Image Credit: Anas Alkharboutli/Getty Images

تبدو الملامحُ الأساسية لعموم المستقبل السوري وثيقةَ الصلة بما ستؤول إليه التهديدات التركية المستمرة بعدوانٍ عسكري جديد شمال البلاد. لا تنبع هذه الفرضية من فراغ، بل تستند إلى تزاحم أجهزة الاستخبارات والتنظيمات المتواجدة في المنطقة، وتضارب المصالح الإقليمية فيها وتشابكها.

وبرغم احتلال الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران صدارة التأثير في المشهد، إلا أن الأمر لا يقتصر على تلك الدول، بل إن دولًا عدة تحتفظ بحضور في الشمال السوري – وإن كان بنسب متفاوتة – مثل فرنسا وبلجيكا والنمسا وبريطانيا وقطر والسعودية والإمارات والعراق. ولعلّ التوصيف الذي يتداوله أهالي المنطقة من باب التندّر يختصر الكثير: “نحن نستضيف كأس العالم العسكرية والاستخباراتية”.

غير أن الشمال السوري، برغم هذا التزاحم، عرف حالة “ستاتيكو” استمرت لأكثر من عامين، تحديدًا عقب انتهاء عملية “نبع السلام” التي مكّنت تركيا من احتلال رأس العين وتل أبيض أواخر 2019، والتي تلتها معارك الطلحية – سراقب أوائل 2020، التي سمحت بدورها للجيش السوري من إعادة فرض سيطرته على مناطق عديدة في ريف إدلب.

لكن يبدو اليوم أن الوضع الحالي مرشحٌ للتبدّل مع تسارع الأحداث السياسية والعسكرية، ولا يبدو أن للمصادفة دورًا في تزامن تلك الأحداث مع الحرب الروسية – الأوكرانية.

تظهر بداية التبدّلات في عقد أكبر الاحتفالات في “الذكرى الحادية عشرة للثورة السورية” في الرقة والقامشلي، الخاضعتين لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية (قسد)”، مع رفع “علم الثورة السورية”. وللمفارقة، فإن العلم ذاك هو ذاته الذي رفعته فصائل “الجيش الوطني” المعارض أثناء مشاركتها الجيش التركي في اقتحام عفرين وتل أبيض ورأس العين. وهو أيضًا العلم نفسه الذي كانت “قسد” وأجهزتها الأمنية في ما مضى تعتقل كلّ من يرفعه!

ويعكس التخندق السياسي في الشمال السوري الوقائع الجارية على الأرض. ففي إدلب، تعمل “هيئة تحرير الشام” على حفر خندق يفصل مناطق سيطرتها عن مناطق سيطرة فصائل “الجيش الوطني” في ريف حلب الشمالي. وفي الوقت ذاته، تقوم تركيا، بمساعدة من بعض فصائل “الجيش الوطني”، بحفر خندقٍ يفصل مناطق عملية “درع الفرات” عن المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية في ريف حلب الشرقي (تادف) بمحاذاة الأوتوستراد الدولي M4 الذي يربط الحسكة مع حلب واللاذقية. من جهتها، تستمر “قسد” بحفر الأنفاق والخنادق في مناطق سيطرتها المحاذية لخطوط الجبهة مع فصائل “الجيش الوطني” في منطقة عملية “نبع السلام”.

وفي الآونة الأخيرة، نشرت وسائل إعلام تركية مقرّبة من “حزب العدالة والتنمية” تقارير عن لقاءات بين مسؤولين أتراك وسوريين اتّسمت بـ”الإيجابية لجهة التأسيس لعودة الاتصالات والعلاقات”، ما استدعى ردًا من الخارجية السورية التي كذّبت التقارير تلك واصفة إياها بالتلفيقات. وتحدّث وزير الخارجية السوري فيصل المقداد، في تصريحات للإعلام الرسمي السوري، عن شروط يجب أن تسبق أيّ حوار مباشر مع أنقرة، “أولها انسحابٌ تركيٌ كامل من سوريا، أو استعدادٌ تركي للانسحاب أو تحقيق انسحاب جزئي قبل الحوار، وثانيها وقفُ دعم تركيا للمجموعات المسلّحة، وثالثها وقف تركيا محاولاتها لمنع تدفق مياه نهر الفرات”.

قد تستطيع واشنطن الاستفادة من الحليفين، الاستراتيجي والتكتيكي، عبر ضخ الدماء في شرايين المفاوضات المتوقّفة بين أنقرة و”حزب العمال الكردستاني”

وما إن وصل إلى مسامع أنقرة الردّ الرسمي السوري على التسريبات التركية، حتى سارع الرئيس التركي بالإعلان عن “مشروع لإعادة مليون لاجئ سوري من المقيمين في تركيا إلى الأراضي السورية بشكل طوعي”، وحدد وجهاتٍ بعينها ضمّت أعزاز والباب وجرابلس وتل أبيض ورأس العين. والمثير للانتباه أن الأماكن تلك التي سمّاها أردوغان، ذُكرت في البيان الصادر في 13 أيار/مايو عن “مكتب مراقبة الأصول” في وزارة الخزانة الأميركية، المتضمن “إجازة أعمال المؤسسات الراغبة في العمل بمجالات الصناعة والتجارة والطاقة والتعليم والبناء والصحة في الشمال السوري”، مع استثناء إدلب الخاضعة لسيطرة “تحرير الشام”، وعفرين التي احتلتها تركيا في آذار/مارس 2018.

البيان الأميركي، وإن بدا مجرد إجراء تقني قانوني، يرسم بشكل أو بآخر خريطة جيوسياسية. وإذا ما استعرضنا المناطق التي لحظها البيان، بدءًا بأقصى شمال شرقي سوريا حيث المناطق الخاضعة لسيطرة “قسد”، مرورًا بمنطقة “نبع السلام” الخاضعة للاحتلال التركي (تل أبيض ورأس العين)، فعين العرب / كوباني التي تسيطر عليها “قسد”، وصولًا إلى مناطق “درع الفرات” الواقعة تحت الاحتلال التركي (جرابلس والباب والراعي) في ريف حلب الشمالي، لوجدنا أن المشترك بين تلك المناطق هو تواجد أعلام دولتين منتميتين إلى “حلف شمال الأطلسي” (الناتو): الولايات المتحدة التي تدعم “قسد”، وتركيا التي تدعم فصائل “الجيش الوطني”.

وبالتالي، فإذا ما اعتبرنا تلك الأراضي “منطقة الناتو في الشمال السوري”، تمكّنّا من فهم أحد أسباب تفضيل واشنطن إعطاء الأولويّة لحليف إقليمي استراتيجي كتركيا، على حساب حليف عسكري تكتيكي هو “قسد”. وبرغم رجحان كفّة تركيا بلا شك بالقياس مع قوّة “قسد”، فإنّ  الولايات المتحدة قد تستطيع الاستفادة من الحليفين، الاستراتيجي والتكتيكي، عبر ضخ الدماء في شرايين المفاوضات المتوقّفة بين أنقرة و”حزب العمال الكردستاني” منذ أكثر من سبعة أعوام، ولكن من بوابة الشمال السوري هذه المرة.

وفي الواقع، إذا ما كُتبت لهذا المشروع الحياة، فقد نشهد أحداثًا خارجة عن المألوف: تركيًا، قد يُترجم توافق بين إردوغان والكرد في صناديق انتخابات 2023، وهو ما يسمح بتحرير إردوغان من تحالفه مع “الحركة القومية” التركية من جهة، وبوقف الارتفاع في شعبية أحزاب المعارضة التركية كـ”حزب الشعب” والأحزاب التي شكلها رفاق إردوغان القدامى، المنشقون عن “العدالة والتنمية”. وقد يقوم إردوغان – في بادرة حسن نية – بالإفراج عن زعيم “حزب العمال الكردستاني”، عبد الله أوجلان، المعتقل في جزيرة إيمرلي منذ العام 1999، ويضعه تحت شكل من أشكال الإقامة الجبرية.

أما في سوريا ذاتها، فمن الممكن إنشاء نظام في مناطق نفوذ دول “الناتو” بغرض إدارة شؤون الشمال السوري بأسلوب الأقاليم أو “الكانتونات”. وسيسهّل حصول اتفاق بين الأحزاب الكردية (“الديموقراطي” و”العمال” و”الاتحاد الوطني”) في كردستان العراق التوافق بين الأحزاب الكردية السورية، بما يمكّن “الحزب الديمقراطي الكردستاني” من تأدية دور فاعل في المناطق الحدودية السورية – التركية.

غير أن فرص تحقّق هذا السيناريو، أو بعضه، تظلّ غامضة، في ظل فشل محاولات سابقة لعقد صفقة تاريخية بين حليفي واشنطن الاستراتيجي والتكتيكي، خصوصًا أن الرئيس التركي انتقل مسرعًا إلى طرح جديد، ليعلن في 23 أيار/مايو أن بلاده ستطلق حملة عسكرية لاستكمال الجزء المتبقي من من “إنشاء مناطق آمنة” داخل الأراضي السورية بعمق 30 كيلومترًا على طول الحدود.

وكان “مجلس الأمن القومي” التركي قد أصدر بيانًا في 27 أيار/مايو ورد فيه أن “العمليات القائمة حاليًا أو التي سيتم تنفيذها لتطهير الحدود الجنوبية من خطر الإرهاب لا تستهدف بأي حال من الأحوال سلامة أراضي وسيادة جيراننا، بل هي من ضرورات احتياجات الأمن القومي”. وقد ترك البيان الباب مشرعًا أمام احتمالات عدّة، من بينها تأجيل العملية مؤقتًا لعدم تمكن أنقرة من الحصول على موافقة مزدوجة (روسية – أميركية) كما حصل في العمليات السابقة (درع الفرات 2016، احتلال عفرين 2018، احتلال رأس العين وتل أبيض 2019). إذ إنّ الوضع لم يعُد كما كان عليه قبل الحرب الأوكرانية.

خلاصة القول أن المشهد السوري بعد الحرب الأوكرانية مفتوح على احتمالات كثيرة، بما فيها تلك التي تبدو ضعيفة من قبيل أن تحافظ واشنطن وموسكو – برغم الحرب في أوكرانيا – على توافقهما على الخطوط العريضة والمؤثرة في الملف السوري، القائمة منذ العام 2013 عقب ما بات يعرف بـ”تفاق لافروف – كيري”، الذي تم تظهيره وتطبيقه بشكل أوضح إثر التدخلين العسكريين الأميركي والروسي تباعًا عامي 2014 و2015.

أما الاحتمال الأقل تكلفة على السوريين، فلا يزال بكل أسف بعيد المنال – أقلّه في المدى المنظور – برغم بساطته ووضوحه: حوار سوري – سوري جاد، يشكّل نقطة انطلاق لوضع حدٍّ للتدخلات الخارجية، ولتحرير الأرض السورية، وللتمهيد لتغيير في المشهد السياسي الداخلي، ولإعادة الإعمار. وقتذاك، قد نشهد عودة طوعية حقيقية للاجئين السوريين، ولكن كلٌّ إلى بيته وأرضه وقريته ومدينته.

 
×