تعد أعمال العنف التي تُؤدَّى على نحوٍ منمّط من سمات ثقافةٍ تقوم على التقليد والتكرار والنسيان.

جيريمي غرين في “Disaster Footage: Spectacles of Violence in DeLillo’s Fiction”

إن مشاهد الفوضى التي رأيناها في الكابيتول لا تمثلنا. ما نشهده هو عددٌ صغيرٌ من المتطرفين الخارجين عن القانون. ليست هذه بمعارضة بل فوضى، وهي أقرب إلى الشغب، وعليها أن تنتهي الآن.

جو بايدن تعليقاً على أحداث “كابيتول هيل”


هل يمكن تبرير أعمال العنف والفوضى والدمار في حال حدثت في سبيل تحقيق “الديموقراطية”؟ ومَن الذي يحدد “ديموقراطية” الأحداث من عدمها؟ ومن يميزها عن الشغب أو القمع أو الانفلات؟ ما جرى في واشنطن منذ بضعة أيام كان شغباً بالتأكيد، ولكن لِمَ ابتهج البعض بحصوله؟ ولِمَ أعرب كثرٌ عن هول ما يرونه من لقطات الشجار والتخريب، لكنهم لم يأبهوا لأيّ من مشاهد الدمار أو الخسائر عندما حصلت في مؤسساتٍ في بلادهم ذاتها، بل ربّما فرحوا لها؟ ومن أين تأتي ثقة أولئك العمياء بـ”دولة المؤسسات والقانون” في أميركا؟

مرة أخرى تجبرنا الولايات المتحدة وتأثيرها الجاثم فوق مختلف نواحي حياتنا اليومية على طرح أسئلة كهذه، خاصةً أنها استولت على الديموقراطية وتمثيلها حول العالم لتصبح الوكيل الحصري الذي يسمح للدول الأخرى ادّعاء الديموقراطية أو يحرمها منه. ومن هذا المنظار يمكن فهم شماتة البعض عندما بدأت صور “غزوة الكونغرس” وأخبارها بالانتشار، كما يمكن بالقدر ذاته استيعاب الراحة التي شعر بها البعض الآخر عند عودة استتباب الأمن في واشنطن وتأكيد الجميع على الخيار الديموقراطي. ولكن، قد يحتاج الجزم بهشاشة الإمبراطورية الذي أبداه بعض المتابعين، أو الابتهاج برسوخ المؤسسات والتقاليد الديموقراطية في أميركا الذي أعرب عنه كثير من المعلقين إلى ترك ما نرغب بحدوثه، والتعمّق أكثر في مقتضيات الواقعية السياسية، وفي آليات العمل السياسي في أميركا والتغييرات والتعقيدات التي طرأت عليه خلال الأعوام الماضية.

الولايات المتحدة بلدٌ تاريخه إشكالي ويسود فيه العنف والشقاق الأهلي، فيه مدن ساحلية قلبها مزدهر بالمال والتجارة، تطوّقها أحزمة الفقر والنزوح والجريمة، ويجاورها ريف داخلي يعاني تنموياً ومجتمعياً. وهو بهذا المنظار العام يشبه الكثير من دول العالم الثالث، ولكنه في الآن ذاته البلد الأول بالقوة العسكرية وميزانيات التسلح والبحث العلمي، ومركز الثقل الاقتصادي والمالي والتكنولوجي في العالم، بالإضافة إلى وجود بنى وتقاليد دستورية وقانونية راسخة تختلف عن معظم الدول الأخرى حتى الغربية منها. وإذ تظهر أحد أشكال إساءة التقدير لدى من يتابع السياسة الأميركية في ذلك التأرجح بين الإيمان بصلابة الولايات المتحدة القصوى والأمل بهشاشتها الكامنة، يبرز الخطأ الأكبر في مقاربة ما يحصل اليوم في أميركا من مظاهرات وقراءته كمقارنة مع ما حدث طوال العقد الماضي في سوريا ولبنان ومصر واليمن وليبيا وغيرها من منظور الصراع على الديموقراطية ولأجلها أو رسم تصرفات ترامب على أنها معادلة لصورة “الديكتاتور الآتي على ظهر دبابة” التي ما يزال بعض الصحافيين العرب يعشقون استخدامها.

أراد الجمهوريون “عرض العضلات” بعد سنواتٍ من سيادة الديمقراطيين الليبراليين عبر إدارة باراك أوباما، وسنوات من الحروب السياسية والإعلامية والإدارية طوال فترة إدارة ترامب

تعيش الولايات المتحدة اليوم، مثلها كمثل العديد من دول المركز الغربي الأخرى ودول الأطراف ذات الديموقراطية الوليدة أو الهجينة، أزمة تمثيل. وكما أن أفلاطون منذ آلاف السنين رفض الديموقراطية واعتبرها نظام الحكم الذي يأتي بالرأي والعاطفة ويفضلهما على المعرفة والخبرة، تعيش المجتمعات البشرية اليوم مرحلةً يشعر كلّ فردٍ فيها بأن آراءه جديرة بالطرح، بل وبالتطبيق، بغض النظر عن صوابها أم لا. ويعود ذلك بشكلٍ أساسي لانتشار منصاتٍ مفتوحةٍ عديدة رسّخت ديموقراطية الرأي وحرية التعبير عنه، إلّا أنها أيضاً سمحت لأيّ كان بإبداء الرأي في المسائل السياسية والعلمية والمجتمعية الحساسة من دون المرور بهرمية المراجعة والخبرة التي تقتضيها عادة المؤسسات الحزبية والأكاديمية والإعلامية. وضمن نظام الديموقراطية الاقتراعية البحتة، يعدّ صندوق الانتخاب هو الوسيلة التوافقية التي يرتضيها مجتمعٌ ما للقبول برأي الأغلبية، حتى ولو كانت بأفضلية واحدٍ في المئة لا غير. ولكن في حال ازدادت حدة الاستقطاب المجتمعي – كما هو حاصل اليوم في أميركا وغيرها – ولم يعد الناس مقتنعين بأفضلية من يحصل على أصواتٍ أكثر، فإن هذا التوافق يسقط أمام أول امتحان.

ولهذا، فإن صندوق الانتخاب بحد ذاته ليس هو الشكل الأمثل للديموقراطية، فهو من أتى بدونالد ترامب رئيساً، وعاد ومنحه عشرات ملايين الأصوات في الانتخابات الأخيرة. وهنا يورد متابعو الشأن الأميركي أهمية المؤسسات والقانون في ترسيخ دور الديموقراطية. فالمحكمة الدستورية العليا التي يسيطر عليها اليوم التيار المحافظ والتي عين ترامب ذاته ثلاثة من قضاتها أقرّت نتيجة الانتخابات وفوز بايدن على عكس ما أراد ترامب، فيما شدّد عددٌ من الجنرالات، “جمهوريين” و”ديمقراطيين”، على حياد الجيش وعدم إدخاله في الصراعات السياسية الداخلية. وعلى الرغم من صحة هذه الأخبار إلا أنها ما تزال غافلة عن التوتر المجتمعي الذي يحرك الجماهير في الشارع، كما الأفراد ضمن المؤسسات. إثر انتشار صور وتسجيلات الخرق الأمني في “كابيتول هيل” أشار العديد من المراقبين إلى الفرق بين تعامل حرس المبنى والشرطة الصبور مع مؤيدي ترامب وبين تعاملهم العنيف مع مؤيدي حركة حقوق السود على سبيل المثال. وقد بين العديد من التقارير حصول تهاون أمني عام (وربما غض نظر) في التصدي لمظاهرةٍ تتجه إلى قلب منظومة الحكم في البلاد، وليس إلى دكانة حلوى يمكن لمن يشاء الدخول إليها ببساطة وأخذ ما يحتاج. فيما أشارت تقارير أخرى إلى مشاركة أفراد من الشرطة أو الجيش من مدنٍ أخرى في التظاهرات بصفتهم المدنية الشخصية.

أما على المستوى السياسي، فيبدو من السذاجة السياسية بمكان الاقتناع بأن ما حصل في السادس من كانون الثاني/يناير كان يهدف فعلاً إلى قلب نظام الحكم في الولايات المتحدة، أو حتى إلى قلب نتيجة الانتخابات بغض النظر عمّا اعتقده الدّهماء ممن اقتحموا “كابيتول هيل”، ولكن من الصعب تصديق أن أقطاب “الحزب الجمهوري” يريدون تقويض الديمقراطية وسلطة المؤسسات والقانون دعماً لواحد من أسوأ مرشحيهم. هم أرادوا “عرض عضلات” جمهورهم اليميني المحافظ بعد سنواتٍ من سيادة الديمقراطيين الليبراليين عبر إدارة باراك أوباما، وسنوات من الحروب السياسية والإعلامية والإدارية طوال فترة إدارة ترامب الذي ما يزال حتى اليوم يمثل لهم الأداة الأفضل لحشد التأييد وتحريك المحازبين المتعصبين. ولكن لأن الهدوء والقبول بما ترتأيه “الإستابلشمنت” وتجنب “نشر الغسيل القذر أمام الجيران” من مسلّمات العمل السياسي في أميركا، فقد هال الإعلام الأميركي رؤية ذلك العرض الجمهوري الأرعن، وسارع إلى شن حملة مكثفة كان عنوانها البرّاق “هجوم مفجع على الديمقراطية الأميركية” وتحذيرها الضمني “العالم يتفرج”.  ولأن الأصوات المدينية الليبرالية تسيطر على جلّ الإعلام الأميركي السائد (mainstream media)، يشعر أغلبية البيض المحافظين وساكني الأرياف في الغرب الأوسط، والملايين من ذوي الدخل المنخفض (حوالي 12 بالمئة من السكان) الذين يضطرون إلى اللجوء للمعونات الغذائية الحكومية (Food Stamps) بالتجاهل والاستبعاد. من هؤلاء من أراد إسماع صوته بشكل مباشر بعدما أقنعه ترامب أن صوته الانتخابي قد سرق منه لأنه أراد خدمتهم وجعل “أميركا عظيمة مرة أخرى”. يشكل هؤلاء، إلى جانب أغلبية السود المضطهدين وجحافل الفقراء والمهاجرين، أغلبيةً صامتة حتى الآن تنتظر تحسّناً يطرأ على حياتها مع كل انتخابات جديدة، وتتابع إعلاماً يثير قضاياها في حال اختلف مع الإدارة، ولكنه يسعى إلى مصالحتها مع الواقع في حال كان على وفاقٍ مع “إدارة جيدة” كما كان حال فترتي باراك أوباما على سبيل المثال.

ومن المهم هنا الالتفات إلى الإحصائيات في أميركا التي تشير إلى تسجيل شراء أكثر من 12 مليون قطعة سلاح فردي في الشهور الستة الأولى من عام 2020 في بلدٍ يقتني حوالي 40 في المئة من سكانه سلاحاً، فيما تقدر مؤسسة الدراسات السويسرية Small Army Survey امتلاك المدنيين الأميركيين حوالي 393 مليون قطعة سلاح. تتقاطع هذه الأرقام مع واقع أن ترامب نال أكثر من 74 مليون صوت بما نسبته حوالي 47 في المئة من الأصوات الانتخابية، وكذلك مع تقرير أعده “مكتب التحقيقات الاتحادي FBI” ووصل إلى محطة “أي بي سي” يشير إلى عزم مجموعات مسلحة مناصرة لترامب التدخل بقوة والقيام بانتفاضة هائلة في حال قرر الكونغرس المضي قدماً بإجراءات عزل ترامب خلال الأيام القليلة الباقية له في البيت الأبيض. فلو افترضنا أن 1 في المئة فقط من مناصري ترامب قرروا حمل السلاح وأخذ الأمور بيدهم، فهذا سيعني حوالي 740 ألف شخص مسلّحٍ بالبنادق الآلية كما بأساطير الآباء المؤسسين والمدافعين عن “الحرية والديمقراطية” في بلدٍ يبلغ تعداد الجيش ذاته فيها ما يقارب مليون وثلاثمئة ألف فرد. سنرى حينها تغطية إعلامية قد لا تحمل الكثير من الديمقراطية في عناوينها، ولكنها قد تكون نفسها محمولة على ظهر الدبابات.

 
×