المجازر في رواندا: حتى الأمل ضحية“. هذا عنوانٌ لتحقيق نشرته “نيويورك تايمز” عام 1994، وكان واحداً من مئات العناوين التي ظهرت عالمياً بين نيسان/ أبريل وتموز/ يوليو من ذلك العام، الذي شهد على مدى مئة يوم حملة إبادة سقط خلالها حوالي 800 ألف رواندي، من قبيلتي الهوتو والتوتسي المتقاتلتين آنذاك.

يجب أن تصبح رواندا نموذجاً لهزيمة الفساد“. قبل أيام قليلة، ظهر هذا العنوان على إحدى صفحات مجلة “ناشيونال إنترست”، وهو واحد من عناوين كثيرة باتت تستحضر التجربة الرواندية، لا عبر نبش قصص مقتلة وحشية، بل بوصفها نموذجاً لكيفية النهوض الاقتصادي والاجتماعي في مراحل ما بعد الحرب.

في أقل من ثلاثة عقود، تبدّل حال رواندا لتصبح نموذجاً يمكن أن يعود إليه كل مهتم بحال بلاد شهدت صراعاً أهلياً لا تزال تعاني من تبعاته، والنماذج كثيرة في المنطقة العربية. البحث في أين نجحت رواندا يفيد في فهم أين فشلت دول كثيرة في إدارة مرحلة ما بعد الحرب، ومن هذه الدول لبنان كمثال لا حصر.

تجربة صارخة  

هي أرض الألف تل. هكذا تعني رواندا باللغة المحلية لسكانها. وهي الأرض التي – على عكس دول عديدة شهدت حروباً ونزاعات – يستحضرُ العالمُ نجاحَها في التعامل مع مخلّفات اقتصادية واجتماعية ثقيلة تركتها حرب الإبادة بين أقلية التوتسي وغالبية الهوتو، أبرزها الفساد والفقر.

الاختلافات العرقية في رواندا كان قد غذّاها الاستعمار لسنوات طويلة قبل أن تتحول إلى صراع فعلي. في الحالة الرواندية، كان الاحتلال بلجيكياً ارتكزت سياساته على الفصل العنصري بين مكونات المجتمع الرواندي، فيما سُلّط الضوء مؤخراً على الدور الفرنسي خلال الصراع، إذ صدر تقرير للجنة مؤرخين فرنسيين يقول إن فرنسا تتحمل مسؤولية “كبرى وجسيمة” في الأحداث التي أدت إلى الإبادة الجماعية. كما صدر كتابٌ حديثٌ لضابط فرنسي كان ضمن حملة “توركواز” التي أُرسلت إلى رواندا، اعترف فيه الضابط أن بلاده “حمت المُجرمين”.

يتولى بول كاغامي رئاسة رواندا منذ عام 2000، ويُنسب له الفضل بإنهاء الصراع الدموي وبنهضة البلاد. وَصَف في إحدى خطاباته الحقبةَ التي أعقبت انتهاء الصراع بالقول: “المرحلة الأولى من النضال التحريري هدفت إلى إزالة القيادة السيئة التي دفعت البلاد نحو الإبادة الجماعية. أما المرحلة التالية فتمثلت بالانخراط في أنشطة موجهة نحو تحرير الروانديين من شر آخر، الفقر والمحنة الاجتماعية”.

وفي فقرة اعتراضية، تجنباً للوقوع في المبالغة بوصف التجربة الرواندية، من المفيد الإشارة إلى كتاب حديث صدر خلال هذا الشهر للكاتبة البريطانية ميكيلا رونغ بعنوان “Do Not Disturb”، تتساءل فيه عن الاستمرار في مدح كاغامي دولياً فيما هو مسؤول عن قمع الحريات في بلد يمكن أن يستمرّ في حكمه حتى العام 2034. تزعم الكاتبة أن نهوض البلاد جاء على حساب الحريات الأساسية، حيث سُجن معارضون أو أجبروا على النزوح، وتشير إلى حوادث قتل غامضة لبعض المعارضين.

أطلقت رواندا حملة واسعة لاستطلاع رأي الشباب بشكل دوري حول موقفهم من الفساد، واستخدمت ذلك في هندسة حملات توعية

لكن إذا عدنا إلى محور الحديث بخصوص تجربة محاربة الفساد حصراً، والذي يتعزز عادة في مراحل النزاع وما بعده، تبدو مقاربة مايكل روبن للتجربة في مجلة “ناشيونال إنترست” المعروفة تاريخياً بقربها من “المحافظين الجدد” مثيرة للاهتمام، لا سيما أنها ربطت التجربة بفكرة المساعدات الخارجية والموقف الأميركي.

يُذكّر روبن بإعلان وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، في شباط/ فبراير الماضي، عن إطلاق إدارة الرئيس جو بايدن جائزة لتكريم “أبطال مكافحة الفساد” حول العالم، ليعلّق بأنها “رمزية أكثر منها حقيقية”. ويضيف بأن “العديد من أكبر المتلّقين للمساعدات الخارجية الأمريكية، وفقاً لتصنيفات منظمة الشفافية الدولية، يُعتبر من أكثر الدول فساداً في العالم”.

تجارب نجاح مختلفة في محاربة الفساد يشير إليها روبن، منها تجربة جورجيا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتجربة بوتسوانا، لكن “لا تجربة نجاح صارخة كالتجربة الرواندية”، وفق وصفه.

ما الذي جرى في رواندا لتحظى بكل هذا الاهتمام، وتصبح بوصلة لدول كثيرة تدفع ثمن نزاعاتها لسنوات طويلة؟

في كتابه “تحويل رواندا” (2019)، كتب خبير النزاعات في جامعة كيبيك جان بول كيمونيو أن كاغامي الذي كان وزير دفاع عام 1995، بدأ بإعادة دمج الجنود وحتى كبار الضباط من القوات المسلحة الرواندية (الجيش الذي أدى دوراً في الإبادة الجماعية) في قوة الدفاع الرواندية الجديدة.

وفي آذار/ مارس 1999، أطلقت رواندا “لجنة الوحدة الوطنية والمصالحة”. اعترضت آنذاك جماعات حقوقية دولية على جهود رواندا لإدارة نظام العدالة الخاص بها بشكل محلي، وبرغم أن مخاوف هذه الجماعات قد تكون مبررة، إلا أنها  تبدو مدفوعة أكثر بالرغبة في الحفاظ على دورها ودور الأمم المتحدة المركزي في صوغ العدالة الانتقالية. مع ذلك، فـ”المصالحة في رواندا حقيقية وواضحة”، على قول كيمونيو.

مهدت المصالحة لبدء كاغامي حكمه كرئيس وإطلاق مشروعه الذي وضع في أولويته مكافحة الفساد. وبعدما كانت “منظمة الشفافية الدولية” تعتبر أن رواندا تعاني من فساد أسوأ من اليمن وليبيا وإيران، بات البلد الواقع شرقي وسط أفريقيا اليوم أفضل حالاً بكثير من إيطاليا واليونان لناحية مكافحة الفساد، وفق المنظمة.

إجراءات عملية

توصف رواندا أحياناً بأنها سنغافورة الأفريقية. وفي حين ورثت الدولة الآسيوية نماذج حكم قوية من السلطات الاستعمارية البريطانية، لم يكن ذلك حال رواندا. يشرح كيمونيو موضحاً كيف قامت رواندا بإصلاح أو تفكيك المؤسسات الموروثة من الاحتلال.

تمثّل ذلك في بعض الخطوات. في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1997، أنشأت سلطات ما بعد الإبادة الجماعية في رواندا مجلس المناقصات الوطني ليحل محل نظام منح العقود التاريخي والمثقل بالفساد.

أسهم ذلك في زيادة اللامركزية وجعل عملية التعاقد أكثر استقلالية. كما قامت هيئة الإيرادات الرواندية بإصلاح جباية الضرائب وإنهاء الامتيازات التي كان يتمتع بها السياسيون ورجال الأعمال البارزون وكبار الضباط في السابق.

بشكل مواز، استبعدت السلطات ستة آلاف موظف وهمي من كشوف المرتبات العامة، واستبعدت مثل هذا العدد من الموظفين غير المؤهلين.

يحظر القانون الحديث عن المجموعتين العرقيتين (الهوتو والتوتسي) بين الروانديين

في الوقت نفسه، تولت لجنة برلمانية مراقبة ثروات المسؤولين وممتلكاتهم بموازاة منحها الروانديين العاديين سبلاً للانتصاف ضد إساءة استخدام السلطة، وأتت محاكمات فساد رفيعة المستوى لتُظهر للرأي العام أن كاغامي كان جاداً.

استلهم كاغامي تجربة سنغافورة في مسألة تغيير الثقافة، وأطلق حملة واسعة لاستطلاع رأي الشباب بشكل دوري حول موقفهم من الفساد، واستخدم ذلك في هندسة حملات توعية بشكل أفضل.

بدا رهان كاغامي على جيل الشباب واضحاً، وقد قال ذات مرة إن دورهم هو الأساس في مرحلة ما بعد النزاع، مشيراً إلى أن ثلاثة أرباع مواطني رواندا أقل من 30 عاماً، بينهم 60 في المئة وُلدوا بعد الإبادة.

عمل الرئيس كذلك على تعزيز التكنولوجيا وشجع على المنافسة فيها، بينما استقطب الاستثمارات الخارجية حيث باتت البلاد تُعرف بإمكانية تسجيل شركة فيها عبر “شباك” (مكتب) واحد في أقل من يوم، وأعطى أولية لاستكمال البنية التحتية في مجالات مختلفة، وكان للتعليم والطب وتمكين المرأة حيزاً من مشروع النهوض.

“أومينغادا” وأكثر

بطبيعة الحال، الصورة ليست وردية تماماً. من يتعمق أكثر بتجربة “الألف تل” قد يجد ألف ثغرة وقد يجد ألف مانع من استلهام تجربتها في بلاده، لكن الخطوط العامة لصورة رواندا ما بعد الإبادة تستحق التأمل، ليس فقط من الناحية الاقتصادية بل الاجتماعية كذلك.

برغم وجود الكثير من العوامل التي أدت إلى أن تنعم هذه المدينة ببنية تحتية قوية وبنمو مزدهر، كان لتعويد السكان على مسألة التعاون دور كذلك.

“أومينغاندا”، كلمة رواندية تصف واحداً من المبادئ التي تنظم منذ سنوات الحياة في العاصمة الرواندية، ففي يوم السبت الأخير من كل شهر، يتعين على واحد على الأقل من كل أسرة رواندية، يتراوح عمره ما بين 18 و65 عاماً، أن يقوم بأعمال تنظيف أو إصلاح في منطقته.

وتشكل خدمة المجتمع على هذه الشاكلة، جزءاً من الثقافة والتراث في رواندا، وقد سُنّ قانون بشأنها قبل عشر سنوات.

شهدت هذه الممارسة بعض الإشكاليات، كالاستنسابية في تغريم المتخلفين، لكنها بقيت تحظى بشبه إجماع حول أهميتها، كما هو الحال مع القانون الذي يحظر الحديث عن المجموعتين العرقيتين (الهوتو والتوتسي) بين الروانديين.

بالعودة إلى تقرير روبن في “ناشيونال إنترست”، فهو يعلق بأن بلينكن، كما أسلافه، يستطيع انتقاد الفساد، لكن الخطاب الرنان لا يحل آثار الأخير الحادة في دول العالم.

الحلول ليست في الإجراءات الرمزية أو في مجموعات الدراسات أو المنظمات الإنسانية والحقوقية التي باتت تهتم بظروف موظفيها أكثر من إيجاد الحلول للمشكلات التي تشكل أساس وجودها.

“تُظهر الظروف في الصومال ولبنان العراق أن كثرة المساعدات تعزز الفساد، لا سيما عندما تفتقر البلدان إلى القدرة على إنفاقها بشكل فعال”، يقول روبن.

واحد من الحلول غير المكلفة، وفق الكاتب الأميركي، هو تمويل سفر المتخصصين في مكافحة الفساد من البلدان الأخرى إلى كيغالي (عاصمة رواندا) للتعرف عن كثب على “الوصفة السحرية”، وعلى كيف أن المقاربات العملية – لا تلك الاستعراضية –  حتى لو كانت في غاية البساطة، ممكن أن تسهم بزيادة الثروة والسلام والاستقرار.

 
×