجي في الحوض الشرقي للبحر المتوسط، ويُشَّكل حاضنة بالغة الأهمية للكثير من الأنواع البيولوجية المستوطنة Endemic Species (أي التي لا توجَد إلا في لبنان)، وبعضها مُهدّد بالانقراض، وقد وضعه “الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة” IUCN على لائحته الحمراء، باعتباره جزءًا من إرث بيولوجي لا يجوز التفريط به.

لكن ماذا يعني للمواطن المُثقل بهمومه الحياتية قولك إنّ في لبنان أنواعًا من نبات السوسن والزعتر، أو الأسماك الشعاعية الزعانف، أو النسور والبجع والسلاحف والأفاعي، مُهدّدة بالانقراض؟ سيُجيبك على الأرجح “وأنا أيضًا مُهدّد بالانقراض”.

قبل أن نجيب على استغراب المواطن المفترض، لنعرّف أولًا ما نعنيه بالتنوّع البيولوجي biodiversity، وهو مفهوم ظهر لأول مرة في الأدبيات العلمية عام 1986 أثناء انعقاد “المنتدى الوطني لحماية البيئة” في واشنطن، وكرّسته في ما بعد “اتفاقية التنوع البيولوجي” (22 أيار/مايو 1992) خلال أعمال “يوم الأرض” في ريو دي جينيرو، والتي صادقت عليها حتى يومنا هذا 196 دولة: “التنوع البيولوجي هو التَنوع بين المنظومات الإيكولوجية، والتَنوع الجيني بين الأفراد داخل النوع الواحد”.

بَرزت الاتفاقية المشار إليها أعلاه كضامن مؤسساتي يحثّ الدول الموقّعة على حماية تنوّعها البيولوجي وإرثها الجيني، خصوصًا في عصرنا هذا الذي سُمِّي بالأنثروبوسين Anthropocene، أي عصر التأثير الإنساني، لتَمييزه عن العصور الجيولوجية الغابِرة، حيث كانت العوامل الطبيعية هي المتحكم الوحيد بالحياة على سطح الأرض.

شهدت الأرض خمس أزمات انقراض جماعي كانت تقتل كلّ مرة 60% – 90% من الأنواع البيولوجية، وكانت أسبابُها مناخية أو جيولوجية، ولم يكن الإنسان قد ظَهر بعد

ويَبدو أنَّنا نعيش أزمة الانقراض الجماعي السادسة التي تعود أسبابها هذه المرة إلى الأنشطة الإنسانية تحديدًا، لجهة تدمير الموائل الطبيعية أو تفتيتها، من قطع الغابات والتمدّد العمراني، مرورًا بتلوّث المياه والتربة والهواء وشيوع الأساليب الزراعبة الحديثة، وصولًا إلى الاحتباس الحراري وتغيّر المناخ (شهد تاريخ الحياة على الأرض، منذ ظهورها قبل ثلاثة مليارات سنة ونصف، خمس أزمات انقراض جماعي كانت تقتل في كلّ مرة ما بين 60 و90 في المئة من الأنواع البيولوجية، وكانت أسبابُها مناخية أو جيولوجية، ولم يكن الإنسان قد ظَهر بعد، إذ يقدر العلماء أن الإنسان الحديث العاقل Homo Sapiens لم يظهر على سطح الأرض إلا قبل ثلاثمئة أو أربعمئة ألف سنة، وهذا يُعتبَر تاريخ حديث جدًا مقارنة بتاريخ ظهور الأنواع الأخرى).

وبغَضّ النظر عن الدِّقة العلمية لتعريف التنوع البيولوجي والسجال الدائر بين الاختصاصيين في العلوم الإيكولوجية وفلسفة العلوم بخصوص دلالاتِه ومَدى صعوبة قياس مُكوِّناته، سأحاول هنا، بشكل مختصر، إظهار قيمة الحفاظ على التنوع البيولوجي، مع التشديد على أن كلمة “قيمة” تعني هنا فائدة هذا التنوّع للجنس البشري على وجه التحديد.

1- القيمة الاقتصادية والاجتماعية النفعية: لنَعُد إلى نهر الليطاني وبحيرة القرعون، أو لنتناول أي منظومة إيكولوجية ecosystem أُخرى كالغابات أو المستنقعات أو البحر أو الجبال. إنّ تلوث هذه المنظومات أو تدمير أقسام منها والتَسبُب باختفاء بعض الأنواع، قد يَضرُب التوازن البيئي الذي ينظّم العلاقة بين مكوناتها. مثلًا: التلوث العضوي والكيميائي لنهر الليطاني وبحيرة القرعون يتسبب بظهور “السيانوبكتيريا” والطحالب المائية التي تستهلك الأوكسيجين، واستهلاك الأوكسيجين يؤدي إلى ظهور باكتيريا تسبّب انبعاث غازات الأمونيا والميثان السَّامة لأشكال الحياة الحيوانية كافة في المياه، وهذا التلوث يحرمنا من الاستفادة من الثروة الحيوانية، ويؤثر بشكل مباشر على مصادر غذائنا. في المقابل، فإن قطع الأشجار مثلًا، والكسارات التي تُدَمِر جبالنا، تقضي على الموائل الطبيعية لآلاف أنواع النبات التي تُشكل مَصدرًا لما يفيد في صناعة أدوية جديدة، وتدمير هذه الأنواع يؤدي إلى اختفاء الحشرات التي تتغذى منها، واختفاء بعض الحشرات التي تلعب دورًا مهمًا في تلقيح الزهور قد يكون له ارتداد سلبي بالغ على أشجارنا المثمرة ونباتاتنا المزروعة، وقد يؤدي إلى هجرة أو تهديد بعض أنواع الطيور التي تعتمد على هذه الحشرات في غذائها… هذه الأمثلة القليلة تُظهِر الروابط الوثيقة بين الأنواع التي تشكل معًا كيانًا كلّيًا وقائمًا بذاته، وتظهر أيضًا كيف أن أيّ خلل في أحد عناصر الكيان، قد يؤدي إلى خلل عام له ارتداداته السلبية علينا. لذلك، نقول للمواطن الذي يشتكي قائلًا “وأنا أيضًا مهدد بالانقراض”، إن جوابَه صائب لأن انقراض الأنواع الأخرى يهدّد أمننا الغذائي والصحي، وقد يؤدي إلى انقراضنا أيضًا.

أثناء تنظيف بحيرة القرعون من الأسماك النافقة في نيسان/أبريل 2021

2- القيم الجمالية-الثقافية-الفلسفية: لم تَبنِ المجتمعات البشرية ثقافاتها ولغاتها وأديانها وفنونها وعاداتها الغذائية والكسائيّة وتقاليدها في فقاعة معزولة عن عناصر البيئة الطبيعية التي تُحيط بها. فكلّ من الطبيعة والبشر شهد تَطورًا وتفاعلًا مشتركًا co-evolution، فكان الإنسان متأثرًا بما يحيطه من حياة نباتية وحيوانية، كما كان مؤثرًا بها. والحضارات البشرية كافة تحتوي على بصمات البيئة الطبيعية التي نشأت فيها، علمًا بأن كلمة “الطبيعة”، والرمزية الروحية أو الدينية لبعض الأنواع النباتية والحيوانية، تختلف من ثقافة إلى أخرى. ففي الثقافة الأميركية الشمالية الحالية مثلًا، تحيل الطبيعة إلى “البرية المتوحشة العذراء” wilderness، حيث ترمز المساحات الشاسعة إلى الحرية والتمدّد، وتَحمل رمزية خاصة تعكس الأسطورة التي بناها الرعيل الأول من مكتشفي القارّة، الذين برَّروا احتلالها بتصويرها أرضًا عذراء لا يوجد إنسان فيها، وإن وجِد، اعتُبر دون الإنسان الأوروبي، وأقرَب إلى الأنواع الحيوانية “المتوحّشة”. لذلك نرى أن السياسات البيئية في الولايات المتحدة تُشجع ما يسمى الحفاظ على الطبيعة Nature Conservation من خلال إنشاء المَحميات الطبيعية الشاسعة. أما في ثقافة بلدان الحوض الشرقي للبحر المتوسط، فمفهوم “الطبيعة البرية”، العذراء التي لم “يُدنسها” فعل إنسان، يبدو فاقدًا لأي معنى، لأن هذه الطبيعة البرية لم تكُن يومًا موجودة عندنا. من هنا صعوبة إضفاء  قيمة “جمالية” أو “ثقافية” مُطلقة على محيطنا البيولوجي، إذ إن هذه القيمة تختلف باختلاف السياقين التاريخي والحضاري، والطبيعة الجغرافية أيضًا.

ما هو إذًا مفهوم “الطبيعة” المرَّوَج له في خطابات الأمم المتحدة؟ وما هي السياسات البيئية المترتبة عليه؟ لقد أطلقت الأمم المتحدة على الفترة الممتدة بين 2011 و2020 اسم “عشرية التنوّع البيولوجي”، وذلك بهدف حثّ دول العالم على اعتماد سياسات ملموسة لحماية التنوّع الطبيعي. وتتركز سياسات الأمم المتحدة على دعم إنشاء المَحميات الطبيعية للحفاظ على الطبيعة “البريّة” (أسوة بما هو موجود في الولايات المتحدة). قد يكون من المبالغ به التحدث عن “إمبريالية بيئية” مفروضة من قبل الأمم المتحدة كما يصفها البعض، ولا نُقلل في المقابل من أهمية إنشاء المحميات، لكن هل تعطي هذه السياسات للتنوع البيولوجي قيمته الحقيقية وتغرسه في قلب الاهتمام اليومي للمواطن، كعنصر أساسي في الحصول على الغذاء والمسكن والملبس، وكفاعل مركزي في تكوين ثقافتنا ومخيلتنا الشعبية؟

في لبنان، وبعد انطلاق مشاريع المحميات في تسعينيات القرن الماضي تماشيًا مع برامج الأمم المتحدة، وبعد النقد الذي تعرَّضت له والجهد الذي بُذِل من قِبل بعض الجمعيات والفاعلين في مجال البيئة، بدأ مفهوم “الحمى” يشق طريقه، وسُنَّت قوانين حديثة لتنظيمه. والِحمى هو مفهوم قديم في بلادنا، ويُشكل جزءًا من تراثنا، وهو مُختلف جوهريًا عن المَحميّات، بمعنى أن الحِمى ليست جزرًا معزولة يُعتَبر الإنسان عدوّها وممنوع عليه دخولها كالمحميّات، بل هي مناطق مسكونة ومحميّة، يعيش فيها الإنسان بشكل منسجم مع الأنواع الأخرى، ويستعمل مواردها الطبيعية بشكل مُستدام لا يؤدي إلى نضوبها. لكن تبقى العبرة في التطبيق، علمًا بأن إنشاء حِمى هنا وهناك لا يكفي، إذ ما فائدة إنشاء حِمى مبعثرة، ومتابعة تلويث الأنهار والتربة والهواء من حولها؟ وماذا عن التمدد العمراني العشوائي والكسارات والقضايا الأخرى التي ليس بوسعنا تفصيلها هنا؟ الأكيد أنه إن لم يدخل الهمّ البيئي في سلوكياتنا وأنشطتنا كافة، وفي ظل غياب خطة متكاملة مبنية على دراسة معمّقة لمنظوماتنا الإيكولوجية على امتداد هذه البلاد، فسنظلّ غارقين في كوارثنا التي لا تنتهي.

 
×