صورة بانورامية لمدينة بيروت ومرفأها في القرن التاسع عشر من أرشيف فيليكس بونفيس

العنف (الجسديّ) في القانون: استخدام القوَّة الجسديَّة استخدامًا غير مشروعٍ أو مطابقٍ للقانون بهدف الاعتداء أو التدمير أو التخريب أو الإساءة.

العنف في “لسان العرب”: الخرق بالأمرِ وقلّة الرفق به، وهو ضدّ الرفق.

الفضاء في “لسان العرب”: المكان الواسع من الأرض.

فضاء المدينة في “معجم المعاني”: مساحتها والمدى الواسع المحيط بها.

الأرشيف في “المعجم” – مصطلح سياسي: الوثائق المحفوظة أو المكان الذي تُحفظ فيه.

الأرشيف في معجم “المعاني”: مكانٌ لحفظ الملفَّات والسِّجلات والوثائق أو أيَّ مواد لها أهمية تاريخيّة.

*     *     *     *

في تصوّرٍ ما، كان من الممكن أن يكون عام 2020 عامًا احتفاليًا، يختتم فيه لبنان الكبير مئويته الأولى، لولا أنّ مئة عامٍ من العنف والإهمال لا يمكن أن تتبدد في فضاء البلد، مهما وسع. كان يمكن لهذا التصوّر الذي سيبدو سرياليًا بدوره أن يشمل استعراضًا لتاريخ البلاد ومحطاته: بيروت داخل السور وبيروت خارجه، تاريخ الكهرباء فيها أو شبكة النقل المشترك، روايات أهلها مع الترامواي وساحاتها ومقاهيها، تحوّلات اهتمامات سكانها وحركاتهم الاعتراضية وتجمّعاتهم وتنوّعهم… لكنّ هذا التصوّر غير منتمٍ لمشهدٍ عام تشكّل في الأعوام المئة الأخيرة، واحتوى أشكالًا كثيرة من قلّة الرفق أو العنف كما عرّفه “لسان العرب”، ومن استخدام القوة أو العنف الممنهج كما التعريف القانوني (أعلاه).

بعد مئة عامٍ، من داخل سور المدينة التي تحوّلت وتفتّحت خارج سورها، خرجت بيروت، كعاصمة، ابنة لمرفئها. وناسها – من سكانٍ مقيمين ومارّين – أصبحوا مكانها لحفظ الوثائق، أو حَمَلَة أرشيفها، بحسب معجم “المعاني”، من خلال معايشتهم أيامها المهولة في عام المئوية. وقد لعب أهلهم وأجدادهم هذا الدور من قبل خلال أحداثٍ كثيرة طالتهم، وكان عليهم بطريقةٍ أو بأخرى التعامل معها: من مجاعة ما قبل الدولة، إلى معارك متفرّقة وأزماتٍ وإضراباتٍ وانقطاعٍ للخدمات العامة، ونزوحٍ واستقبالٍ للنازحين، وعدوانٍ متواصل وانفجاراتٍ متصلة، واختفاء مواد استهلاكيّة وغلاء أسعارِ أخرى… وشعورٍ متلازمٍ بالفقد أو بالملكية المؤقتة.

بيروت ليست بيتًا دائمًا

سواء للمقيمين أم المارٍّين، تعمد بيروت دومًا إلى الإعلان عن أنها ليست بيتًا دائمًا لأحد، أو يُحجم ناسُها عن ربط مسارهم بها. وهي قد حملت وناسها خوفًا وضررًا وتماهيًا مع ما ألِفته من دمار. تجمعُ بيروت هذا الخوف في فضائها، وتكرّس له غالبية مساحتها حتى لا تعود تتسّع لأحد.

تتكّرر قصصٌ كثيرة عن أشخاص تركوا بيوتهم بسبب حريق أو هدم أو قصف أو هجرة أو نزوح، أو بسبب فقدان العمل وعدم تمكّنهم من دفع الإيجار. وتبدو القصص قطعًا صغيرة من قصّة واحدة ممتدة وسعَ الفضاء. يصف الناس فيها ما خسروا. يراقبون بيوتهم تُرمّم، ثم يلحظون تغيّر معالمها ومعالم حياتهم معها، كما لو أنها ليست تلك التي طالها الانفجار المهول. هكذا، يتحوّل ناس بيروت إلى مكان يُحفظ فيه الأرشيف، إذ لا يوجد مبنى في فضاء المدينة لحفظه. فيما فضاء بيروت يتسع ويضيق، ويتغيّر باستمرار بالضدّ من الرفق والألفة. ثمّ يأتي إعلانها بعد كلّ حدث كبير مدوّيًا: هذه المدينة ليست بيتًا دائمًا.

في أشهر التظاهرات الأولى بعد 17 تشرين 2019، صار النزول إلى الشارع روتينًا يوميًا للآلاف. لكن الأمر كان كسرًا للروتين إن نظرنا إليه من زاوية وسط بيروت،حيث امتلأ الأخير على غير عادةٍ بالناس، وربّما استعاد دوره كـ”وسطٍ للبلد”، واستعاد الناس مساحتهم فيه. لكنّ حلقة الروتين وكسره في بيروت لعبة مستمرة. إذ سريعًا ما يعود الوسط فارغًا، وينكفئ الناس عنه إلى روتينهم السابق في أحياء أو مناطق تبعد مئات الأمتار لا أكثر.

وفي الروتين وكسره قصص أخرى عن البحث عن الدواء وعن السلع اليومية التي تختفي في أسواق بيروت في العادة، ولكنّها اختفت بشكلٍ دراميّ منها في عام المئوية، واختفت معها أموال ناسها في المصارف. ومع هذه المتغيرات تغيرت يوميات الناس كذلك، فأصبحوا فجأةً أمام عملٍ يوميّ إضافيّ يتمثل بجملة من المحاولات: من محاولة إيجاد دواء، إلى محاولة سحب المال من المصرف، ومحاولة استبدال السلع المفقودة بأخرى، علمًا بأن هذه المحاولات تكاد تصبح روتينًا بدورها، بسرعة توازي سرعة الترميم البائس للبيوت المتضرّرة من جراء الانفجار الكبير.

نحن أرشيفُنا الزائل

مرفأٌ، و218 قتيلًا في انفجاره، وحوالي 7,000 جريح و77,000 وحدة سكنية متضرّرة (بحسب تقرير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”). قتلى وجرحى في التظاهرات وفي عراكات في الأحياء وعند محطات البنزين، وانتحارُ عدد غير محدّدٍ من الأشخاص من جرّاء الأزمة الاقتصادية. قتيلٌ من المُنقذين خلال الحريق الكبير الذي التهم مساحات سهلية وجبلية قبل أيام، واحتراق وحدات سكنية ومدارس وأحراش. أما عدد وفيّات جائحة “كوفيد” في عموم البلاد فقارب 8,000، من بين نحو 570,000 مصاب مسجّل. هذا اختزالٌ سريعٌ للأرقام.

خلال عام، تحوّل الناس وفضاءُ المدينة وما طاله من شظاياها إلى ما يشبه أوراق الأرشيف الزائلة (ephemera)، التي تحمل معلوماتٍ يومية كأسعار الخضار أو العملة، وهي – في حالتنا – سريعة التغيّر والتقلّب، وغالبًا ما لا تعطيها الأرشيفات الرسمية حيّزًا واسعًا في عمليّة التوثيق، ولكنّها أوراق تاريخيّة إن جُمعت، تخبر قصة مدينة شهد أهلها والعالم على دمارها الثامن في مئوية دولتها.

أوراق الأرشيف الزائلة هذه تخبر عن ناس بيروت وتحوّلات حياتهم اليومية، وعن عنفٍ مرافق لم يُبقِ لهم الكثير من احتمالاتِ خلق مساحات جديدة. في الأرشيف الزائل ذاك يسرُد كثير من سكّان المدينة محاولاتهم الدؤوبة للاستمرار أو الهجرة. يخبرون عن آمال علّقوها على حركات اعتراض لم تلبث أن أنتجت إحباطًا إضافيًّا. يفصّلون احتجاجهم على سلطة غير عادلة وعلى ترميم عشوائي للبيوت والذاكرة، ويُظهرون تقديرهم لمبادرات فردية وجمعية أدّت أدوارًا مساعدة. وهم، إذ يفعلون كلّ ذلك، يستعدون لطيّ عام جديد من الجنون، من الروتين وكسره، ومن إعادة تشكّل نمط علاقات مع فضاء المدينة، لم تتضّح معالمه بعد.

 
×