سنتان مرّتا على اندلاع “انتفاضة 17 تشرين”. لماذا نراوح مكاننا برغم أننا نمثّل “شرعيةً” لها وزنٌ ما في المجتمع، وشريحةً تبدو عنيدة وغيرَ قابلة للإلغاء بسهولة؟ لماذا، برغم مما تقدم، لسنا جزءًا من المشهد السياسي اللبناني؟

هذه أسئلة مشروعة، ويستحسن الإجابة عليها قبل الاستحقاقات القادمة. وللإجابة وجهان: وجهٌ له علاقة بكيفية استيلاء طبقة سياسية على السلطة (سواء كانت جذورها تعود إلى الحرب الأهلية بشكل مباشر أم غير مباشر)، ووجهُ آخر له علاقة بنا، كنتاج للوجه الأول، أي كأبناء طبيعيين لهذه البيئة التي وُجدنا فيها ونمونا، ثمّ انتفضنا عليها.

(1)
كيف تشكّلت السلطة التي تحكمنا؟

باتت آليات تشكّل السلطة معروفة (أي الوجه الأول للإجابة)، وهي تندرج في مسار مركّب تميّز بتعطيل الدولة ولجم محاولات تشكّل هوية وطنية جامعة. إذ احتلت مجموعات مسلّحة متماسكة طائفيًا، منها ما نشأ داخل الأحزاب الطائفية ومنها ما ظهر على هامشها، الهيئات الوسطية في المناطق اللبنانية كافة، وذلك منذ بداية الحرب الأهلية. ثم أُضيفت إليها تشكيلاتٌ وُلدت من الفراغات التي نشأت خلال الحرب، في البيئتين السنية والمسيحية على وجه التحديد. وراحت هذه التشكيلات تستولي على الهيئات النقابية الوسيطة مع نهاية النزاع الأهلي. ونجحت بذلك في تصحير المشهد المجتمعي، وفي اختزاله عبر تعبيرات طائفية تعرّف الأفراد اللبنانيين، وفي تهميش القوى السياسية غير الطائفية.

هكذا، نشأ “أرخبيل الطوائف” كنظام يسمح للمكوّنات الطائفية بحياةٍ خاصة وأدوات مستقلة، تتعايش عبر حياة مشتركة، وتتوزع فيها المغانم بواسطة نظام محاصصة أشرفت عليه سياسة مالية موحّدة، على مدى ثلاثة عقود، وعمل بشكل شبه منتظم بمساعدة الخارج.

(2)
تطوّر أشكال الاعتراض خلال الحرب وبعدها

صار من الممكن الآن فهم خصائص الانتفاض على واقعنا (أي الوجه الثاني للإجابة)، سواء كان هذا الانتفاض عائدًا إلى بداية الحرب قبل 45 عامًا، أو إلى نهايتها قبل 30 عامًا. تعدّدت أشكال الاعتراض مطلع الحرب، واتخذت أشكالًا فرديّة في الغالب، انتهت على شكل هجرة أو التحاق أو رضوخ، أو تصفية جسدية أحيانًا. لكنّها لم تخلُ من المحاولات الجماعية التي لم تُدوّن بدقة لأنها لم تجد من يدوّنها. وربما شكّل الإضراب العام سنة 1987 – الذي تلاشى من الذاكرة الجماعية – أوضح تجلياتها.

ومع انتهاء الحرب الأهلية، استمرت “المقاومات” الداخليّة. بعضها وُلد من رحم الحرب نفسها كنضال أهالي المفقودين، وبعضها ظهر مع انتهائها. لكنّ أشكال النضال المتنوعة – بما فيها ما يتّصل بالقضايا الاجتماعية المطلبية – اصطدمت على الدوام بالمشهد المركّب لـ”أرخبيل الطوائف”. وظلّ الفشل سمة غالبة لهذه النضالات، برغم الاستثناءات القليلة التي ظهرت خلال الاستحقاقات الانتخابية – النيابية أو البلدية – بدءًا من العام 1996، أو حيال مسائل مطلبية أو ثقافية أو اجتماعية لا مجال لتفصيلها هنا.

(3)
أشكال جديدة للاعتراض
بعد الانهيار

هنا، لا بد من التوقف عند معطى جديد برز في عوالم الطبقة الوسطى (أصحاب المهن الحرة، طلاب الجامعات الخاصة…) بعد 17 تشرين، خصوصًا إثر انفجار 4 آب 2020 والانهيار الكبير الذي لم تعد معه أحزاب النظام تأتلف، ولا حتى تتقدم بلوائح في المعارك النقابية، مفسحة المجال أمام بروز طروحات الاعتراض ولوائح مرشحيه. كانت هذه ظاهرة جديدة أبرزت عجز أحزاب النظام عن صياغة ائتلافات في ما بينها، كلما كانت العلاقات بين مرجعياتها معطّلة. وهي أظهرت – وهو الأهم – أن الأحزاب تلك لم تعد قادرة على “بيع” أمل لقواعدها في المهن الحرة والطبقة الوسطى، وأن هذه القواعد باتت تعاني من تدهور متسارع لأوضاعها الاجتماعية لم تحسب له حساب. كما ابتعدت عن حلم صعود اجتماعي اعتقدته مضمونًا، وتحوّل بسرعة مذهلة إلى سراب. لا يعني هذا أن نقلًا آليًا لهذه النتائج الانتخابية إلى أصعدة ثانية ممكن بالضرورة، سواء كانت أصعدة بلدية أم نيابية أم خلافها.

(4)
المقاربة التاريخية تختلف عن الفعل السياسي

بحسب المفكر السوري موريس عايق، فإن فعالية العمل السياسي غير مستقرة لأننا ننتقل على الدوام، من دون ثبات في تعاطينا بالشأن السياسي، إما إلى التفسير التاريخي للفعل السياسي، أو إلى التفسير الأخلاقي له. التاريخ والأخلاق عنصران ضروريان لدى التعاطي بالشأن العام، إذ من الأفضل أن يتمتع المرء بمعرفة تاريخية حول ما يحيط به، وبروادع أخلاقية في تصرفاته كذلك. لكن التفسيرين، سواء التاريخي أو الأخلاقي، لا يستطيعان الحلول مكان الفعل السياسي.

فالتفسير التاريخي يسلّم غالبًا بقوة الخصم (في السلطة) واستحالة زعزعة أركانه. وهذا يتناقض مع الفعل السياسي؛ فإن كانت زعزعة النظام مستحيلة – كما تفيد القراءة التاريخية ربّما – فلماذا نحاول أن نغيّر الواقع، وما فائدة الفعل السياسي إذًا؟ صحيح أنه قد لا نلمس نحن – أي جيلنا – نتائج أفعالنا. لكن هذا شيء، والتسليم باستحالة إحداث التغيير شيء آخر.

(5)
…وكذلك المقاربة الأخلاقية

المقاربة الأخلاقية من العوارض المرضيّة خلال “الربيع العربي” وما بعده، بما في ذلك الانتفاضة اللبنانية، وهذا العارض أخذ يتفاقم مع مرور الوقت بدلًا من أن يتقلّص. قد نجد له أسبابًا تخفيفية على اعتبار أن استحالة الإصلاح في “أرخبيل الطوائف” تجعل من المقاربة الأخلاقية ملجأ سهلًا؛ فإن كان يستحيل إصلاح النظام، نصبح غير قابلين بأقلّ من إسقاطه. يبدو المنطق هذا سليمًا للوهلة الأولى، لكن في الواقع، فإن نوعًا من الشيزوفرينيا يولد لدينا، بحيث نروح نؤجّل باستمرار فعل الاعتراض، ونتقمّص بدلًا من ذلك دور الراغبين بإسقاط النظام قبل أن نصبح أكثرية، ونقنع أنفسنا بأننا أكثرية (الشعب يريد) قبل أن نكون حتى أقلية وازنة تمتلك ما يكفي من عوامل الاستقرار ووضوح الرؤيا.

لقد تعطّلَ النظام الطائفي من دون أن ينهار، لكننا لسنا من جعل أسسه تهتزّ

(6)
إنجاز ثمين لم يكتمل

هنا لا بدّ من الذكر بأن عددًا من التجارب، منذ حراك عام 2015، تميّزت بالقدرة على الاستمرار في سياق سعيها إلى مأسسة الاعتراض. وهذه التجارب أتت بالتوازي مع خروج أحزاب عريقة من سباتها، أو مع نموّ حركات اعتراضية داخل أحزاب قبل أن تستقلّ عنها، أو مع صناعة مجموعات مستقلة قصصًا تشبهها وحدها. وهذا الانجاز – لنعترف صراحة – لم يكن بديهيًا إدراكه، ومن الأهمية بمكان اليوم أن نحافظ عليه وأن نحميه. إلا أن التعمّق في مطالعة هذا المسار تدفعنا إلى الاعتراف بأن المأسسة ما زالت في بداياتها، وهي بعيدة عن المطلوب. فقد ظللنا ندور حول أنفسنا وأولوياتنا الداخلية و”وسوساتنا” العقائدية، كما لو كان العالم يدور حولنا بدلًا من أن نفعل شيئًا ما لملاقاته. والأهم أننا تصرفنا كما لو أن البلد لم يكن في طور الانهيار، وأن هذا “التفصيل” لم يفرض علينا إعادة تعريف وإنتاج ماهيتنا، وبنياننا، وأولوياتنا.

أحيانًا، تبرز استحقاقات مفاجئة، فنركض وراءها بعفوية أو ننتظر أن ينظمّنا أحد ما. وغالبًا ما نهرول كالهواة؛ فكم من مرة اعتبرنا أن المنظومة سقطت، وكم من حكومة ألّفنا أو تنطّحنا لتأليفها، وكم من مرة أعلنّا على الملأ أننا أصبحنا البديل! في المقابل، كم من مرة اعترفنا بأننا أخطأنا أو اعتذرنا للرأي العام عن ادعاءاتنا؟ ليس الموضوع المثار هنا حول النوايا، بل حول مدى استعدادنا لمغادرة شاطىء أماننا الفكري نحو مغامرة تتصل بالسياسة المعاشة التي تستلزم أمورًا ما زلنا نخشى الخوض بها.

(7)
خصمك من يقول إنك أصبحت “قطبًا”

برغم لجوء أحزاب النظام إلى الائتلاف بين بعضهم البعض أحيانًا، لتشكيل حكومة أو لإتمام محاصصة في الإدارة العامة أو في مجلس نقابي، لا يشعر أعضاء “كلّن يعني كلّن” بالضرورة بأنهم ينتمون إلى فريق واحد. ربما بنظرنا، هم كذلك، أما بنظرهم، فلا. وهذا تمايز علينا أن نعيه. إذ إن هذا أو ذاك من الذين نعتبرهم فريقًا واحدًا، هو بالنسبة للآخر منهم خصمٌ أول أو منافس أكبر. وهذا أمر طبيعي لأنه مبرر وجودهم، سواء من  داخل الطائفة أو من خارجها. وسيظلّ الوضع على هذا النحو حتى نرسّخ حضورنا، ونشكل تهديدًا وجوديًا لهم. إذ لا يكفي إعلان رغبة بإرساء “قطبية” جديدة (“نحن وهم”) كي تُترجم بسحر ساحر. بل من المؤكد أن هذه “القطبية” لن تعطي ثمارها في الواقع إلا بعد فترة طويلة نسبيًا. وهذا مسار طويل يتطلب قرارًا ببدء المشوار، يليه عمل يومي وجهد فكري، ثم إثبات جدارتنا في الارتقاء من حالة الاعتراض إلى المعارضة. عندئذ، لا ضرورة لإعلان أننا صرنا البديل، بل إن الخصم هو الذي سيرشّحنا تلقائيًا، ويمنحنا صفة القطب المنافس، لأنه اكتشف أننا بدأنا ننمو على حسابه.

(8)
لاطائفيّون، وليس ثوريّون

بُعيد 17 تشرين، كان يمكن تلمّس نفَس لاطائفي في الانتفاضة، حتى لو كان (وما زال) من الشرعي أيضًا التساؤل عن مدى سطحية هذا الشعور أو عمقه. وبرغم تبخّر هذا الأخير لدى فئات واسعة كانت قد شاركت في الأشهر الأولى، فإن الأزمة البنيوية التي يعاني منها النظام الطائفي اللبناني عادت لتتجلى بتعطّله التدريجي، لتؤكد أنه كان (وما زال) لهذا الشعور ما يبرّره.

من هنا، فإن ضرورة التدقيق بطبيعة الخصم من جهة، وبطبيعتنا من جهة أخرى، يُفترض أن يوصلنا إلى جواب واضح وشفّاف: لقد تعطّلَ النظام الطائفي من دون أن ينهار، لكننا لسنا من جعل أسسه تهتزّ. أما وقد بدأ وحده يجد صعوبة جدية في إعادة إنتاج صيغة مقنعة لاستمراره، وصار يتعثر في القيام بالمهام الموكلة إلى الدولة في أي مجتمع، فإن هذا يطرح علينا مهمة إرساء نظام لاطائفي ومسؤولية المباشرة بها. من هنا، فإن المؤهلين أو الموكلين للقيام بهذه المهمة هم حتمًا “اللاطائفيون”، لا “الثوريون”. صار من المطلوب إذًا أن يتقدم “اللاطائفيون” بخريطة طريق ممكنة، بدلًا من أن يلتهوا بـ”الثورية”، وهي عبارة تفتقد إلى مضمون، وقد تختبىء خلفها بقايا النظام القديم.

(9)
إشكاليّة القطبيّة في التاريخ اللبناني

شكّلت القطبية في النظام الليبرالي اللبناني أداة مميزة لانتظام الناس: أيام الانتداب الفرنسي، كانت البلاد مقسومة بين “حزب الاتحاد الدستوري” و”الكتلة الوطنية”. وخلال الحقبة الشهابية، استقرت قسمة البلد بين “نهج” موال و”حلف” معارض. ثم أتت قسمة الحرب بين “الجبهة اللبنانية” و”الحركة الوطنية”، وبعد اغتيال الحريري انقسم البلد بين “قوى 8 آذار” و”قوى 14 آذار”.

كانت القطبية تتكون من قوى متعددة طائفيًا، وكانت الأطر القائمة تضم سياسيين من الطوائف كافة مع غلبة إجمالية للمارونية السياسية. الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة التي استمرت حتى “اتفاق الطائف” تمثل بـ”الحركة الوطنية” التي تشكلت للقضاء على هذه الغلبة. ما يميّز آخر قسمة (8 و14 آذار) أن مكوّناتها، بعكس سابقاتها، كانت تتألف من أحزاب تكاد تكون “صافية” طائفيًا: في 8 آذار، حزبا “الثنائي” الشيعي، و”التيار الوطني الحر” المسيحي، و”المردة” الشمالية المارونية، و”الحزب الديموقراطي” الإرسلاني الدرزي. على الضفة الثانية، في معسكر 14 آذار، “تيار المستقبل” السني، و”القوات اللبنانية” المسيحية، و”الحزب التقدمي الاشتراكي” الدرزي، إلخ.

المطلوب من قوى الاعتراض أن تتمثل بواسطة “مبدئية” أفكارها، أي أن تصرّ على “قطيعة ” ما مع العالم القديم، لكن من دون استبعاد الناس

(10)
القطبية التقليديّة: الاستمراريّة ونبذ القطيعة

في تاريخ لبنان أشكالٌ انتقالية بين قطبيّة وأخرى، تدل على أن القطيعة ليست الميزة الغالبة في السنوات المئة الأخيرة التي تشكل عمر الجمهوربّة. بل من الممكن ملاحظة تأقلم النظام اللبناني (الطوعي أو المفروض) مع فئات جديدة راحت تطرق باب السلطة. كما يمكن متابعة مسارات وجوه عامة في الحياة السياسية وكيفية انتقالها السلِس من قطب إلى آخر. يتبدّل اسم القطب، وكذلك المواضيع التي ينقسم حولها اللبنانيون، لكن حياة الشخصيات نفسها تستمر. فهي تتكيّف إذا لزم الأمر.. وتُنجب. و”من خلّف لم يمت” كما يقول المثل الشعبي. هناك استثناءات لهذه القاعدة طبعًا، خصوصًا بعد الحرب الأهلية، حيث أطلّت أطر وقيادات مستحدثة لم ينتجها التوريث: “حزب الله” أهمّها لما يمثله من انقلاب في مقاييس التمثيل، “القوات” و”العونيون” أيضًا، ولو بقدر أقل. لكن توازن النظام الطائفي الداخلي كفيل بإعادة ايتكار أشكال لترويض هذه الاستثناءات، ولـ”تطبيعها” مع آليات النظام.

(11)
القطبيّة التغييريّة: قطيعة لا تمسّ بالحقوق

إذا كانت المئوية و/أو 17 تشرين تفرض بحثًا جديًا عن نظام وعن “قطيية” من نوع آخر، صار لزامًا علينا طرح الموضوع من زاوية مختلفة: فالمطلوب من قوى الاعتراض التغييري أن تتمثل بواسطة “مبدئية” أفكارها، أي أن تصرّ على “قطيعة ” ما (بعد اختيارها بدقة) مع العالم القديم، من دون استبعاد الناس بالتأكيد.

على سبيل المثال، في الدولة المدنية التي ننشدها، تكون العلاقة المباشرة بينها وبين المواطن/ة هي القاعدة، ولا يُفترض التنازل عن هذا المبدأ. لكن، في المقابل، يمكن أن تمنح الدولة المدنية (الراشدة) من شاء من المواطنين الحق بأن تكون علاقته/ا بواسطة الطائفة. مثال آخر: يَفترض الإصلاح أن تجري الانتخابات على أساس مكان إقامة الناخبين كما هي الحال في معظم دول العالم، لا في مكان القيد الذي يؤدي إلى إعادة إنتاج الطبقة السياسية نفسها (مع تلوينات طفيفة)، أيًا كان القانون المعتمد. لكن يمكن منح الناخب، إذا شاء، الحق في الاقتراع في مكان القيد بدلًا من مكان الإقامة. بهذا المعنى، فإن الإصلاح في لبنان يحتاج إلى تغيير القاعدة، لا إلى المسّ بالحقوق، خصوصًا تلك التي لها أهمية وجودية عند الناس أو بعضهم.

(12)
قطبيّة تساوم… ولا تتحوّل الى طائفية متستّرة

في الشكل، هناك معادلة أخرى مطلوبة: ألسنا نحن من قال “كلهم يعني كلهم؟”. وألا يفرض هذا الشعار شيئًا ما في علاقتنا مع الرأي العام؟ في لحظة ما، سيكون مطلوبًا من القطب اللاطائفي القيام بتسويات، فهذا البلد لا يعيش من دونها. لكن متى، وما طبيعة هذه التسويات؟ هذه بعض الأسئلة الجدية التي يستحيل الإجابة عليها الآن في بلد محاصر بالألغام.

أيًا يكن، فإن موضوع التسوية يلي موضوع التواجد، ولا يسبقه، وإلا تحوّلت المبادئ إلى مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة. لكن المبدئية، في المقابل، لا يمكن أن تكون “مجردة” أو “عصبويّة”، بل عليها أن تخضع باستمرار لامتحان الواقع المعاش. وفي بلد صارت تدّعي كلّ قيادة فيه أنها وُجدت للدفاع “المقدس” عن مصلحة طائفة، إن صارت مواقفنا المبدئية تريح طائفة بعينها أو تُفرحها دائمًا، وتخيف أو تجرح طائفة بأكملها باستمرار، فعلينا عندئذ التوقف والتفكير وربما إعادة النظر ببعض المسائل، حتى لا تتحوّل مبدئيّتنا إلى طائفية مستترة. وللبحث صلة.

 
×