Image Credit: Uriel Sinai/Stringer/Getty Images

 

188 مرّة. 188 مرّة هدمت فيها قوات الاحتلال الإسرائيلي بلدة العراقيب، الواقعة جنوبي النقب. المرة الأولى كانت عام 2010. بعدها، كانت القوات تهدم في كل مرة ما يُعيد السكان بناءه. المرّة المئة وثمانية وثمانين كانت مطلع هذا الشهر. تختلف هذه عن سابقاتها، أقلّه في البعد الرمزي، إذ تزامنت مع ظهور رئيس “القائمة العربية الموحدة” في الكنيست منصور عباس، وهو يقف مبتسماً إلى جانب نفتالي بينيت بعد لحظاتٍ من الموافقة على تولي الأخير رئاسة الوزراء ومنحه غالبية حاكمة في البرلمان.

وجود السياسي الإسلامي الذي يحظى بشعبية في مناطق البدو في صحراء النقب (معقل الدعم الإسلامي) إلى جانب الزعيم السابق لتنظيمٍ كبيرٍ للمستوطنات اليهودية، وأحد المدافعين عن ضم معظم الضفة الغربية المحتلة، أثار سخطًا واسعًا بين العرب، لكنّ عباس تسلّح بالقول إن المشاركة العربية غير المسبوقة في هكذا ائتلاف هدفها “خدمة المجتمع العربي” و”تحقيق مكاسب له”.

من “المكاسب” المزعومة للاتفاق المُبرَم مع بينيت، والتي تباهت بها القائمة الموحدة ردًا على الهجوم، كان “الاعتراف بثلاث قرى غير مرخص بها في النقب خلال 45 يومًا، والعمل من خلال لجنة على ترتيب أوراق 10 قرى إضافية للاعتراف بها”.

تسوية أوضاع بدو النقب يُفترض إذًا أن تكون إحدى أوراق عباس الرابحة، لكن ماذا عن موقف بينيت الفعلي؟ وهل ما ورد في الاتفاق حول سكان النقب يُشكّل مكسبًا فعليًا لهؤلاء السكان؟ والأهم، بماذا يختلف هذا الطرح أساسًا عن مشروع برافر لتهويد النقب، وعن مشاريع التهويد الأخرى؟

موقف بينيت

حين سُئل بينيت في مقابلة معه قبل أيام كيف ادّعى خلال حملته أنه سيُعيد السيادة على النقب، ثم وعد بعدها العرب بالاعتراف بقرى غير معترفٍ بها، أجاب بأريحية أن العكس هو ما سيحصل. كيف فسّر بينيت الأمر؟ بدو النقب موزعين على قرى غير معترف بها ممتدة على مساحة واسعة جدًا، بينما جرى الاتفاق على تركيزهم في مناطق مقفلة ومرتبة.

نفى بينيت مزاعم نتنياهو بـ”بيع النقب للقائمة الموحدة”، معلقًا: “برنامج الاستيطان لدينا يفعل العكس، فهدفه استعادة الحكم، والعمل على نقل القطاع البدوي من جميع التلال المحيطة إلى مناطق منظمة”.

أعاد كلام بينيت التذكير بخطة وزير التخطيط الإسرائيلي إيهود برافر التي طرحها عام 2011 لتهجير سكان عشرات القرى الفلسطينية من صحراء النقب وسرقة عشرات آلاف الدونمات منهم بطبيعة الحال، ثم جمعهم في ما يُعرف بـ”بلديات التركيز”. الخطة التي تحولت إلى قانون، كان قد أقرّها الكنيست عام 2013 قبل أن يضطر للتراجع عنها بفعل ضغوط دولية أممية وضغوط شعبية تحديدًا من داخل الخط الأخضر.

العودة إلى برافر

ينفع هنا التذكير بالمخطط الذي ادّعى ساسة “إسرائيل” أنه توقف، لكن سياساتهم لا تنفك تُظهر أنه وُضع على الرف نظريًا من دون أن تتوقف الكثير من الممارسات التي تصب في خدمته أو تمهد لاستكمال تنفيذه، أو أنها تتشارك معه هدفه النهائي.

العراقيب، مثلًا، منازلها مبنية من الخشب والبلاستيك والصفيح. تقطنها 22 عائلة، ويُقال إنها أقيمت لأول مرة خلال الحكم العثماني على أراض اشتراها السكان. لا تعترف الحكومة الإسرائيلية بالعراقيب، كما لا تعترف بعشرات القرى الأخرى في منطقة النقب، وترفض تقديم أي خدمات لها، تمهيدًا لترحيل سكانها وسعيًا لتهويد المنطقة.

بدأت القصة المريرة لبدو النقب مع نكبة فلسطين عام 1948، حين هجّرت العصابات الصهيونية حوالي 90 في المئة من عرب النقب. بقي منهم حوالي 10 آلاف، فيما هُجِّر الباقي إلى سيناء والأردن وغزة أو قُتلوا في مذابح لم يتم تسجيل معظمها.

العشرة آلاف عربي الذين بقوا بعد “النكبة” في النقب، المعروفة تاريخيًا بـ”ديرة بير السبع”، أصبحوا اليوم حوالي 270 ألفًا، يحملون الجنسية الإسرائيلية. هؤلاء يشكلون 30 في المئة من سكان المنطقة. في سبعينيات القرن الماضي، أقامت “إسرائيل” 7 بلدات في النقب ونقلت إليها قرابة نصف البدو، وبعد نزاع مستمر، اعترفت بإحدى عشرة قرية بدوية من أصل 46، لتبقى 35 قرية غير معترف بها.

تستمر السياسة الإسرائيلية بالعمل لأجل هدم هذه القرى ومصادرة حوالي 700 ألف دونم تعود لسكانها، فبين عامي 2015 و2020 تم هدم أكثر من 11 ألف منزل في القرى غير المعترف بها، في مقابل إقامة أكثر من مئتي مستوطنة وأكثر من مئة مزرعة فردية.

أما سكان القرى غير المعترف بها، فالخطة تهدف لحصرهم في نسبة واحد في المئة من أراضي المنطقة، أي على مساحة مئة ألف دونم. كل ذلك ينطلق من سياسة استيطانية مستمرة منذ “النكبة”، من بين ما تدعيه أن لا ملكية للبدو في أرضهم.

التشجير ومشاريع استيطانية أخرى 

من يزور النقب من سياح، يرى خيامًا وبيوتًا مسقوفة بألواح زنك، فالقرى البدوية محرومة من كل خدمات المرافق العمومية والكهرباء والمياه والمواصلات والاتصال، ويعيش أكثر من نصف سكانها العرب تحت خط الفقر.

خلال الأسبوع الماضي، كتبت “جيروزاليم بوست” عن اجتماع بين إسرائيليين وبدو للعمل على خطة خمسية لتطوير النقب تبدأ هذا العام، قبل ذلك كانت هناك خطة خمسية أخرى للحكومة بدأت عام 2016 زعمت العمل على تطوير المنطقة، لكن هذه الخطط البرّاقة تخفي وراءها نفس المنهج الإسرائيلي.

عام 2017، نشرت “هآرتس” تقريرًا حول الخطة الخمسية الحكومية، قالت فيه إن الأخيرة من بنات أفكار وزير الزراعة يوري أرييل، وقد تميزت باستثمار حوالي 787 مليون دولار للنهوض بالفئات الأكثر إهمالًا في البلاد. علقت كاتبة التقرير قائلة إن “الخطة الخمسية ستطبق فقط على المناطق المعترف بها، وهي لا تشير إلى عشرات آلاف الأشخاص الذين يعيشون في قرى غير معترف بها. قرار تخصيص خطة لبدو النقب غريب، لأنه كان يمكن تضمينهم في الخطة 992 التي تخصص ميزانيات للمجالس المحلية العربية ككل. الخطة الخمسية الحالية تجعل الاستثمار في المجتمع البدوي مرهونًا بانتقاله إلى البلدات المعترف بها. من المستحيل تجاهل أن هذا الاستثمار الضخم يتم وسط جهود جبارة لتفريغ النقب من البدو”.

التشجير على محاسنه البيئية المتعارف عليها بشكل عام، حوّلته السياسة الصهيونية الاستيطانية إلى مفهوم عدائي

ليست الخطط الخمسية وحدها ما يعكس نوايا السياسة الإسرائيلية تجاه سكان النقب. ثمة الكثير من الخطط التي رغم ادعاء وقف “خطة برافر”، تستمر على شكل خططٍ مجزأة، ذات سندٍ قانوني قوي، وجمعها معًا يوصل للهدف النهائي لـ”برافر”.

في هذا السياق، تحضر ممارسات ما يُسمى بـ”سلطة توطين البدو وتطوير النقب”، والتي برغم اسمها الجذاب توظف ملايين الدولارات لتطبيق رؤية تهويد النقب.

وفي ممارسةٍ ممنهجة كذلك، يحكي سكان من النقب عن أن القوات التي تأتي لهدم المنازل تطلب ممن لا يعجبه الأمر التوجه للمحاكم. والتوجه للمحكمة يعني أن صاحب المكان قَبِل ضمنيًا المسار القانوني الإسرائيلي، وفي حال قبلت المحكمة ادعاء الدولة تُسلب الأرض بشكل قانوني فيصبح الهدم شرعيًا، وكذلك يصبح التشجير شرعيًا.

التشجير؟ التشجير على محاسنه البيئية المتعارف عليها بشكل عام، حوّلته السياسة الصهيونية الاستيطانية إلى مفهوم عدائي مع “الصندوق القومي اليهودي” الذي أُنشئ مطلع القرن العشرين من أجل شراء الأراضي وتطويرها للحركة الصهيونية، وهو يموّل زرع أعداد كبيرة من الأشجار في شمال النقب.

يدّعي الصندوق أنه يعمل لمنع التصحر ولإعادة تأهيل النظام البيئي. ومع ذلك، يؤكد متخصصون في حماية البيئة أن التشجير يتسبب في أضرار جسيمة في الثروة الطبيعية والحيوانية. هذا التجاهل للتأثير البيئي السلبي للتشجير في النقب، بحسب منتقديه، ينبع من الرغبة في منع ما اعتبرته دولة إسرائيل “بناء أو رعي بدوي غير قانوني”.

بموازاة ذلك، تتابع إسرائيل الاحتفاء بإنجازاتها التكنولوجية والعمرانية الخاصة بالنقب.

البدو والتنمية والـ Nanotechnology

يقول عنوان لتقرير مطوّل نشرته “هآرتس” مطلع هذا الشهر، حزيران/ يونيو، التالي: “كسر القانون: قابلوا البدويات اللواتي يدخلن التكنولوجيا الإسرائيلية العالية”.

يتحدث التقرير عن دورة خاصة تأخذها بدويات مصممة لجذب الناس إلى صناعة التكنولوجيا الفائقة. تدير الدورة مبادرةٌ اسمها Code Negev تموّلها وزارة تطوير الضواحي والنقب والجليل. الدورة مخصصة لست وسبعين شابًا في جنوب إسرائيل، نصفهم من البدو، يخضعون لستة أشهر من التدريب المكثف الذي سيؤدي إلى وظائف تطوير البرمجيات في النقب.

كل ذلك يبدو مشجعًا، خصوصًا عند العودة إلى ما تنشره وزارة الخارجية الإسرائيلية عن “النمو الديناميكي للنقب خلال السنوات الأخيرة، من شركات ومشاريع في مجالات التقنية العالية والتقنية الحيوية والنانو تكنولوجية والاختراعات الخضراء التي تنتقل إلى النقب لجعله مقرًا لها” (يمكن هنا الاطلاع على العديد من المشاريع التي تسوق لها الوزارة منذ عام 2011).

لكن من تتباهى بهم “إسرائيل” من بدو يدخلون عالم “النانو” البراق، يخفي وراءه مشاريع عدة لضرب بنيتهم وثقافتهم وسرقة أراضيهم.

من بين هذه المخطّطات مخطط منطقة الصناعات العسكرية الكيماوية المعروفة بـ”رمات بيكع”، والذي صادقت سلطات الاحتلال عليه عام 2019 وسيبدأ عام 2023. بموجبه، ستُنقل مصانع عسكرية ومصانع كيميائية خطيرة، من منطقة ساحلية إلى أراضي النقب.

ومن المخططات كذلك “شارع 6” المعروف أيضًا بـ”شارع عابر إسرائيل”، والذي يُفترض أن يربط شمال الأرض المحتلة بجنوبها، ومخطط مناجم الفوسفات والتي تُستخدم بشكلٍ أساسي لأغراض عسكرية وزراعية، ومخطط منطقة التدريبات العسكرية ومشروعي سكك “عراد” و”ديمونا”.

كل هذه المشاريع تتضمن مصادرة لأراضٍ واسعة وتهجيرٍ لسكانها، بحجج التطوير والتنمية. وكلها يبدو أنها لا تُؤخذ بالاعتبار عند الحديث عن “مكاسب” فلسطينية قد يُحصّلها سياسي طامح/ع لصالح قرية هنا أو هناك، متجاهلًا خطة التهويد الكاملة ومشترِكًا في مشروع استعماري أراد التخلص دائمًا من “همّ” عرب النقب حتى لو كانوا من حاملي جنسيته.

 
×