هُزِمَ “اليمين” في الحرب الأهلية اللبنانية واختفى فيها “اليسار”.

هزيمة اليمين جاءت سياسية وثقافية. وقبل كلّ شيء، كانت الهزيمة سابقة على مسارات الحرب نفسها.

حين “يتحقق” لبنان الكبير، “يشتاق” هذا اليمين إلى “لبنان الصغير”، حتى إذا عاد إلى “لبنان الصغير”، ضجر منه وعاودته الرغبة في” لبنان الكبير”. اليمين المسيحي في تكوينه لا يعرف ماذا يريد، ولن يعرف. وعدمُ فهمِ اليسار اللبناني لذلك مفتاحٌ لفهم تجربة هذا اليسار.

واليسارُ اختفى بنتيجة مسارات الحرب.

اختفى بالتطيّف، لكن ليس بذلك فحسب. إنما بِرهانه على التحكم بتطيّفه كيسار، وعلى تحكمه باللعبة مع ديناميك التطيّف بوجه عام. بالنتيجة، ظهر أن التطيّف كان عصياً على رهانات التحكم به، وان لم يبلغ التطيّف يوماً في اليسار ما كان عليه في اليمين.

واختفى أيضاً بالتدجين. لكن مع كلّ النقد الذي يمكن توجيهه للمسار الذي اتخذته علاقة اليسار اللبناني – لا سيما “الحزب الشيوعي” و”منظمة العمل الشيوعي” – بالفصائل الفلسطينية، إلا أن هذه العلاقة لم تكن تدجينيّة له كيسار. إذ إن التدجين جاء من جهة النظام السوري، “البعثي”، بالدرجة الأولى، ومن الأنظمة العربية “الصديقة لليسار” أيضاً.

كذلك اختفى بنتيجة العلاقة بين التطيّف والتدجين. إذ كلّما تمادى التدجين، كان هذا التطيّف يثقل على كاهل اليسار أكثر، وراح اليسار معه يبتعد عن النقطة التي يمكنه ابتداء منها أن يمتلك مشروعاً يراجع في العمق الأساسات المختلة التي تقوم عليها التركيبة الاقتصادية الاجتماعية كما السياسية لهذا البلد.

إذا كان اليمين لا يعرف ماذا يريد، فاليسار لم يعرف أين هو من الأساس.

يتعالى مرة على الواقع الطائفي فوق اللزوم، ويتمرّغ في هذا الواقع مرة أخرى حدّ المطابقة.

مرّة باختزاله الطائفية إلى مجرد غشاء من أغشية البنية الفوقية، أو ترِكة من ترِكات الماضي، محكومة بالتحلّل سواء بحكم منطق تراكم رأس المال ذاته، أو بنتيجة توحّد الكادحين من كلّ الطوائف ضد المحتكرين والمستغلّين لهم من كل الطوائف.

ومرّة بجعله الطوائف بنىً اجتماعية راسخة، والجري من بعد ذلك للتمييز فيها بين “طوائف وطنية” تنتج وطنيين بحملهم لواء مظلوميتها، وبين طوائف تنتج وطنيين بانشقاقهم عنها.

ليس هذا حال اليسار فقط. بل البلد ككل يتنقل بين صراع يبدو طبقياً بين الطوائف، وبين صراع يبدو طائفياً بين الطبقات. كلمة “يبدو” هنا لتأجيل البتّ بالتالي: إلى أي حدّ يمثّل الواقع نفسه، والى أي حدّ يمثّل الواقع المُتخيّل.

مشكلة اليمين الأساسية مع اليسار اللبناني إلى اليوم كانت في انحيازه للقضية والمقاومة الفلسطينيّتين، وتهمة اليمين لليسار أنه غلّب هذا الانحياز على مصلحة لبنان. وكلما قام يساريٌ بنقد ذاتي يسلك هذه السكة، اعتبر اليمين أن هذا اليساري يتوب إليه.

بيد أن هزيمة اليمين في الحرب واختفاء اليسار فيها جزء من مشهد أكثر شمولية. ذلك أن الإطار الأساسي لاختفاء اليسار مرتبط بالمرحلة الأخيرة من الحرب الباردة أيضاً؛ مرحلة “من سقوط سايغون إلى سقوط جدار برلين”. مرحلة صعدت فيها أحلام اليساريين عالياً، بهزيمة الولايات المتحدة الأميركية في حرب فيتنام، ثم تبيّن مع ختامها أن الانهيار السوفياتي لن يقتصر هوله على الحركة الشيوعية العالمية الموالية لموسكو فقط، بل على اليسار كلّه، بما في ذلك الأكثر انتقاداً للتجربة السوفياتية، أو حتى الرافضين لها من الأساس.

ومما زاد الطين بلّة أن “الديمقراطيات الشعبية”، على قلّة ما فيها من ديمقراطية، والتي انهارت في أوروبا 1989، لم تستدع انزياحاً عنها في الأنظمة الاستبدادية “اليسارية” العربية، التي مثلت نسخة مشوّهة عن الديمقراطية الشعبية، أي تشويه للتشويه نفسه.

واليسار عندنا، الذي خاض الحرب “دفاعاً عن عروبة لبنان وتطوره الديمقراطي”، بقيت موضوعة التطور الديمقراطي هذه، عنده، محمل عدد من الالتباسات، ومَجلباً للغشاوات.

ديمقراطية شعبية؟ ديمقراطية ليبرالية؟ أم لا هذه ولا تلك، فما هو؟

منذ نهايات الحرب الأهليّة، وفي لبنان يساريون، وليس ثمة يسار

حين يقف يمين ضد الديمقراطية الليبرالية، فما معنى أن يحمل لواءها اليسار؟ هل للضغط على اليمين لإرجاعه إلى “صوابه” ودفعه إلى إعادة حمل راية البرلمانية وفصل السلطات وتداول السلطة؟

انتهت الحرب باختفاء اليسار. اختفاؤه كان بإيراد بعض من شعاراته في مقدمة دستور ما بعد الحرب: لبنان عربيّ الهوية والانتماء، إلغاء الطائفية هدف وطني يقتضي العمل على تحقيقه إنجاز خطة مرحلية، الإنماء المتوازن، العدالة الاجتماعية. كلها من عنديّات البرنامج المرحلي لـ”الحركة الوطنية”، أمكن سكبها في مقدمة دستور الطور الأكثر أوليغارشية وتبعية ورجعية في تاريخ لبنان، الجمهورية الثانية، الطور الأكثر افتقاداً لألفباء العقود الاجتماعية.

المفارقة أن فقرة اليمين بامتياز في مقدمة هذا الدستور، أي الفقرة الواو، “النظام الاقتصادي حر يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة”، لم ينقضها أحد قدر رأسمالية الدولة الأوليغارشية، المستندة إلى قطاع عام ضخم، إنما في خدمة القلّة من المصرفيين وكبار المقاولين وأصحاب الوكالات الحصرية وكبار الملاكين العقاريّين. واليوم، الملكية الخاصة لملايين المودعين مصادرة ومبدّدة أموالهم من لدن دولة المصارف وكبار المقاولين ولوردات الحرب هؤلاء، بما يجعل الملكية الخاصة مستباحة أكثر ما هي العدالة الاجتماعية، كمفهوم، مستباحة. فهل تكون مهمة اليساريين الدفاع عن هذه الملكية الخاصة المستباحة، والدفاع عن البرلمانية المُقوّضة والمُفرغة من مضمونها، وغير المُتيحة البتة لفصل السلطات؟

منذ نهايات الحرب الأهليّة، وفي لبنان يساريون، وليس ثمة يسار. فاليسار مشروع. مشروع لتشكيل كتلة تاريخية في مجتمع ما لقلب الأوضاع فيه انطلاقاً من تبيئة السؤال حول الملكية الخاصة في هذا المجتمع، وكيف تكون، وكيف تدور. فمشكلة الرأسمالية بكلّ بساطة هنا. ليس فقط في لبنان. فمن جهة، تضفي الرأسمالية على الملكية الخاصة هالة القدسية، ومن جهة ثانية، يمكن أن تضيّع فيها ملكيتك الخاصة بلحظات، مرة بالقانون، ومرة بالتحايل على القانون. سيوليّة الملكية في الرأسمالية أعلى وأسرع منها في أي تشكيلة اقتصادية اجتماعية سابقة على الرأسمالية. قدسيّة الملكية الخاصة في أنها غير قابلة للتجسد مطولاً كامتداد لمالك واحد. تفلت منه، تضيع. إن لم تزدد، تنقص. فما تكون مهمة اليسار حينها؟ تخيّل ملكية خاصة عادلة وثابتة؟ هذا سؤال يجعل اليسار ممتنع الظهور كمشروع، رغم توفر اليساريين.

حرب لبنان كانت، على طريقتها، حرباً أهلية شامية بامتياز، مثلها في ذلك مثل الحرب السورية، الحرب الأهلية الثانية في بلاد الشام

اليمين هُزَمَ في الحرب، إنما في عالم ازداد يمينيّة بشكل واسع بعد انتهاء الحرب الباردة، وفي بلد صارت فيه النوستالجيا لما قبل الحرب، بل لهذا اليمين تحديداً، تفرض إغواءاتها. لكنّ اليمين الذي لا يعرف ماذا يريد على مستوى الكيان، لا يعرف ماذا يريد على مستوى الإغواء. يَحسبُ أن طاقة الإغواء التي يمتلكها لجهة نوستالجيا ما قبل الحرب، يمكن أن تدفع غير اليمين لتبني نوستالجياه هو عن زمانه الحربيّ الذي يصرّ على عدم إجراء مراجعةٍ جديّةٍ لأي شيء فيه.

وحرب لبنان كانت، على طريقتها، حرباً ساخنة من حروب الحرب الباردة في أطراف النظام العالمي، وكانت أيضا حرباً أهلية لبنانية وأكثر من لبنانية، حرباً أهلية شامية بامتياز، مثلها في ذلك مثل الحرب السورية، الحرب الأهلية الثانية في بلاد الشام. ومثلما كانت الحرب اللبنانية في عز الحرب الباردة تنبئ بنموذج حروب ما بعد الحرب الباردة (يوغوسلافيا مثلاً)، كذلك فإن الحرب السورية تضمنت بُعداً من أبعاد الرجعة إلى زمن الحرب الباردة، من خلال الاستقطاب الروسي – الغربي حولها، إنما في سياق مختلف كلياً.

الفشل في تشكيل الكتلة التاريخية لتبديل الأوضاع في لبنان في اتجاه ديمقراطي تقدميّ، تُعمَّم بالنتيجة على مستوى الإقليم. في المقابل، ونتيجة عدم امتلاك شروط الوصول إلى نقطة الانطلاق في هذا المشروع، انقسم اليساريون بين المحاور، يأخذ كل رهط منهم على محمل الجد فوق اللزوم شعارات لا يعيرها قادة المحاور الإقليمية المُتمذهبة أنفسهم هذا القدر من الجديّة. وهذه تتمة، بالنتيجة، للمشكلة التي وقع فيها يسار لبنان في الحرب، فاختفى فيها، بينما هُزِمَ اليمين.

واليمين الذي لم يُهزَم باليسار، إنما بالتفويض الأميركي المعطى لسوريا في نهايات الحرب، تحوّل نتيجة ذلك إلى مصدر للمعاني في السياسة اللبنانية. أما اليسار فيحول دون إعادة إيجاده بعد الحرب، وإلى يومنا هذا، انشداد فيه وراء عَدَميْن. عدم يقول بـ”الثورة في بلد واحد” بحجم لبنان، أي توهم الشروع في تعديل البنية الاجتماعية، او حتى فقط التركيبة السياسية، بمعزل عن سياق الإقليم والعالم، وبمعزل عن الجغرافيا السياسية. وعدمٌ مقابلٌ يقول إن على اليسار حملُ المشروع الذي كان يُفترض باليمين حملُه وتخلّى عنه، أي رأسمالية تعمل بما يُرضي الله، وتُصان فيها الحريّات العامة والخاصة، والملكيات الخاصة. عبث.

 

من ملف “لبنان: حربٌ لم تنته”

 
×