لا أذكر من الحرب الأهلية سوى قصة واحدة وقعت مطلعَ العام 1990، ونَسَجتُ مشاهدَها في ذهني مُفصّلة؛ أمي تركض بي إلى مستشفى “سيدة لبنان” في جونية، وتطلب من جارنا أن يذهب إلى كاراج والدي ليخبره بأن يلاقيها في الطوارئ.

يقع بيتنا في الوسط بين مرفأ جونية وجبل بكركي، أي بين مدفعية الجيش الرابضة في الثكنة البحرية وبين مدافع “القوّات اللبنانية” المغروزة في الجبل. وقد عمد والدي، تحسباً لشظيةٍ طائشةٍ إسوة بواحدة سبق أن خرقت شبّاك الدار خلال جولات القتال بين قوات جعجع وجيش عون، إلى صفّ أكياس من الرمل أمام شباك الدار لحمايتنا.

في يوم مشمس من العام 1990، كانت المدافع صامتة، فسمحت لنا أمي بالخروج للّعب أمام البيت، بينما جلَست تشرب القهوة مع جارتنا “أم وليد”. رحنا نلعب، أنا وأخي. هو يركض وأنا ألحق به. ولحظة عبوره من أمام أكياس الرمل إلى الجهة الأخرى من الدارة، وفيما كنت أحاول اللحاق به، سقط عليّ أكثر من عشرين كيساً من الرمل كانت قد خلخلتها القذائف.

هرعت أمي لتجد أخي يقف مرعوباً، يراقب عن بُعد، فيما طرف تنورتي البنفسجية تحت أكداس من الرمل. راحت ترفع أكياس الرمل عني، وسحبتني من تحتها. تحسّست نبضي. مازلت على قيد الحياة. سوف أتجاوز العامين من العمر إذاً. مرّرت زجاجة عرق تحت أنفي لإيقاظي. لم تنجح. فحملتني إلى المستشفى حيث أجريت الفحوصات اللازمة وخضعت لعلاج بسيط.

سُرِدَت هذه القصّة أمامي مراراً، وحفظتُها من كثرة ما ردّدها والديَّ كلّما اجتمعوا مع الأقارب والأصدقاء، فباتت مطبوعة في ذهني كما لو كنتُ أذكر تفاصيلها فعلاً، واستخدمتُها أحياناً لأقول إني “عشت شيئاً من مآسي الحرب”، فيما أنا ولدت في سنواتها الأخيرة ولا أذكر من ويلاتها شيئاً، على عكس أهلي وأبناء جيلهم الذين تحفر الحرب في وجدانهم، بمصطلحاتها وخطابها وأحداثها. ما زالوا أسرى لتجاربها، لخوف تعايشوا معه، ولا يتوارعون عن محاولة أسرنا داخله.

كثيرةٌ هي القصص التي نُقلت لنا عن الحرب، سواء من الأقربين أم عبر الإعلام أو مما توافر من كتب ووثائقيات وأفلام، بحجّة أن التذكير بها ضروري كي لا تتكرّر. يعزّز بعض هذه القصص الخوفَ والعداء تجاه الطوائف الأخرى، ويجذّر بعضها العنصرية تجاه الفلسطينيين والسوريين، ويعبّر بعضها الآخر عن أحقاد تراكمت بين مجموعات مُتناحرة داخل الطوائف نفسها.

صحيح أنّ لكلّ حدث روايتين أو أكثر، إلا أن الروايات هذه، على اختلافها، تشكّل بمجموعها سردية واحدة. فالكاسيت نفسه يدور ويدور، يعلك أحياناً، قبل أن يعاود الدوران ليعيد أسباب هذه المآسي إلى المسألة الطائفية.

والطائفية ليست وهماً بطبيعة الحال، فهي متجذّرة، نعيش في دوّامتها منذ عقود أو أكثر، ونتعرّض لما تفرزه من مآسي مُتكرّرة، لكنّها في الحقيقة ناجمة عن تكرار سردية واحدة تعزّزها سياسات الهوية، فأصبحت معها الطوائف أشبه بأكياس رمل تحمي النظام، فيما تُغفل أسباب الصراع الحقيقي، القائم دوماً بين فئة تستَغِل وأخرى تُستَغل، بحيث تعمد الأولى إلى توظيف الوسائل والأدوات المُتاحة لتأبيد سيطرتها والحفاظ على مصالحها.

قبل اندلاع الحرب بسنوات، برزت قوّة مناهضة للنظام في لبنان – على يساره – تعبّر عن وعي لحقيقة الصراع الطبقي

طوال مراهقتي، كما غالبية أبناء جيلي، عشت في ظلّ نظام أنتجته هذه الحرب، يقوم على تعزيز سياسات الهوية ويتنكّر للمصالح التي تحكم المجتمع وعلاقات الاستغلال القائمة بين طبقاته. وهو ما أمّن استدامة مصالح الفئة المُستغلِة وراكم ثرواتها وأرباحها، فيما الفئة التي تتعرّض للاستغلال تعيش أسيرة خوف على هوية مُتخيّلة، علماً بأن وجودها الفعلي، أي مصالحها وطرائق عيشها تتضرّر باستمرار، وحقوقها اليوم مهدّدة بالتبدّد. يكفي إجراء معاينة صغيرة لتركيبة كلّ من الفئة المُستغِلة وتلك التي تتعرّض للاستغلال، لنجد أن الاثنتين تضمّان أفراداً من الطوائف كافة.

لقد استحوذ هذا النظام على الأدوات اللازمة كافة لترسيخ سلطته، أي الدولة والمال والاقتصاد والعسكر والثقافة والفن والتربية والإعلام والدين، واستفاد مما أنتجته حربه من فرز ديموغرافي هجّر أفراداً من مناطق مختلطة إلى أخرى متجانسة طائفياً، بحيث طُيِّفت الوظائف والإدارات والخدمات والقطاعات الاقتصادية، وفُرزت الجامعة الوطنية طائفياً، وألغيت الحدائق ومساحات الالتقاء العامة، وباتت كلّ مجموعة تعيش في فقاعتها المستقلّة في حالة دفاعية عدائية مستمرّة، تشحذ حقوقها من زعيم القبيلة الطائفية، وتورّث أبناءها الخوف نفسه، فيعبّرون عنه بمزيد من الاندماج في النظام، كما لو كانوا وقوداً يؤمّن استدامة عمل محرّكاته، وبالتالي دوراننا في حلقة مُفرغة حيث تعيش الغالبية الخوف والقلق فتتخلّى عن مصالحها طوعاً، فيما تتاجر الأقلية بالخوف والقلق لتحافظ على استدامة مصالحها ومراكمتها.

لقد قامت الحرب اللبنانية في محاولة لتغيير موازين القوى القائمة وإرساء موازين قوى جديدة، بعدما تأسّس هذا البلد ووضعت حدوده بما يضمن مصالح الفئة المُستغِلة. وقد أشار العديد من الوثائق، وأبرزها دراسة بعثة “إيرفد” الفرنسية في الستينيات، عن عمق اللامساواة القائمة بين السكان، واستحواذ قلّة من المقيمين على غالبية موارد هذا البلد ومقدّراته.، محذّرة من انفجار اجتماعي حتميّ.

قبل اندلاع الحرب بسنوات، برزت قوّة مناهضة للنظام في لبنان – على يساره – تعبّر عن وعي لحقيقة الصراع الطبقي، وتألّفت قاعدتها الشعبية من أرمن وسنة منتشرين في ضواحي بيروت، حيث بنيت المصانع التي تستغل الفقراء واللاجئين، وموارنة وشيعة من الجرود والأطراف حيث ينعدم الإنماء، وخيضت جولات من الصراع لانتزاع حقوق. وقد تميّزت السنوات السابقة للحرب بحراك طالبي وعمّالي نشط في مواجهة سيطرة ما درج على تسميتها بـ”الطغمة الحاكمة”، قبل الدخول في مغامرة الحرب التي هدفت في سنتيها الأولتين إلى قلب ميزان القوى، وبالتالي فرز نظام جديد يكرّس حقوق الفئة التي تجذّرت عملية استغلالها، وتضمّ فقراء ولاجئين من الطوائف كافة، على أن ترعاه دولة تحمي هذه الحقوق.

لكن سرعان ما ابتلع الصراعَ الداخلي لاعبون إقليميون ودوليون، فانحرف عن مساره، وخاضت أطرافه جولات من الحرب العبثية انتهت بفرز نظام قائم على تحالفٍ بين سلطتين: الميليشيات الطائفية والمال، ورعاه شكلُ الدولة الذي أمّن حماية مصالح الأقوى في الطوائف. ولم تُعالَج المشكلات الناجمة عن تجذير اللامساواة والاستغلال، والتي كانت من أسباب الحرب نفسها، بل تفاقمت وصولاً إلى انفجار النظام وتداعيه في تشرين الأول/أكتوبر 2019، بحكم تعطّل بعض محرّكات عمله القائمة على التوزيع والزبائنية عبر أدوات الدولة، إنّما مع محافظته على قوى شحنه الطائفية.

مع انهيار هذا النظام، نقف اليوم في قلب صراع وجودي نحاول فيه وقف انحدارنا إلى مستويات أعمق من اللامساواة والاستغلال وانعدام الحقوق. والصراع في ظلّ هذا الانهيار حتمية تاريخية، فيه مساعٍ للحفاظ على مصالح تتداعى وأخرى لاكتساب مصالح جديدة.

وبمعزل عن الشكل الذي قد يأخذه الصراع، فإن التحدّي أمام القوى التقدّمية الذي قد يحسم نتيجته وطبيعة النظام الذي قد يفرزه وشكل الدولة التي تحميه، يتمثّل بالدفع نحو الخروج من فقاعات الخوف الهوياتية، واستبدالها بمنطق طبقي، تبنى على أساسه موازين القوى القادرة على تكريس مصالح الغالبية في النظام الجديد، الذي لا بدّ أن أن يأتي يوم ويُبنى، وأن يُرافقه شكل جديد للدولة كأداة ترعاه.

 

من ملف “لبنان: حربٌ لم تنته”

 
×