لطالما قامت الصيغة الاجتماعية الاقتصادية للحكومات المتعاقبة في سوريا، على مدى عدة عقود، على معادلةٍ واضحة: نحن ندفع لكم رواتب قليلة، ولكننا نحول لكم الباقي على شكل دعمٍ حكوميّ يمنحكم سلعاً وخدماتٍ أساسية منخفضة الثمن. وعلى الرغم من شيء من التبسيط المخلّ فيما سبق، إلا أن تلك الصيغة الملتبسة التي تجمع اشتراكيةً منقوصةً ورأسماليةَ دولة وفساداً لا حدّ له، ساهمت باستقرارٍ مجتمعيٍّ نسبي، دعمه خطابٌ يذكّر بالمخاطر المحدقة بالبلاد على الدوام من جهة، وثبتّته سيطرةٌ أمنيةٌ مشددة على الشارع من جهةٍ أخرى. وقد شكّلت هذه الصيغة في الآن ذاته واحدةً من المسائل الكثيرة التي تطوف فلك المسكوتِ عنه في سوريا. لا أحد يمنّن المواطن السوري بأنه يبيعه خبزاً أو سكراً أو وقوداً رخيص الثمن، وبالطبع لا يعترض المواطن من جهته على القروش التي تشكّل راتبه.

سرعان ما بدأت ملامح التغيّر في تلك الصّيغة تتبدّى خلال السنوات الخمس الأولى بعد العام 2000 مع وصول ثلاثيّ ناجي العطري، رئيس الوزراء، وعبد الله الدّردري، رئيس هيئة تخطيط الدولة، ومن ثمّ نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، ومحمّد الحسين، وزير المالية، واستلامهم زمام تحويل الاقتصاد السّوري وتحريره. دأب خطاب الفريق الاقتصاديّ ذلك يومها على التذكير دائماً بالحمل الثقيل للقطاع العام المترهّل وللدعم الحكوميّ ومساهمته في الحدّ من برامج الإنماء. وفيما حاول وزير التخطيط الراحل كمداً، عصام الزعيم، العمل على ما هو موجود ونشلُ سوريا واقتصادها وقطاعها العام من المستنقعات التي تردحُ فيها، كان الدّردري على الدوام متسلّحاً بالأرقام والمعلومات ليبيّن كم هو مكلفٌ الحفاظ على النموذج المعطوب. ذهبَ الأول وبقي الثاني يحرّر الاقتصاد والأعمال، ويدعمُ افتتاح المصارف وشركات التأمين والاستيراد المتفلّت، إلى أن اندلعت أولى المظاهرات في دمشق عام 2011.

أصبحت الأزمة السوريّة المستمرّة حتى اليوم، مع ما جلبته من تهاوٍ لأسعار الصّرف وتضخّمٍ عشوائيّ وعقوباتٍ دوليّة، الحجّة الأفضل لتذكير المواطن السوريّ كم أنّ حملهُ ثقيلٌ ومكلفٌ للحكومة. وفي حين عمل الدّردري وشركاه خلال السّنوات العشر الأولى تحت مظلّة دستور العام 1973 معتمدين مصطلح “نظام السوق الاجتماعيّ” الضبابيّ، نال خلفاؤهم دستوراً جديداً عام 2012 أكثر ضبابيّةً ليعملوا وفقه. كانت المادّة الثالثة عشرة من الدّستور السوري لعام 1973 تحدّد بشكلٍ واضحٍ إنّ: “الاقتصاد في الدولة اقتصادٌ اشتراكيّ مخطّط يهدف إلى القضاء على جميع أشكال الاستغلال”. أما في دستور عام 2012، فقد أصبحت هذه المادّة تنصّ بعباراتٍ فضفاضةٍ على إن الاقتصاد الوطنيّ يقوم على أساس “تنمية النشاط الاقتصادي العام والخاص من خلال الخطط الاقتصاديّة والاجتماعيّة الهادفة إلى زيادة الدخل الوطني وتطوير الإنتاج ورفع مستوى معيشـة الفرد وتوفير فرص العمل”. وتتابع المادة كي تقول إنّ الدّولة “تكفل حماية المنتجين والمستهلكين، وترعى التجارة والاستثمار، وتمنـع الاحتكار فـي مختلف المجـالات الاقتصاديّة” في تهيئةٍ على ما يبدو لانسحاب الدّولة من القطاع الاقتصادي وترك قوى السّوق تنظمه كأيّ اقتصادٍ نيوليبراليّ لا تمارس الحكومة فيه سوى دور البرج العاجيّ الحامي والمسهل للأعمال، والمشرّع لقبضتها على الحركة التجارية.

لم يخطر في بال المسؤولين والمثقفين أنّ وظيفة الحكومة خدمة الناس وليس تقريعهم ليل نهار

ومع التخلي التدريجيّ عن الدعم الحكوميّ لأسعار المحروقات واللجوء إلى برامج بديلةٍ أثبتت فشلها الواحد تلو الآخر، تفجّرت الفوضى في السوق السورية وارتفعت أسعار جميع المنتجات والخدمات. وإثر تعمّق الأزمة واستمرارها، أصبحت المنّة علامةً فارقةً في الخطاب السياسي. رمت الحكومة المسؤولية على المواطن: هو من يستهلك، وهو من يهرّب، وهو من يبذّر، والحكومة التي لم تعد اشتراكيةً بحكم الدستور ما عادت قادرةً على دعم حياته وغذائه، بل بات عليه تدبّر أمر نفسه. تكرّر ظهور وزراء ومسؤولين من قطاعات الاقتصاد والطاقة وحماية المستهلك والمالية على وسائل الإعلام، وأخذ منسوب الوقاحة في الازدياد باطّراد في التصريحات التي تذكّر الناس دائماً بأن عليهم حمد الله لنعمة العيش في ظلّ الحكومة السورية الرشيدة التي تؤمّن لهم سبل العيش وتواظب على دفع الرواتب على الرغم من جميع الصعوبات.

وتحوّلت الوقاحة إلى ملهاةٍ سقيمةٍ مع دخول العديد من “المثقفين” في سوريا على خطّ “السوشال ميديا” للسخرية من الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها دولٌ ساهمت في الحرب السورية. وتندّر البعض حول إغلاق الحكومة الأمريكية وإيقاف صرف الرواتب إثر الخلاف بين ترامب والكونغرس ليذكّروا الناس كم هو مدعى للفخر نيلَ حكومةٍ لم تتوقف يوماً عن دفع الرواتب مهما شحّت هذه الرواتب وفقدت قيمتها.

ولم يخطر في بال أولئك المسؤولين والمثقفين أنّ وظيفة الحكومة خدمة الناس وليس تقريعهم ليل نهار. وهي بالتأكيد أيضاً ليست تذكير الشعب على الدّوام كم تبذل حكومته من جهدٍ كي تؤمّن له حاجاته، خاصةً إذا كانت هذه الحكومة ذاتها هي التي فشلت في ضبط الأسعار في الأسواق، وفي قمع التّهريب على الحدود، وفي تطهير الفساد ضمن صفوفها. ولكن فيما يبدو، فإنّ على الشعب السوريّ أن يبقى ممتناً على الدوام وإن كانت حكومته ترفع شعار: “حتى بالشّكر لن تدوم لكم النعم”.

المزيد من هذا المؤلف

التطبيع: غلبة الزمن

كعكة شرقي المتوسط

 
×