تحتلّ مفردةُ “الجهاد” اليوم مكانةً متقدّمة في قائمة المفردات المثيرة للرعب. وبرغمَ أنّ المعنى المهيمن على المفردة منذ قرون طويلة هو معنى مرتبط بالقتال، فإن المعنى اللّغوي الأصلي للجذر الذي اشتُقّت منه المُفردة يرتبط بصورة أساسيّة بالمشقّة والتّعب.

إنّ البحث في معاجم اللغة العربيّة عن مفردة “الجهاد” وما يدور في فلكها من كلمات (مُجاهِد، جاهَد، مُجاهَدة) سيضعنا وجهًا لوجه أمام حقيقة هيمنة المعنى “الشّرعي” للكلمة على أذهان معظم اللغويين العرب من واضعي المعاجم. فبالإضافة إلى ورود المعنى اللّغوي البِكر في بعض تلك المعاجم (عند ابن فارس في “معجم مقاييس الّلغة”، وابن منظور في “لسان العرب”، والزّبيدي في “تاج العروس من جواهر القاموس” الجهاد هو: المُبالغةُ واستفراغُ ما في الوِسعِ والطّاقة من قول أو فعل)، يرضخُ المعجميّون بمعظمهم للمجاز “الشّرعي” للمفردة (في “لسان العرب” أنّ “الجهاد لمحاربة الأعداء” و”جاهد العدو مجاهدة وجهادًا: قاتله، وجاهد في سبيل الله”).

يؤكد محمود محمّد أحمد في كتابه “تطوّر مفهوم الجهاد: دراسة في الفكر الإسلامي المعاصر” أنّ مصطلح “الجهاد” لم يرد في الآثار الجاهليّة، ويستدلّ بذلك على أنّه ابتكار قرآنيّ. وبرغم التّسليم بقرآنيّة المفردة، فإنّ السياقات القرآنيّة التي ورد فيها ذكر “الجهاد” لم ترتبط بأكملها بالمفهوم القتالي. يوضح الكاتب أنّ “الجهاد” بقي في جميع الآيات القرآنيّة “محتفظًا بأصل معناه المتضمّن لبذل الطاقة والمشقّة، إلا أنّه أضاف إليه معنىً آخر عبر الشّبكة الدّلاليّة التي يُشكّلها مع المفاهيم القرآنيّة الأخرى”، ويبحث مطوّلًا في المفردة ومواضع ورودها في النص القرآني (وردت هي ومشتقّاتها 34 مرة) ليخلُص إلى أنّ “حمل الجهاد على القتال في جميع الآيات التي ورد فيها ذكره غير ممكن، إذ هناك آياتٌ يصعب على الدّارس تخصيص مفهوم الجهاد فيها، أما التي توجد إمكانيّة حملها على القتال فيحتاج الدّارس فيها دائماً إلى قرينة صارفة، مع بقاء احتمال كون المفهوم العام مُرادًا”.

كانَ حريًّا بورود المصطلح في مواضع قرآنيّة لا علاقة لها بالقتال أن يحولَ بين اللغويين وبين قصر معاني المفردة على المعنى الحربي السّائد. غيرَ أنّنا نجد أنفسَنا أمام ظاهرة لغويّة (ليست نادرة في العربيّة) تمكنُ تسميتُها “انزياحَ الانزياح”، إذ أدّى انزياح المفردة عن معناها الأصليّ في المرة الأولى (الانزياح القرآني) إلى تضمين “القتالَ” في قائمة الدلالات المجازيّة، فيما أسهمت الانزياحات المتتالية في إخراج بقيّة الدّلالات من التّداول، وقصر استخدام مفردة “الجِهاد” على المعنى القتالي. وعلاوة على مسؤولية اللغويين واضعي المعاجم، تبرز مسؤوليّة أخرى تُلقى هنا على عاتق الفُقهاء. إنّ استخدام المفردة في بعض النصوص القرآنية وبعض الأحاديث النّبويّة حاملةً لمعانٍ غير قتاليّة، لم يُشكّل حائلًا بين الفقهاء وبين تصدير المعنى القتالي دونَ سواه. يرى محمود محمد أحمد أنّ “فقهاء المذاهب الأربعة أخذوا مفهوم الجهاد من السنّة النّبويّة، واستثمروا الوجه القتاليّ من المفهوم، إلى الحدّ الذي أصبح فيه مفهوم الجهاد في مصنّفات الفقهاء مساويًا ومُطابقًا للقتال”.

هكذا؛ استقرّ في الوعي الجمعيّ ارتباط مفردة “الجهاد” بـ”مُقاتلة الكفّار” ارتباطًا شبه كلّي.

عدد الكتب والفتاوى التي خُصّصت لتكفير الدولة العثمانيّة ليس سوى انعكاس لحجم الاهتمام الوهابيّ بانتهاكِ هالة الخليفة/ الحاكم بأمر الله

لقد كانت الدعوات إلى الجهاد عبر التاريخ وسيلةً تعبويّة أساسيّة يلجأ إليها الحاكم/ الخليفة/ أمير المؤمنين، كلّما استشعرَ حاجةً إلى حشد الجموع لخوض معركةٍ ما. ولعب تماهي الشكل السياسي للدول الإسلامية المتتالية مع مفهوم “الحكم بأمر الله” دورًا مركزيًّا في تعزيز مكانة “الدّعوة إلى الجهاد” في الوعي الجمعي عبر التاريخ، وحتى حين كان القتال يأخذُ شكل اقتتال بين جماعتين مسلمتين فإنّ زعيم كلّ من الجماعتين كان يدعو إلى خوض القتال تحت شعار “الجهاد”.

“الجهاد ضدّ الجهاد”

يحفلُ التاريخ باقتتالات وحروبٍ طاحنةٍ داخل “البيت الإسلامي الواحد”. من بين تلك الاقتتالات ما ترك آثاره على “الجهاد” حتى اليوم، مثل الخلاف بين الوهابيين والعثمانيين، وما وُلد من عباءته.

لعب صعود الدعوة الوهابيّة دورًا في إضعاف “الرمزيّة الدينيّة” للسلاطين العثمانيين في المنطقة العربيّة، بعدما بذل الوهابيون جهدًا كبيرًا في تكفير السلاطين، وتحريم موالاتهم. يرى أحمد المسلماني في كتابه “الجهاد ضدّ الجهاد” أنّ “الأحكام القاسية على الدولة العثمانيّة وعقيدتها الإسلاميّة تشمل كلّ التيار السلفي/ الوهابي، وقطاعات واسعة من التيّار السّلفي العام”. ويشير المسلماني إلى أنّ السّلفيين من أنصار محمد ابن عبد الوهاب “كانوا يطلقون على جيش الدولة العثمانيّة “جنود الشرك والقباب”، ولمّا دخل الجيش العثماني الجزيرة العربيّة قالوا: جاء التّرك بالشرك… إلخ”.

إنّ عدد الكتب والفتاوى التي خُصّصت في تلك الحقبة لتكفير الدولة العثمانيّة ليس سوى انعكاس لحجم الاهتمام الوهابيّ بانتهاكِ هالة الخليفة/ الحاكم بأمر الله، وتقويض السّلطة الدينيّة للعثمانيّين، وانتزاعها منهم عبر تكفيرهم وشرعنة الجهاد ضدّهم في استخدام عكسي لسلاح “الشرعية الدينية” الذي استخدمه العثمانيون قبل ذلك.

ما تقدّم لا يعني في حال من الأحوال محاولة تقديم حكمٍ في الخلاف التاريخي بين الوهابيّة والعثمانيّة، بقدر ما هي محاولة لتسليط الضّوء على واحدة من الظواهر البارزة في سيرورة “الجهاد” بوصفه أداة سياسيّة، ولا يزال استخدامها بالطريقة ذاتها مستمرًّا حتى اليوم.

لقد سبق العثمانيون الوهابيّين إلى استخدام “الدعوة إلى الجهاد” غطاءً “شرعيًّا” لتحقيق مآرب سياسيّة وعسكريّة واقتصاديّة بطبيعة الحال، ومن دون أن يكونوا سبّاقين في هذا المجال بدورهم، فكل “الحروب المقدسة” التي خاضتها الدول الإسلامية المتتالية قامت على أكتاف “الجهاد”، فضلًا عن أن معظم الاحترابات التي اندلعت بين المسلمين أنفسهم قامت على نماذج مشابهة، عبر تجيير الدّعاة والخطباء لتكفير الآخر، أو الحكم بردّته، ومن ثمّ الدعوة إلى “الجهاد” ضدّه، وهو نهجٌ استمرّ حتى عصرنا الراهن، وأحدث تجليّاته ما شهدته الحرب السّورية من معارك طاحنة بين مختلف الجماعات “الجهاديّة”.

إنّ جزءًا لا يُستهان به من الاقتتالات الداخليّة في صفوف “الجهاديين” في سوريا هو امتداد بشكل أو بآخر للخلافات التاريخية بين “جهاد” و”جهاد مضاد”، برغمَ أنّه أخذ يعبّر عن نفسه في صوَرٍ مختلفة بعدما تغيّر شكلُ المنطقة، وفرضت العلاقات السياسيّة (بمعناها الاصطلاحيّ) نفسها على الحكّام والأنظمة، ولم يعُد “الحكم بأمر الله” طرحًا حاضرًا في السّلوك العلنيّ للدّول، ولا عادت “دعوات الجهاد” صالحةً للاستثمار في شنّ حروبٍ بين الأقطار والبلدان، غيرَ أنّ هذا التغيّر الذي يُعتبرُ طارئًا في تاريخ المنطقة (بدأت تجليّاتُه مع انهيار الدّولة العثمانيّة، ثمّ أخذ في التّبلور بعد نهاية الحرب العالميّة الثّانية) لم يؤدّ إلى اندثار فكرة “الجهاد” بمفهومها الفقهي، وعلى العكس من ذلك أجادَ “الجهاديّون” المعاصرون اللّعب على هذا الوتر لينصّبوا أنفسهم ورثةً شرعيّين مسؤولين عن “إحياء الفريضة الغائبة”. كان هذا التحوّل هو الشّرارة الحقيقيّة لولادة “الجهاديّة” بشكلها الرّاهن، ومُنطلق الحركات والتّنظيمات التي تكاثرت بصورة هائلة في خلال مسيرة لا يتجاوز عمرُها نصف قرنٍ من الزّمان.

“الجهاد الباطل”

يقرّر أبو مصعب السوري في كتابه الضّخم “دعوة المقاومة الإسلاميّة العالميّة” أنّ ولادة “الصّحوة الإسلاميّة تعود إلى العام 1930”. أعطت تلك “الصّحوة” الجهاد أولويةً كبيرة، وسعَت إلى “إعادة الاعتبار” له، وعملت على قرن المفردة من جديد بالقتال وحده والالتفاف على محاولاتٍ قام بها في مراحل سابقة عدد من المُصلحين لإعادة تعريف الجهاد، وتفسير وروده في النص القرآنيّ وفقَ مستوياتٍ عدّة ليس القتال سوى أحدها. وستثبت الأحداث المتتالية لاحقًا أنّ جهود “تيّار الصحوة” أفلحت في تقويض جهود المصلحين و”جهادهم الباطل”. كان من أبرز أولئك المُصلحين محمّد عبده الذي حاول أن يعود إلى الجذر اللّغوي السّابق على النصّ القرآني لمفردة “الجهاد”، وأن يوائم بينهما. ونراه يحاول إخراج الجهاد من إطاره الفقهي وإعطاءه معنىً أعم، عبر القول إن “الجهاد في القرآن والسنّة يُستعمل بمعناه اللّغوي وهو احتمال المشقّة في مكافحة الشّدائد”.

يُعرّف عبده الجهاد كما ورد في الآية 218 من سورة البقرة بالقول إن “المجاهَدة هي من الجهد وهو المشقة، وليس لفظ الجهاد خاصًا بالقتال؛ فالمؤمنون الذين هاجروا مع الرسول أو هاجروا إليه للقيام بنصرة الحق، والذين بذلوا جهدهم في مقاواة الكفار ومقاومتهم هم الذين يرجون رحمة الله تعالى وإحسانه”. ويرى أن الجهاد بالنفس، بمعنى القتال، أو الجهاد بالمال، لم يشرّعه الله للمسلمين إلا “للدفاع عن الحق وأهله وحماية الدعوة ونشرها”، الأمر الذي يبطل في نظره “ما يهذي به أعداء الإسلام، وحتى من المنتمين إليه، من زعمهم أن الإسلام قام بالسيف”. لم يحاول عبده إقصاء الجهاد بمعناه القتالي من المفاهيم الإسلاميّة، لكنّه حاول التأكيد على أنّه كان قتالًا دفاعيًّا فحسب. فالمشركون “كانوا يبدؤون المسلمين بالقتال من أجل إرجاعهم عن دينهم، بحيث كان قتال النبي مدافعة عن الحق وأهله وحماية لدعوة الحق”.

إذا سألت اليوم أي مرجعيّة “جهاديّة” عن المجاهدين، فهو لن يشيرَ إلى عمر المختار الذي عُرف بلقب “شيخ المجاهدين”، ولا إلى عزّ الدين القسّام أو سلطان باشا الأطرش

لم يكن محمد عبده وحده من تناول الجهاد من هذا المنظور، فها هو محمد رشيد رضا على سبيل المثال يعرّف الجهاد بأنّه “عبارة عن احتمال الجهد والمشقة في مقاومة خصم أو عدو، فلا يدخل في معناه حرب من لا يحارب، وقتلُ من لا يقاتل”.

جوبهت الرؤيا الإصلاحية لموضوعة الجهاد برفض كليّ من منظّري الجهاد، بل إن هؤلاء المنظرين اتهموا الإصلاحيين من مثل عبده، ورضا، وجمال الدين الأفغاني بـ”العمالة والانحلال والفساد”. وعُدّت مؤلفات الإصلاحيين برأي مُنظري الجهاد كتبًا مُفسدة للدين، ونماذج من الانحلال الفكري الناجم عن ضغط الغرب أو التبعية له، يقول أبو مصعب السّوري “لا أشك أن تفسير محمد عبده للقرآن والذي نقله تلميذه محمد رضا يدل على الهزيمة الروحية أمام ضغط الغرب الجاثم على صدور المسلمين واستحياء من المستشرقين”.

ثمّة صنفٌ ثانٍ من “الجهاد” لم يحظَ بديمومةٍ مماثلةٍ لتلك التي حصّلها الجهاديون المعاصرون بمختلف حركاتهم، وهو “الجهاد الوطني”. وإذا سألت اليوم أي مرجعيّة “جهاديّة” أو أي “جهادي” عادي عن أبرز قادة الجهاد في القرن العشرين، فهو حتمًا لن يشيرَ إلى عمر المختار الذي عُرف في وقته بلقب “شيخ المجاهدين”، ولا إلى عزّ الدين القسّام، أو صالح العلي، أو سلطان باشا الأطرش، أو إبراهيم هنانو. وبرغم أنّ كلًّا من هؤلاء كان قد حمل لقب “مجاهد” في نضالاتهم المختلفة، فإنَ جهادهم يُعدّ من وجهة نظر رموز الجهاديّة السّائدة “جهادًا باطلًا”، والعلّة في ذلك أنه “جهاد وطني (أو قومي)” وهو أدنى من أن يُصنّف جهادًا، لأنّه “في سبيل الأوطان” وليس “في سبيل الله”.

أجريتُ قبل أعوام تجربةً عمليّة في هذا الشأن: كنت قد استطعت الانضمام إلى مجموعة مغلقة عبر أحد مواقع التّواصل الاجتماعيّ، وكانت تضم عددًا من “الجهاديين”، ومن بينهم منخرطون في السّاحة العسكريّة (قتالًا أو بصفة إعلاميين). دأب أفراد المجموعة في شهر رمضان على فتح محادثات ليليّة سمّوها “جلسات مذاكرة” تُخصص لذكر الله والسّيرة النّبويّة وأحاديث قادة “الجهاديين” ورموزهم، وفي بعض الأحيان تتطرّق إلى وقائع ومجريات السّاحة السوريّة. في إحدى الليالي طرحتُ اسم عمر المختار في إطار حديث عن رموز المجاهدين العرب، وألحقتُ الاسم بلقب “شيخ المجاهدين”. سبعةٌ من بين أفراد المجموعة (عددهم الكليّ 22) تساءلوا بجدّيّة تامّة عن هويّة عمر المختار ومن يكون، فيما بدا لي أنّ خمسة آخرين على الأقل لا يعرفون عنه شيئًا لكنّهم أحجموا عن البوح بذلك. أما الآخرون فعاجلوني بردود فعلٍ راوحت بين الهجوم العنيف، وبين الدّعاء لي بالهداية، وبين النّصح بضرورة توسعة مداركي وعدم الخلط بين المجاهدين الحقيقيّين وبين مُدّعي الجهاد.

بطبيعة الحال لم يؤسس هؤلاء آراءهم على اجتهادات شخصية، فالأمثلة عن رأي رموز الجهاديّة اليوم في هذا الأمر كثيرة، فهذا أبو قتادة الفلسطيني يقول “الذين يريدون رفع راية بلادهم القطرية جهلةٌ واهمون، الجهاد قام من أجل حكم الله لا من أجل راياتهم الجاهليّة”، وبدوره يؤكّد أبو مصعب السوري وجوب “التّفريق الهام بين الجماعات المجاهدة أو الجهاديّة، وبين تلك التّنظيمات التي تحمل السلاح تجاه مختلف أشكال أعداء الأمة، ولكن ليس جهادًا في سبيل الله وليس لإعلاء كلمة الله، أو أداء لفريضة الجهاد بقصد الواجب الّديني كعبادة، وإنّما لدوافع مختلفة قد تكون “وطنيّة تحرّريّة”، أو لدوافع “سياسيّة” ضد حكومات دكتاتوريّة من أجل تبديل النّظام اللّادينيّ القائم، وإقامة نظامٍ لا دينيٍّ آخر يقوم على مبادئ القوميّة أو الوطنيّة أو الديمقراطيّة أو الاشتراكيّة أو الشّيوعيّة، أو سوى ذلك من المذاهب السياسيّة والفكريّة العلمانيّة المعاصرة، فهذه الأخيرة منظمات نضاليّة أو كفاحيّة وليست مجاهدةً ولا جهاديّة”.

سارع المنظّرون الأوائل للجهاد المعاصر إلى الاعتصام بفكرة أساسيّة هي “إعادة إحياء الخلافة” وخلاصًا من “بدع الدولة المدنية والديمقراطية”

كابوس الدّولة المدنيّة

كان الخوف من استشراء “وباء الدّولة المدنيّة” أحد أهم العوامل المحرّضة على ولادة التّيّارات الجهاديّة في القرن العشرين. عُدّ سقوط “الخلافة العثمانيّة” (العام 1922) بمثابة “كارثةٍ لحقت بالأمّة الإسلاميّة” خاصة أنّ سقوطها جاء مخالفًا لسقوط كلّ الخلافات التي سبقتها، فلم تنتقل الرّاية إلى خلافة جديدة، وبرغم كل الويلات التي عانتها شعوب المنطقة فترة الدولة العثمانيّة، فإنّ فكرة غياب “الحاكم بأمر الله” وزوال الدولة الدينيّة “الإسلاميّة الكبرى” بدت أكبر من طاقة شرائح واسعة على استيعابها.

إنّ هذه الظاهرة تستحق بدورها بحثًا مطوّلًا يحاول الغوص في بنية المجتمعات العربيّة وتحوّلاتها منذ إقامة الدولة الإسلاميّة وحتى سقوط الدولة العثمانيّة. لقد أفرزت هيمنة طبقة رجال الدين، وحرص الأنظمة الإسلاميّة السياسيّة (المقصود هنا أنظمة الخلافات بمسمّياتها المختلفة) على تعزيز تلك الهيمنة واستثمارها، نوعًا من التطويب لإسلاميّة الدولة والحكم بأمر الله، حتّى ليخيّل إلى الباحث أنّ المجتمعات العربيّة على امتداد تلك القرون كانت مستعدّة لتقبّل أي شيء ما دامت راية الخلافة حاضرة، وأيًّا كانت هويّة الخليفة أو كان انتماؤه القبلي أو العرقي. (برغم أنّ كل التيارات الإسلاميّة (بما فيها الجهادي) تؤكّد أن الإسلام يقوم على المساواة بين البشر وعلى أنّه “لا فضل لعربيّ على أعجمي إلا بالتقوى” فإنها تصرّ على أنّ أي “خليفة” تبايعه الأمة حتى قيام الساعة يجب أن يكون قرشيًّا! ويستند المنظّرون في ذلك إلى أحاديث عدّة يقول أحدها “الأئمّة من قريش”، وآخر يقول “لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان”، وقد ضعّف البعض تلك الأحاديث وعدّوها من المنحولات).

في هذه السّاحة تحديدًا لعب المنظّرون الأوائل للجهاد المعاصر، وسارعوا إلى الاعتصام بفكرة أساسيّة هي “إعادة إحياء الخلافة” بوصفها رمزًا لبعث الأمّة وخلاصًا من “بدع الدولة المدنية والديمقراطية”، وأيّ سبيلٍ أجدى من “الجهاد” لتحقيق تلك الغاية؟ وحتى اليوم لم تُتح الفرصة للمنطقة العربيّة لتجريب الدولة المدنيّة بمعناها الديمقراطي، فقد استُتبع سقوط الدولة العثمانيّة باحتلال أجنبي مختلف الجنسيّات مباشرٍ حينًا وتحت مسمّى “الانتداب” حينًا آخر، قبل أن تدخل بعض دول المنطقة (ولا سيّما العربيّة) مرحلةً من الفوضى بعد الاستقلالات، ويفرضَ نمط “الدولة البوليسيّة” نفسه آخر الأمر. والحال أنّ الدكتاتوريّة لا تصلحُ على الإطلاق لتكونَ بديلًا عن الاستبداد الدّيني، وربّما كان هذا التفصيل أحد أهم عوامل رواج الفكر “الجهادي” وازدهاره، لا سيّما في ظلّ تراكم المظلوميّات، وتردّي الحال الاقتصادي للعامّة، واستشراء الفساد، وهيمنة النّمط المافيوزي على اقتصاديات دول المنطقة.

 
×