رغم كل الغيوم السوداء التي تغطي نور الشمس، يحافظ المرء على حقّه في الأمل بـ”تشاؤل” يجمع بين سواد الوقائع ورغبة الخلاص. فمن مهد الحضارات والرسالات ستتجلى نهاية عالم لم يعد يستحق البقاء؛ لأنّه بانغماسه في عبادة الأصنام وسجن خيرة أبنائه وقتلهم وفي ظلمات تقديس التوحش وأسطرة الوضاعة وتأليه الموت واغتيال الحياة، اختار، عن سابق إصرار وتصميم أحمقين، سبل الفناء على مقوِّمات البقاء.

سنوات عشر، ذُبحت فيها الكلمات على قربان أسلحة القتل الأشد فتكًا، واستبيحت فيها المفاهيم الأكثر مدنية في مسرح “ثورة الاتصالات”؛ سنوات عشر، اغتيل فيها أعظم حراك شبابي سلمي في تاريخ المنطقة، وتنصّبت أسماء سماسرة إقليميين وأشباه دبلوماسيين غربيين، وكلاء رسميين عن أول شعب حقق الاستقلال السياسي وجلاء القوات المستعمرة في العالم العربي؛ سنوات عشر، لجأت فيها الأجهزة الأمنية لأبشع وسائل القمع لأبناء بلدها؛ سنوات ونُصّب مبعوث “الحليف” الإقليمي قائدًا عامًا لجبهة “المقاومة والممانعة”، ومندوب “الحليف” الدولي شيخًا للعشائر السورية الموالية والمعارضة.؛ سنوات عشر، أصبح فيها الاستقواء بالخارج “العقيدة” الوحيدة التي تجمع القامع والمقموع وغدت وبلاد الشام أرض الجهاد لجميع “المؤمنين” في الأرض (إيغور وهازار ومشارقة ومغاربة سواء بسواء)؛ سنوات عشر، عشنا فيها الإزدراء العلني لعقل الإنسان واحتقار ذكائه وتدنيس وعيه، في أرض صارت البضاعة الأهم في معارك “الصغار” و”الكبار”.

تسطحت الشعارات والمسارات، وصار عمى الرؤية سُنّة القوم، وغدا هدم خيرات البلاد وموارد عيش العباد السياسة الوحيدة التي يتفق عليها حملة السلاح على اختلاف الجبهات. وسواء كان القتل بالبراميل أو بمدفع جهنم أو عبر هدم المحطة الحرارية في زيزون وقطع أشجار الزيتون لدواع “استراتيجية” في عفرين واتفاقيات الترحيل والتهجير لدواع أمنية من بلودان إلى عين عيسى، فإنّ للضرورة العسكرية أحكامها، وإِنْ كنتم لا تفقهون في ذلك، فالتزموا الصمت واتركوا أبو طمشة وأبو عمشة يشرحان لكم، فكما للتشبيح السلطوي “رجال”، للبلطجة “رجال” … وأحكام.

بات حجب الطريق وهدم خيرات البلاد على جثث العباد يُسمّى اليوم، في قاموس أئمة الموت، “أنشودة الانبعاث”. وبات جَعلُ الوقائع أكاذيب والعوالم الافتراضية حقائق والتطبيع مع اغتيال الكرامة الإنسانية اليومي منهجَ حكم وحسن إدارة للصراعات وموازين قواها.

في سنوات عشر، ترسخت حقبة تكريم الارتزاق وازدراء القيم وتحطيم عناصر السيادة وشراء قدماء المناضلين في أسواق النخاسة وتحويل الشبيبة إلى جموع تبحث عن حقها في الحياة في زوارق الموت. وغدت حقبة إعادة إنتاج الفساد والاستبداد على أيدي من غيّروا أسيادهم وحملوا أمراض من أذلّوهم سُنّة جديدة قديمة تعلو. أمّا زمن اكتشاف الفوارق الميكروسكوبية بين المذاهب وإحياء الأحقاد الدنيئة وبناء العصبيات التي تُعّلم الإجرام والقتل وتصدّر رجالها إلى جبهات “جهاد” يحرق الأخضر واليابس، فصار حاضراً في أعماق النسيج المجتمعي.

ما هي التسمية اللائقة بتقديس التوحّش وأسطرة الدناءة وتأليه الموت والمُوات؟ في القرون الوسطى كانت الظواهر المدمرة تُعتبَر من علامات يوم القيامة، أمّا في عصرنا، فهل يمكن أن نطلق على ما نرى من حولنا سوى عبارة “زمن القمامة”.

أصبح السؤال لكل قلم حر أو سياسي سيادي القرار: “على من تعتمد” و”مين وراك”؟

لقد أوصلتنا سلطات التسلط والطغيان إلى الطريق المسدود الذي اقتادت نفسها والبلاد إليه: لقد تعفنت تجمعاتها المصلحية واحتضر “مثقفها” وتقرّحت رموزها وانحسر إعلامها بتمجيد أمير هنا أو جملكي هناك. في تقرير التنمية العربية، الذي اعتبره أشباه الكتبة ورقة اعتماد للغرب، أطلقنا صرخة محذرة من الخراب الآتي. اليوم، لم يعد الحديث عن هذا الخراب نبوءة عدد من المثقفين والمفكرين، فنحن في قلب هذا الخراب.

إذا ما كانت السياسة تتبسّط في وازع وناظم ورادع، فقد اضمحل الوازع الكامن وراء السلطات القائمة والمشاريع القادمة، سواء تحدثنا في الأيديولوجيا أو القيم أو احترام الإنسان. وقد تهّزل الناظم باستمرارية استبداد القرون الوسطى مدعماً بإدمان حالة الطوارئ والقوانين الاستثنائية وقواعد مناهضة الإرهاب ومنتجات هذا الإرهاب نفسه.

لقد فشل النظام السياسي في القيام بأي من وظيفتي الدولة الحديثة ولو نسبياً:

ـ تأمين التوزيع المتكافئ للحظوظ والفرص والحد الأدنى من الحقوق الوضعية.

– توفير الحريات الأساسية الضرورية للانتساب للعصر.

وإذا ما كانت الحداثة السياسية قد قامت على مفهوم السيادة (وهو مبدأ الدولة الحديثة) ومفهوم الشعب كمصدر للشرعية، كما يلخّص محمد حافظ يعقوب، فنحن في منطقتنا لا نزال نجتر ما قبلها، وإن كنا نناقش على الصعيد العالمي ما بعد الحداثة السياسية، ولا نزال في نطاق السلطة بالمعنى اللغوي شبه البدائي الذي يشير إلى قدرة جماعة من البشر على الاحتفاظ بما صادرت وغنمت بالقهر.

لم تلد السيادة ديمقراطية، لكنها كانت ابنة عملية تاريخية توجه مصائرها نحو الإرادة العامة للناس، لتصبح في مفهومها الأرقى: سيرورة تسلّم الناس مقادير حياتهم بأنفسهم. ورغم أن هذه المفاهيم أخذت أبعاداً غنية في الأزمنة المعاصرة، إلا أن جذورها مغروسة في الثقافات البشرية الكبرى وليس الغربية منها فحسب. فولاية الأمة سبقت ولاية الفقيه عند الشيعة الأوائل، واختصر النجدات من الخوارج الإمامة “بتعاطي الناس الحق فيما بينهم”. إلا أن إعطاء سمة مقدسة للخلافة الراشدية وبعد الراشدية، منح الاستبداد غطاءاً لا يستحقه. ولم تجر إلى اليوم عملية غسل الدم الضرورية مع فكرة الخليفة المخلّص.

خلال حقبة مضت، تكفل الاستبداد السلطوي بسحق الشخصية القضائية وقتل الشخصية الأخلاقية وإلغاء الخصوصية النوعية للكائن البشري. ومع التحطيم المنهجي للقدرات الذاتية للمجتمعات، تحولت المنطقة إلى البطن الرخو في حقبة عولمة حالة الطوارئ، والمختبر الأسهل لاستكمال بناء مراكز القوى الجديدة على الصعيد العالمي بعد حرب باردة كان ضعفاء الجنوب مادتها، وحقبةٌ أحادية القطب، كانت منطقتنا مختبّر عملياتها ومهد انحسارها بآن.

اصطف أصحاب القلم والخطابة مدّاحة نوّاحة في طوابير مصادر رزقهم بالمعنى المباشر للكلمة، وأصبح السؤال لكل قلم حر أو سياسي سيادي القرار: “على من تعتمد” و”مين وراك”؟

رُفع الغطاء عن كل أصوات الاحتجاج والنقد الحرة. ورغم مقتل الرقابة التقليدية في الفضائيات العابرة للحدود والشبكة العنكبوتية التي غزت البيوت والمقاهي، ما زال الاغتيال الفكري والسياسي والجسدي يُمارس بأبشع صوره وأشكاله.

عندما تتحول أهم المنابر الإعلامية إلى ماخور لسياسات الدول، ويتحول الدم السوري إلى سلعة من سلع صراعات النفوذ، ويدخل من يعتبر نفسه الممثل الشرعي الوحيد للشعب والثورة في متاهات السياسات الخارجية خادماً بين الخدم، وتصلك أخبار الموت المجاني كل صباح ومساء، هل ثمة بلاغة تفوق الصمت في حفلات ضجيج بلا طحين؟

في حقبة أصبحت العبادة فيها شرطاً من شروط الظهور العام، يُمنع بناء أماكن للعبادة لمجرد كون طريقها إلى الله يختلف تفسيراً عن مذهب الحاكم بأمره، ويمر تفجير معابد الآخر كخبر صحفي عاجل، وتُقطع الرؤوس في الساحات العامة في أكبر مسلخ لقتل البشر في القرن الواحد والعشرين أسماه عبد الرحمن منيف يوماً شرقي المتوسط.

ترتدي الصورة الرمزية للطوفان حجاب النفاق والتجهيل المعمم والارتزاق: كلّ شيء على ما يرام. هذا يتمدد، وذاك يتنهد، والموت يرقص في حلبة الأحياء.

إنها نهاية عالم

مات من القديم ما مات والباقي يحتضر

والجديد لم يولد بعد

فهل نشهد مخاضات الولادة؟

 

من ملف: “عن غدٍ سوريٍ لا يأتي”

 
×