اقتطعت جائحة “كورونا” سنة من حياة البشرية. سلخت منا أيامًا وليالي من الانتظار والترقب والخوف وعدم اليقين. جعلت حياتنا معلقة بين قوسين، ووضعتنا مباشرة في مواجهة الموت الذي اعتقدنا أننا تغلبنا عليه بتقدم الطب ووَهم السيطرة على عوامل الطبيعة. عصفت الجائحة بنا صحياً واجتماعياً واقتصادياً، وعزلتنا جسدياً ونفسياً، ووضعتنا تحت رحمة وابلٍ من المعلومات المضللة والتخبط العلمي والسياسي في إدارة الأزمة.

غالباً ما طالعتنا وسائل الإعلام العالمية بخطابٍ تعميمي من نوع “البشرية جمعاء في مركب واحد”، أو “نحن في حربٍ على عدو غير مرئي”، أو “الوباء لا يعترف بالحدود بين البلدان والطبقات الاجتماعية، ويصيب الأغنياء كما الفقراء”. ولهذا خطاب دلالاته التي تظهر مدى الرغبة في طمس الفروقات الطبقية والاجتماعية وتبرئة الحكومات والأنظمة الاقتصادية والسياسية من مسؤولياتها في مواجهة الأزمات الصحية الكبرى.

كانت السنة هذه أيضاً محلاً للجدل والنقاش وطرح الإشكاليات التي لم تنته بعد حول مستقبل عالمنا بعد الجائحة. هناك من رأى في سياسات الحجر الصحي نهاية للديمقراطيات وتنازل المجتمعات عن حريتها وحقوقها مقابل الحفاظ على البقاء البيولوجي فقط. وهناك من تنبأ بنهاية الرأسمالية. وهناك من توقع تغييرات جذرية في الوعي العام المجتمعي. فماذا يقول لنا تاريخ البشرية الحافل بالأوبئة عن تداعيات الأزمات الصحية على الصعيد الاجتماعي والسياسي؟  وهل كانت لتداعيات الأوبئة الوقع نفسه على جميع الطبقات؟

بات معروفاً أن أوروبا تعرضت على مر تاريخها لأوبئة وجوائح مميتة أشد فتكاً بأشواط من “كوفيد-19″، بدءاً من داء الجُذام مروراً بداء الطاعون الأسود في القرون الوسطى، والزهري في القرن السابع عشر، وصولاً إلى الكوليرا في القرن التاسع عشر والإنفلونزا الإسبانية إبان الحرب العالمية الأولى.

في تحليلٍ مستفيضٍ قام به عالم الإجتماع الهولندي يوهان غودسبلوم ونُشر عام 1987 تحت عنوان “الأوبئة وحضارات الأعراف الأجتماعية“، يستنتج الكاتب أن التغييرات المجتمعية والتحولات الصحية والسياسية التي طرأت بعد كل وباء لم تكن يوماً “عابرة” للطبقات الاجتماعية ولم تساوِ يوماً بين الجميع.

عندما ظهر وباء الجُذام في العصور الوسطى، لم يُفرَض على المرضى “الحجر الصحي” بناء على منهجيةٍ علمية أو طبية، ولم يكن لدى الأوروبيين وقتها معارف بخصوص نظرية العدوى. لقد نُبِذَ المصابون بالجذام وتَم نفيهم لأنهم “موضع لعنة إلهية” واعتُبر هذا المرض عقاباً أنزله الله بهم ثمناً لخطايا ارتكبوها. وُصِمَ المرضى بالعار ومُنعوا من الخروج من منافيهم، وفُرِضَ على المجذومين أن يُعلّقوا في رقابهم أجراساً لإنذار الآخرين بمرورهم. لم يُغير الجُذام شيئاً، لا في العادات الاجتماعية ولا في السياسات الصحية العامة. كان النفي هو الإجراء الوحيد الذي قامت به السلطات آنذاك. كان مَرضى الجُذام يُعامَلون كما المُشردين والمُهَمشين والمُجرمين.

نسبة المُستَخدمين القادرين على العمل عن بُعد في البلدان النامية والفقيرة تتراوح بين 10 إلى 20 في المئة، بينما تصل هذه النسبة إلى 40 في المئة في البلدان الصناعية المتقدمة

مع وباء الطاعون الذي كان أكثر فتكاً من الجُذام، بدأت فعلياً سياسات الحجر الصحي في القرن السابع عشر، واستُبدِلَت سياسات النفي بسياسة الانضباط والمراقبة. قُسِمَت المدن لمناطق، كل منطقة يراقبها حراس يَحظرون على السُكان الخروج من منازلهم ويحصون الموتى ويكتبون تقارير يومية عن واقع الوباء.

كان سكان المدن، خصوصاً قاطنو الأحياء الشعبية، الأكثر تضرراً من هذه السياسات، خصوصاً أن السلطات لم يكن لديها ما تقدمه لهم سوى عزلهم دون أي مساعدة تعينهم على البقاء. وغالباً ما تمرد أبناء الطبقات الشعبية على سياسة الحجر. كان فقراء المدن معتادين على البؤس والموت، وكان الإحساس بالعجز والإستسلام هو السائد. أما أبناء الطبقات الميسورة، فكان بإمكانهم الهروب إلى مزارعهم الريفية واتباع الحكمة المشهورة حينها “اهرُب سريعاً، امكِث طويلاً في الريف، وارجع متأخراً”.

ومع انتشار وباء الكوليرا في القرن التاسع عشر (الأكثر عدوى من الطاعون)، تغيرت الأمور: إذ قاومت الطبقة البرجوازية في البداية فكرة أن الكوليرا تصيبها أيضًا، ورفضت إجراءات الحجر كما أظهرت افتتاحية مجلة “التايم” في شهر آب سنة 1854 بقولها: “نُفَضِل أن نُصاب بالكوليرا على أن نَخضع لقيودٍ بحِجة أن نَبقى بصحة جيدة”.

لكن بنية المدن وتركيبتها في القرن التاسع عشر كانت قد تغيرت، وأصبح من الصعب على الطبقة البرجوازية أن تهاجر برمتها إلى الريف، وصعدت طبقة كاملة من المهندسين والموظفين الفنيين والمديرين والمُرشدين الصحيين. خاطبت السلطات الطبقة البرجوازية بالقول “لا تظنوا أن الهواء الملوث سيقف عند مشارف نوافذكم المرصعة بالرُخام، أو أنه سيغير اتجاهه عند أبوابكم، وتأكدوا أن المرض سيدخل إلى بيوتكم ولن يبقى محصوراً في أحياء العمال”.

لهذه الأسباب مجتمعة، قامت السلطات حينذاك بإنشاء شبكات مجاري الصرف الصحي لأول مرة في تاريخ أوروبا. واتُخِذَت مجموعة من تدابير النظافة الصحية من أجل المصلحة العامة، غير أنها ما كانت لتُأخَذ من أجل “المصلحة العامة” لو لم تكن الطبقة المُهيمنة هي المستفيدة الأولى منها. بل إن غودسبلوم يذهب أبعد من ذلك بالقول “لا يمكننا حتى الاستنتاج بأن الوباء هو الذي كان وراء إنشاء شبكة الصرف الصحي، بل نشوء طبقة المهندسيين والفنيين التي وصلت إلى مراكز القرار آنذاك”.

لم يمر وباء الكوليرا من دون توتراتٍ شعبية وتمردٍ ضد السلطات، ويذهب بعض علماء الاجتماع إلى ربط انتفاضة سنة 1832 التي هزت العاصمة الفرنسية بالنتائج الاجتماعية والاقتصادية لطريقة إدراة أزمة وباء الكوليرا، التي خلدها الروائي فيكتور هوغو في رواية “البؤساء”.

تُبَين لنا هذه المراجعة التاريخية السريعة أن سياسات إدارة الأزمات الصحية كانت دائماً في خدمة الطبقات المُهيمنة أو لمَصلحتها، ولم تختلف الصورة كثيراً مع إدارة أزمة وباء فيروس “كورونا” في عشرينيات هذا القرن. فُرِضَ الحجر الصحي على مليارات البشر، واعتُمِدَ على أنه خشبة الخلاص الوحيدة القادرة على إنقاذنا لتغطية عَجز الأنظمة الصحية وخصخصتها وجَعلِها رَهن مَنطِق الرِبح. أُلقيَت مسؤولية احتواء الوباء على الأفراد، ولم تتوان وسائل الإعلام عن تقريع الناس وتأنيبهم واتهامهم بالغباء تارةً، أو بانعدام تحمّل معنى المسؤولية “الأخلاقية” تارة أخرى. ولنا أن نضيف إلى وباء “كورونا”، سياسة “فردنة” المشاكل الهادفة إلى طَمس القيود والفوارق الاجتماعية التي تَجعلنا غير متساوين، سواء في تداعيات الحجر الصحي الاقتصادية، أو في مدى القدرة على الالتزام بالحجر. لِنَدَع الأرقام تتكلم:

  1. نسبة المُستَخدمين القادرين على العمل عن بُعد في البلدان النامية والفقيرة تتراوح بين 10 إلى 20 في المئة، بينما تصل هذه النسبة إلى 40 في المئة في البلدان الصناعية المتقدمة مثل الولايات المتحدة الأميركية والسويد. وقد دفع عدم قدرة العمل عن بُعد بالكثيرين إلى خَرق الحجر لتأمين لقمة عيشه. فهناك فئات اجتماعية واسعة مثل العاملين في القطاع الصحي وعُمّال السوبرماركت وقطاعات المطاعم والنقل والمُياومين في قطاعات الحضانة والنظافة (من المفيد التذكير بأن نسبة النساء العاملات في هذه القطاعات عالية) غير قادرة على العمل من “المنزل”، وهي مُضطرة للتنقل وكَسر الحجر الصحي، ولذلك تجد نفسها مُعرَضة للعدوى بالمرض أكثر من الفئات الأخرى.
  2. أَظهرت دراسات حديثة لمنظمة “الإسكوا” التابعة للأمم المتحدة أن أكثر من 8,3 ملايين شخص سيقعون في براثن الفقر في العالم العربي بسبب جائحة “كورونا”، كما ستَخسر المنطقة حوالي 1,7 مليون وظيفة على الأقل. جُلّ هذه الوظائف تَعني الطبقات المهمشة، هذا فضلًا عن انكماش الطبقة الوسطى.
  3. خَسِر طلاب المدارس في البلدان ذات الدخل المتدني والمتوسط أكثر من أربعة أشهر من التعلم مقابل فقدان ما يقارب ستة أسابيع فقط في البلدان ذات الدخل المرتفع. وأول المتضررين من إقفال المدارس هم أبناء الطبقات الشعبية غير القادرين على تأمين مستلزمات التعلم عن بعد.

تُبَين هذه الأرقام بوضوح أن نتائج الجائحة متفاوتة بين الطبقات صحياً واقتصادياً واجتماعياً وتربوياً. يَظهر هذا التفاوت بين بلدان الجنوب وبلدان الشمال، كما يَتجلى بين الطبقات في المجتمع الواحد. هل هذا التفاوت سيؤدي إلى ثورات اجتماعية وتغييرات سياسية جذرية؟

في دراسة أجراها صندوق النقد الدولي مؤخراً، تناولت العلاقة بين انتشار الأوبئة والاضطرابات الشعبية في 130 بلد منذ سنة 1985، تَظهر علاقة واضحة بين اندلاع الانتفاضات الشعبية وانتشار الأوبئة، وإن أتت هذه الانتفاضات بعد احتواء الوباء وليس خلاله.

هل تسمح هذه المعطيات لنا بتوقع ثورات اجتماعية بعد احتواء “كوفيد-19″؟ ربما من المبكر التنبأ بما سيحصل، وقد لا يكرّر التاريخ نفسه، لكن من المؤكد أننا لسنا متساوين أمام الفيروس، وأن الطبقات الشعبية هي من يدفع الثمن دائماً، وأن الخطاب التعميمي الذي يساوي مصائر الناس بوجه الجائحة إنما هو اجترار لخطاب السلطات والطبقات الحاكمة، والتي غالباً ما تستثمر في الأزمات وتسيرها لمصلحتها.

قد لا يميز الفيروس بحد ذاته بين غني وفقير، لكن نتائجه تميز.

 

من ملف: “عامٌ على الجائحة”

 
×