الحادي عشر من آذار/مارس عام 2020، يومٌ سيحفظه التاريخ جيداً، إذ لم يعد العالم بعدَه كما كان من قبل. انهالت التطبيقات الإخبارية على هواتفنا “الذكية” بخبرِ إعلان “منظمة الصحة العالمية” فيروس “كورونا المستجد” وباءً عالمياً!

لم يكن التداول الإعلامي لأخبار هذا الفيروس وليد تلك اللحظة، إذ بدأت أخباره بغزو مسامعنا على مدى الشهرين السابقين، لكنْ، وكما تجنح الطبيعةُ البشريةُ لرفض ونكران كلّ ما لا يتماشى مع هواها وقناعاتِها، خال كثيرون أنّ المأساةَ كانت وستبقى بعيدةً عنهم بُعدَ الصين مكانياً واجتماعياً وثقافياً. ولعلّهُ ما كان لِغير المختصين بالوبائيات، أو حتى لبعضٍ أو أيٍّ من هؤلاء، أن يَزِن ثقل تلك اللحظة ويدرك تماماً آثار العصف الذي كان ينتظرنا، والذي ستُلازمنا تداعياته أعواماً مقبلةً على أقلِّ تقدير.

منذ ذلك اليوم، لم يألُ الوباء جهداً في اختراق دفاعاتنا، حتى أشدّها تحصيناً، ومَن سَلِمَ -حتى اليوم- من إصابةٍ أو من فقدان عزيز، لم يسلم من تغييرٍ جذريٍّ في أسلوب حياته، ومن تداعياتِ ذلك على مختلف الأصعدة، ولا سَلِم من حالةٍ لا يمكن إغفالها من التلوث السمعي والبصري بمصطلحاتٍ غريبة، واشتقاقاتٍ عنها، تحطّ يومياً على قاموسنا المتداول، دونما فهمٍ جليٍّ بالضرورة لمدلولاتها، بل مجرد محاولاتٍ خائبة مصدرها خبرٌ منزوع المصداقية من هنا، ومقابلةٌ مع مدّعي امتلاك الحقائق كاملةً من هناك.

التمويل يسرّع الإنتاج

أظهر الوباء ثغرات الأنظمة الصحية وأنظمة الضمان الاجتماعي، إن وُجدت، ووقوعَ شعوبٍ ضحيةَ أوهامٍ بيعت لها بغلافٍ برّاقٍ جذّاب. أما أكثرُها حظاً، فلم تسلم من وعودٍ تبيّن لاحقاً أنها صعبة الإدراك. هي أزمةٌ صحيةٌ ظاهراً، نعم، لكنَّ من السذاجة بمكان عزلُها عن سياقها السياسيّ والاجتماعيّ وحيثياتها الأخلاقيّة. وبناءً عليه، ليسَ أبلغَ هنا من قول المعلّم دانتي: “إنّ أدنى مستويات الجحيم مخصصةٌ لأولئك الذين يبقون على الحياد في زمن الأزمات الأخلاقية.”

وإن كانت خبرة الإنسان بالتعامل مع وباء “كورونا المستجد” لا تتعدى العام الواحد، فإن خبرته الفعلية في تطوير اللقاحات تناهز المئة عام. صحيحٌ أن العالم لم يشهد عبرها تطوير لقاحٍ في أقل من عشر سنوات، بيد أن أبرز العوامل المتحكمة بمدة التطوير هذه هو التمويل، وهو ما نجحت أزمة كورونا بتخطيه، ما أظهر أنه من الممكن تخطي مدة التطوير المطوّلة أنّى تواجدَ التمويل الكافي والحاجة المُلحّة التي وَلّدت طلباً كثيفاً وفتحت أسواقاً لا يستهان بها.

مكّن هذا الأمر المطورين من إبرام عقود بيعٍ مسبقة مع مختلف الجهات الراغبة في الحصول على المنتج النهائي منذ ظهور نتائج التجارب السريرية، وأتاح لهم بالنتيجة أن يأخذوا على عاتقهم المخاطرة بتطوير خطوط إنتاجٍ على مقياسٍ ضخم، حتى قبل انتهاء جميع مراحل التجارب السريرية وصدور نتائجها والتقييم النهائي لها أو اعتمادها من قِبل الهيئات المعنية.

تشهد أروقة المراكز البحثية في أنحاء العالم نشاطاً غير مسبوق، إذ يرعى “معهد باستور” الفرنسي حالياً، مثلًا، أكثر من خمسين مشروعاً بحثياً

من جهة ثانية، شهدت العقود الأخيرة تغيراً جوهرياً في استراتيجية تطوير اللقاحات. فما كان يتم تطويره سابقاً عبر تقديم العامِل المُمرض (pathogen) بعد إضعافه أو تعطيله، أو تصنيع مشابهات له، ثبُتت خطورته على العاملِين على التطوير قبل سواهم في حال فشل عملية التعطيل أو الإضعاف، فضلاً عن احتمال حصول طفرات جديدة تؤدي لفيروسات متحورة أسرع انتشاراً أو أشد إمراضاً من تلك التي ننشد الوقاية منها.

تُعَدُّ هذه الآلية بإنتاج اللقاح أكثر أماناً من سابقتها المعتمدة على فيروسات ميتة أو مضعفة، ليس على متلقي اللقاح فحسب، بل على مطوّريه من باحثين وتقنيين، ما يجعل عملية التصنيع على مقياسٍ كبير أسرع أكثر جدوى، وهو عاملٌ إضافيٌّ يساهم، ولو جزئياً، في تفسير سرعة التطوير والتصنيع التي أضحى على إثرها اليوم 13 لقاحاً ضد فيروس كورونا المستجد قيد الاستعمال، فضلاً عن 79 لقاحاً في مرحلة التطوير السريري، و182 في مرحلة التطوير ما قبل السريري، بحسب آخر تحديث نشرته “منظمة الصحة العالمية” بتاريخ 5 من آذار/مارس 2021، ما يَعِد بتوفير لقاحاتٍ جديدة أو نواة لها في المخزون، أو أقله بسرعةٍ وديناميكيةٍ مقبولتين حيال جائحات أو أوبئة محتملة مستقبلاً.

ماذا يفعل مطوّرو اللقاحات؟

سنشهد في الفترة المقبلة مزاوجةً بين اللقاحات التي باتت متاحة، وذلك بحثاً عن فعاليةٍ أكبر أو استمراريةٍ أكثر لهذه الفعالية، كما سنشهد أشكالًا جديدةً من التعاون ولربما من الاندماج بين الشركات أو الجهات المطوّرة والمنتجة والمسوِّقة من القطاعين العام والخاص على السواء، على حساب المنافسات والاستئثار بالسوق. حتى إنّ اتفاقيات التعاون أو الاندماج التي تستغرق مفاوضاتها عادةً أشهراً أو سنوات، ستغدو ناجزةً على نحوٍ أسرع مما كانت عليه الأمور آنفاً، وليس أول هذه الأشكال من التعاون، ولن يكون آخرها، ذاك المبرم بين شركة “آسترازينيكا” ومعهد “غاماليا” المطوِّر للقاح “سبوتنيك” الروسي، الذي بدأت بفعله مطلعَ العام التجاربُ السريرية لاختبار التآزر بين اللقاحين.

من ناحيةٍ ثانية، تشهد أروقة المراكز البحثية في أنحاء العالم نشاطاً غير مسبوق، وشحذاً للطاقات والإمكانات، إذ يرعى “معهد باستور” الفرنسي حالياً، على سبيل المثال، أكثر من خمسين مشروعاً بحثياً، منفرداً أو على شكل تعاون مع هيئات بحثية وأكاديمية ممتدة على نطاق العالم، منها ما يصبو لفهمٍ أعمق لآليات انتشار الوباء من الحيوانات إلى البشر، وكذلك بين البشر أنفسهم، وبين الخلايا المختلفة لدى الإنسان المصاب، فضلاً عن السعي لمزيدٍ من التطوير لتقنيّات التقصي لناحية حساسيتها ودقتها وتالياً مصداقية نتائجها، وكذلك زيادة سرعتها والخفض من تكلفتها، وعدم حصر التقصي عن الفيروس بالمصابين أو المصابين المحتملين فحسب، بل ليتعداه إلى الكشف عن الفيروس في الهواء، ما سيشكل قفزةً نوعيةً على طريق إمكانية التدخل الوقائي-العلاجي على مستوى نقاط الالتقاء الأولى للفيروس بالإنسان.

ويبقى أحد أبرز التحديات أمام إدخال أي اكتشاف علاجي جديد حيز الاستخدام الواسع – فضلاً عن التمويل – هو القوانين، إذ إن عمليات البحث والتطوير محكومةُ بالقوانين حد التكبيل. ورغم المرونة والسرعة النسبيتين اللتين شهدناهما في هذا الخصوص مع اللقاحات، فلا بد من توسيع المعارف عن المتوفر من علاجات وخصائص كلٍّ منها وطاقتها الكامنة والسعي لإيجاد تطبيقات علاجية جديدة لها.

وفي هذا السياق، لا ينبغي التقليل من أهمية أي بحث، مهما تهيأ للمُطّلع عليه ضيقُ نطاق تطبيقاته. فحتى الأبحاث التي تأتي نتائجها سلبيةً أو دون التوقعات، أو يظهر آنياً عدم جدواها، فإنه من الممكن استخلاص عِبَرٍ منها قد توجه مسار غيرها من الأبحاث وتجنبها الوقوع بالفخاخ عينها.

رهانات المستقبل

إن إحراز إنجاز ملموس يُعوّل عليه على أي من هذه الجبهات لن يكون إلا حصيلة سنواتٍ من البحث الكثيف وسلاسل من تجارب متكررة، دقيقة ومضنية، يحكمها الخطأ والسّرّيّة والكثير من الرهانات. وتسريع الخط الزمني لإنجاز هذه الأبحاث ليس بالأمر السهل، لكن التاريخ زاخر بأمثلة كانت فيها الأزمات وقوداً وقوة دافعة نحو إنجازات ما كانت لتتحقق بهذه الفعالية أو السرعة لولاها، كأساليب العلاج والوقاية المختلفة التي طورت ووضعت قيد الاستخدام إثر مآسي كل من الحربين الأولى والثانية، ولعل أهمها على الإطلاق التصنيع واسع النطاق للمضادات الحيوية.

من جهة ثانية، فإن أي خطأ سيكون تأثيره كارثياً، إذ لن يضع صحة وسلامة الإنسان على المحك فحسب، بل سيزعزع ثقته بالبحث العلميّ ومعطياته ونِتاجه. والشواهدُ على ذلك كثيرة. ولعلّ أبرزها حالات التوحد التي تم ربطها بأحد المكونات المساعدة للقاحات، وهو ما أدى لنشوء معسكرٍ لا يستهان به من المناهضين للتطعيم، بعدما كانت استراتيجية التطعيم قد حققت نجاحاً غير مسبوق بالتخلص الكليّ من الجدري وشلل الأطفال وغيرها من الجوائح على مستوى العالم.

وعليه، فمن الأساسي بقاء الجهات المعنية في حالة تيقظ، وإجراء تحليل مستمر وسريع للمتغيرات، واستشراف السيناريوهات المحتملة والتأهب لمواجهتها، ما يمكّن من اتخاذ قراراتٍ سريعة ذات جدوى، والأهم، عن درايةٍ وبعيداً عن التخبط، لإبقاء الأمور تحت السيطرة.

الحادي عشر من آذار/مارس عام 2020، يومٌ سيذكره العالم جيداً لسنواتٍ، وربما لعقودٍ مقبلة. دروسٌ كثيرةٌ تعلمناها من العام الأول في عمر الوباء، وأخرى مازالت قيدَ التعلّم، لكنها ستبقى دون شك مرجعاً ومنطلقاً لمراجعاتٍ مطولةٍ عميقةٍ وشاملة. وفي حال امتلكنا رؤيةً تحليليةً ونقديةً موضوعية مع القدر الكافي من المرونة ومهارات التكيف مهما تشابكت التعقيدات، فلربما ستستحيل هذه الأزمة، أو غيرُها من الأزمات، شرارةَ انطلاقٍ على طريق الألف ميل نحو إحداثِ تغييرٍ نوعيٍّ في أسلوب وأدوات التعامل مع الكوارث، الصحية منها أو الاجتماعية أو السياسية أو حتى الأخلاقية، والبناءِ على مكامن القوة والنجاح حيث وجدت وتطويرِها بشكلٍ فعّالٍ وصولاً إلى واقع أفضل، أو على الأقل، لا يشبه أياً مما نحن عليه اليوم.

 

من ملف: “عامٌ على الجائحة”

 
×