“مش عايزة أقعد… مَشُّوني”

أخذت المريضة المسنّة ذات الحالة الحرجة تردد بصوتٍ منهكٍ متململ، بينما تعمل بانفعالٍ على نزع أسلاك جهاز المراقبة الطبي عنها. راحت تكرَّر محاولاتها للانفكاك بينما يحاول كلُّ منا، من أطباء وممرضين وممرضات، تهدئتها وإعادة الوصلات وإقناعها بالصبر في انتظار أكياس الدم التي تحتاجها. لكن وصول أكياس الدم يستغرق – عبر مسارات البيروقراطية الصحية المهترِئة – وقتاً ثميناً يتهادى، مُثقلاً بالحواجز الاجتماعية والإدارية.

كانت مريضتنا التي أصابها “كوفيد-19” بصورةٍ طفيفة تتأرجح على حافة المجهول، جراء حالة فقر دمٍ شديد واحتمال نزيفٍ داخلي تسبب بها ما يُعرف بـ “تسمم الماريڤان”، نتيجة دواء مضاد لتخثُّر الدم تتلقاه بانتظامٍ منذ تركيب صمامات قلبية اصطناعية لها. أما نحن، فقد واصلنا متابعة الحالات الوخيمة التي أوصلها “كوفيد-19” إلى العناية المركزة، في إحدى كبرى المستشفيات العامة بوسط القاهرة. ساعاتٌ متسارعةٌ مضت، ونحن بين استقبالٍ للحالات، وبين الاتصال بعامل المشرحة لاستلام المتوفين في النهاية. لم ينجْ أحدٌ يومها ولم تخفت هالة الموت فوق الرؤوس. امتلأت “ساحة المعركة” – كما تحب أبواقنا الإعلامية تصوير المشهد – بالضحايا، حتى تعذر نقل الأجساد إلى المشرحة التي اكتظت ثلاجتها، ووقف الأهالي حتى صباح اليوم التالي بين تفجُّعٍ ورَهَقٍ ينتظرون جثث ذويهم الغائبين.

وسط جلبة المرض والطبابة والموت، جلست السيدة النازفة بصمتٍ، تراقب النوازل التي تدوي من حولها بعينين أذبلهما الداء، حتى انفجرت شفتاها المرتعشتان بعصبيةٍ تعلن رغبتها في الرحيل، فيما أنا، بين استجدائها المتلبِّس بالغضب، وبين رجاءات ابنتها الدامعة بلا حيلةٍ لاستبقاء والدتها، أنشَدُّ بين الواجب المهني والأخلاقي بنصح المريض وتوجيهه، وبين خواء الشرط العملي الذي رمتنا فيه منظومة “النكسة” الصحية. في النهاية، قررت السيدة أن تنهي تخبُّطَنا وسط هذه الدوامة، بأن فرَّت من المشفى بأكمله.

خيَّم صمتٌ طويلٌ، لكنَّ شعوراً مريراً بالعجز كان يسحقنا.

منظومةٌ فاشلة

تتسم البنية المؤسسية للصحة المصرية بدرجةٍ فاقعةٍ من الانقطاع بين مستويات صناعة القرار السياسي (الوزارات تحديدًا) والإداري (عشرات القطاعات والهيئات الصحية الثانوية المنعزلة)، وبينها جميعاً من جهة وبين مستويات التطبيق الميداني من جهة أخرى. وبغياب التنسيق بين مكونات جهاز الدولة المركزي المفترَض، تخرج الخطط والقرارات، إن افترضنا صوابيتها، بحالةٍ بدائيةٍ ومجردةٍ نظرياً ومن دون ترتيبٍ للأولويات، لتترك مهمة تطويرها وتغذيتها بالتفاصيل حتى تنفيذها إلى مستوياتٍ إدارية أدنى تفتقد الإمكانات اللازمة لإحكام التطبيق. أما ما يطلّ برأسه كتخطيطٍ عقلاني محكمٍ من آنٍ لآخر، فلا يعدو كونه لحظاتٍ ارتجالية – فردية أو مؤسساتية – من الكفاءة الاستثنائية غير المستدامة.

انعكست نتائج هذه “اللامنظومية” على استجابة الدولة المصرية للوباء بصورٍ شتى، بدءاً من التخاذل الواضح منذ الشهور الأولى في حصر وعزل الحالات الوافدة ومخالطيها، وهو ما تسبب في تعظيم التفشي الوبائي وتسارع متوالية العدوى وصولاً إلى مرحلة العدوى المجتمعية (حين لا يعود ترصُّد الحالات والمخالطين ممكناً بعد). وتجلّت الأزمة كذلك في ندرة المعدات الطبية الوقائية وتفشي الإصابات وسط الطاقم الطبي الذي لا يقتصر عمل أفراده، لتجاوز ضعف الأجور، على مكانٍ واحد في الأغلب، لتتحوّل مراكز الرعاية الصحية العامة ذاتها إلى بؤرٍ ساخنةٍ للعدوى (بينما استقلت المراكز الخاصة والتابعة للجهات السيادية عن تحمل العبء العام، واقتصرت على توفير الخدمة المميزة لأصحاب الحظوة).

وبدت الصورة الفوضوية أكثر وضوحاً لدى محاولة تطبيق سياسة الإغلاق الصحي العام، من دون إغفال التوجهات الجوهرية السافرة للنظام نحو حماية الأرباح على حساب الأرواح، ومحاباة رجال الأعمال على حساب المفقرين والكادحين بعد سلبهم أدواتهم التفاوضية عبر سنوات النيوليبرالية والخصخصة الرثة والاستبداد العسكري، وانسحاب الدولة من واجباتها بتوفير شبكات الأمان الاجتماعي اللازمة لتطبيق الإغلاق واقعياً.

وقد أقصى الخطاب الإعلامي الرسمي والخاص المسؤولية عن لامبالاة النظام وشلل الدولة، بعيدًا عن الدور التوعوي المنوط به. فمن جهة، ركّزت الأصوات الإعلامية والرسمية على اتهام “الشعب” اللامسؤول ومنقوص الوعي بالتسبب في تزايد العدوى والإصابات، وكلّ ما هو كفيل بإثارة الذعر المختلط بالذنب والتضاؤل اليائس أمام الجائحة، وهو ما يدفع منطقياً إلى بقاء الناس في بيوتهم بلا ضماناتٍ معيشيةٍ مع ذلك. وفي المقابل، تعالت بهيستيريا مبتذلة المطالبات الآمرة للناس بالنزول إلى أعمالهم، والتضحية من دون ضماناتٍ معقولة في مواقع العمل بهدف تسيير عجلة الإنتاج الوطنية والحفاظ على صورة الدولة المحصَّنة.

رسّخ هذا الخطاب حالة مكثفة من الانفصام عن الواقع، على خلفية الأزمة الفريدة من نوعها والجهل شبه التام من قبل الغالبية بطبيعتها. ووجدت الفئات الاجتماعية المضطربة وذات الخيارات المحدودة أو المنعدمة نفسَها مضطرة إلى سلوك مسارات من التعامل الفردي والعشوائي وإلى اللجوء للخبرات المباشرة أو المتوارثة، التي سرعان ما تظهر محدوديتها أو أضرارها أحياناً.

ووسط هذه الأجواء المشحونة بلامبالاة المسؤولين الرئيسيين والمسمومة بالتجهيل المتعمَد، تسيّدت الانطباعات البدائية وغرائز الخوف والقلق، وتشتّت المشترك الاجتماعي، وراحت الغالبية – التي لا تستوعب بالضرورة مفاهيم كالفيروس والوباء وتسطيح المنحنى – تجسّد الخطر وتُلبسه صورة العدو المادي الذي بالإمكان منازلته والانتصار عليه أو خداعه. وراج يُنظر إلى المرضى أو  موظفي القطاع الطبي على خطوط المواجهة المباشرة على أنهم الخطر. فلينبذوا، إذًا، كما جرت العادات الطاعونية القروسطية، لا المرض!

تضافر الأمراض

في التسعينيات من القرن الماضي، صاغت مارغريت سينغر، أستاذة الأنثروبولوجيا الطبية، مفهوم “المتلازمة الوبائية” (Syndemic). وفي تعليقٍ حديثٍ لها حول جائحة “كوفيد-19” قالت سينغر:

“ينبغي ألا نفكر في المعضلات البيولوجية فحسب، بل وفي القوى الاجتماعية البنيوية التي تحفز التفاعلات المرضية، والقابلية السكانية للتأثر، والتفاوت في حرية الوصول إلى الرعاية الصحية، بما في ذلك لقاحات كوفيد-19.”

كوفيد-19 ليس مجرد وباءٍ تقليديٍ. فهو يصيب كل أمةٍ على شاكلةٍ مختلفةٍ، تبعاً لشكل ومضمون وقوة التنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي المؤسَّسِ بها

يدفع مفهوم المتلازمة الوبائية، أو الوباء التضافري، الذي ينتمي إلى حيز نظريات الطبابة الاجتماعية، إلى ملاحظة أن الفيروسات لا تعمل بمفردها. في الواقع، للفيروس شركاء رئيسيون ممن نسميهم الأمراضَ المزمنة (أو غير العابرة)، كالسكري وارتفاع ضغط الدم والسمنة وأمراض القلب والسرطان. تمارس هذه العصبة المرضية نشاطها الوبائيَّ على قاعدة اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية، وعبر التفاعل مع السياقات الطبقية المتفاوتة، لتنتج الوضع الصحي لمجتمعٍ ما.

ولو نظرنا إلى وباء “كوفيد-19″، سنجد أن القصة بلا شك أعقد من ردِّها إلى مرضٍ معدٍ وحيد. فهناك اليوم مجموعتان من الأمراض تتفاعلان فيما بينهما ضمن الجماعة السكانية المحددة. الأولى هي العدوى بفيروس “كورونا” المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة، والثانية هي طيف الأمراض المزمنة، التي تتسبب في 84% من الوفيات السنوية في مصر كواحدةٍ من أعلى النسب إقليمياً وعالمياً. تحتشد هذه الحالات ضمن فئات اجتماعية محددةٍ طبقاً لأنماط اللامساواة المضمَّنة في مجتمعاتنا.

ينتج الأثر المميت للجائحة عن تعاضد العدوى التنفسية مع الأمراض المزمنة، في الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشةً صحياً واجتماعياً، ككبار السن والاطفال، والمصابين بالاعتلالات المزمنة (الذين يشكلون 85% من وفيات كوفيد-19 بحسب تصريحات وزيرة الصحة المصرية)، والعاملين بالقطاعات الأساسية الذين غالباً ما يتلقون أجوراً بخسةً ويتمتعون بحمايةٍ اجتماعيةٍ هزيلة، ناهيكم عن العمالة غير المنظَّمة.

لذلك، فإنه لا يمكن ادعاء التحكم بالعدوى بمعزلٍ عن معالجة بقية هذه العوامل. أما البحثُ عن حلٍ طبيٍّ خالصٍ للأزمة – على أهمية ابتكار العلاجات واللقاحات – فسيفشل في النهاية. إذ إن “كوفيد-19” ليس مجرد وباءٍ تقليدي. وقد أوجد بتعميقه لثغرات الأنظمة الصحية-الاجتماعية هوةً واسعةً بين جموع الفقراء المستباحينَ وقلةٍ من الأثرياء المنيعين نسبياً.

يقول ريتشارد هورتون، رئيس تحرير مجلة “ذا لانسيت” الطبية المرموقة:

“إن الحدَّ من الأذى الذي تسبب به سارس-كوف-2 سوف يتطلب إيلاء عنايةٍ أوسع بالأمراض المزمنة واللامساواة الاقتصادية-الاجتماعية، بدرجةٍ أكبر مما كانت عليه في السابق. وما لم تصمّم الحكومات سياساتٍ وبرامجَ لمواجهة التفاوتات العميقة، فلن تنعم مجتمعاتنا بالأمان من كوفيد-19 حقًا”.

منذ بداية الأزمة وافتضاح معالمها، تعالت أصوات الحكومات بأن الوقت غير ملائمٍ للحديث في السياسة. في الحقيقة، لا وقت أنسب للحديث عن السياسة وممارستها في ظل وباءٍ يمثل أزمة صحةٍ عامة تسببت بها الرأسمالية، بما تعنيه ممارسة السياسة من نضال لأجل خلق استراتيجياتٍ بديلة.

 

من ملف: “عامٌ على الجائحة”

 
×