Image Credit: Mahmut Geldi/Anadolu Agency via Getty Images

ليست المشكلة في لبنان سياسية بقدر ما هي مشكلة ثقافية. وما الأزمات السياسية المتتالية التي يواجهها البلد إلّا أعراض لأزمة ثقافية كامنة في الوعي السياسي.

الإشكالية الأصعب التي تواجه الثقافة السياسية هي الاغتراب التاريخي عن فكرة الدولة. وفي ذلك شيءٌ من إرث الحقبة العثمانية لمواطني هذه البقعة من الأرض، حيث “الدولة” كانت بعيدة ونحن لسنا إلا عند أطرافها. ومن جرّاء بعد الأطراف عن مركز الدولة، لُزّمنا إلى مجموعة من جامعي العسكر ومقتطعي الضرائب، سمّوا “المقاطعجية”.

المقاطعجية بعد ذلك أصبحوا زعماء. والزعيم لا كلمة له في تنظيم أمور المجتمع، فهو ليس مسؤولًا، والإدارة تعود إلى مركز الدولة العثمانية البعيد، بينما يتمثل عمله الفعلي بالتموضع تجاه هذه الدولة، عاملًا في خدمتها أو في خدمة أعدائها.

انهارت السلطنة، الدولة، وبقي الزعيم يجمع المال والعسكر ويبحث عن دولة عوضًا عن تلك الضائعة. ومذّاك، كلما مر على لبنان محتلٌ، مباشر أم بالوكالة، أصبح للبلد بابٌ عالٍ يدير شؤونه. وكلما مرّ لبنان بمراحل أكثر استقلالًا، تقاتل الزعماء المقاطعجيون للحفاظ على نفوذهم وتوسيعه.

وبرغم الاعتراض على الإرث الثقافي لحكم المقاطعجيين، منذ “عامّيّات” بداية القرن التاسع عشر، مرورًا برواد النهضة العربية، وصولًا إلى الحركات النقابية والطلابية والسياسية في ستينيات القرن العشرين، فقد نخرت ثقافة المقاطعجية جزءًا كبيرًا من حالة الاعتراض، أقلّه منذ الحرب الأهلية وصولًا إلى يومنا هذا، ربما بفعل إنهاك الهزائم، أو قوة الإغواء لفكرة الانضمام إلى السلطة. ومن معالم هذه الثقافة أن المقاطعجي ليس مسؤولًا عن أي إدارة وطنية، بل إن مهمّته تكاد تكون “محلية”، وما السياسة إلا فعل انتظار لأوامر الباب العالي الذي، في غيابه، تحل مكانه توافقات المنطقة أو خلافاتها.

من هنا، أصبحت السياسة بالنسبة لأهل السلطة كناية عن رصد أحداث. وباتت هذه الأحداث تسيّر عجلة التاريخ، الذي لا حول لنا أمامه ولا قوة، سوى تحيّن تحوّلاته بغرض التموضع أمام أمواجها بشكل أفضل، كما لو أن لا قدرة محلية على إحداث تغيير أو إنجاز. هكذا، يصبح تاريخنا بمثابة أحداث منفصلة عن بعضها البعض. فالحرب الأهلية “أحداث”، والاغتيالات “أحداث”، وتأليف الحكومات “أحداث”، وهذه الأحداث أسبابها خارجية قاطبة.

اقتصار الحركة الاعتراضية على تحيّن الأحداث، لا يسمح بالمراكمة لتغذية تجمّع معارض ومشروع سياسي ينمو من “حدث” إلى آخر

المنطق هذا ينسحب على سلوك بعض معارضة ومعارضي النظام أيضًا. فـ”الربيع العربي” كان “الحدث” الذي شجّع على تنظيم حملة “إسقاط النظام الطائفي” عام 2011، ولمّا تعقّدت رواية “الربيع” هناك، تعقّدت مفاعيل الحدث هنا. وتجمّع النفايات في الطرقات كان “الحدث” الذي أطلق مفاعيل الحركة الاحتجاجية عام 2015 قبل أن تُرمى النفايات في الأنهار وأعماق البحر وتُدفن في أماكن بعيدة عن الأعيُن، لينتهي “الحدث المؤسس” ذاك ومعه حالة الاعتراض. والانهيار المالي كان “الحدث” الذي أشعل تظاهرات “17 تشرين”، التي ووجهت بالقمع والترهيب والتخوين، ومن ثمّ ببناء قنوات زبائنية جديدة تساوقًا مع حاجات الانهيار، تبدأ بتوزيع الأرز والسكر، وتصل إلى توزيع لقاحات “كوفيد19”.

لا شكّ أن تحيّن الأحداث أمر ضروري لكلّ حركة معارضة، لكن اقتصار الحركة الاعتراضية على ذلك، كما لو كانت الأحداث منفصلة عن بعضها البعض، لا يسمح بالمراكمة لتغذية تجمّع معارض ومشروع سياسي ينمو من “حدث” إلى آخر. وفي هذا السلوك شيء من إرث الثقافة السياسية “المقاطعجية” بمعنى ما.

في 4 آب 2020، أصبح الانفجار المهول في مرفأ بيروت “الحدثَ” الكبير الذي يُعوّل عليه لاستعادة زخم انتفاضة 17 تشرين. اليوم، بعد سنة من الواقعة، تحلّ ذكرى الجريمة هذه، ويقف اللبنانيون أمام “الحدث”، فيما البلاد تبدو كما لو كانت في مهرجان كبير.

لم تخُن الوقاحة أركان السلطة، كالعادة. فها هم يتعاملون مع الحدث، أو ذكراه، كما لو كانا تاريخًا منفصلًا عمّا سبقه وما تلاه. وأصبحت سلطات دينية سبق أن حمت أهل السلطة السياسية، مشاركًا أساسيًا في إحياء الذكرى، ومطالبًا شرسًا برفع الحصانات عن المسؤولين، وهو أمر ينطبق على بعض أهل السلطة المدَّعى عليهم في هذه القضية تحديدًا. حتى المصارف أغلقت أبوابها حدادًا، وهي أوّل المحصّنين من المحاسبة أو المساءلة حول الخسائر وتبديد أموال المودعين.

اليوم، لا يتمثل التحدي الأساس للفعل المعارض في إحياء الذكرى، ولا في تحيّن هذا الحدث بحثًا عن زخم ما للتعويض عن فقدان الرؤيا والمشروع والقدرة، بل في التغلب على ثقافة السلطة السياسية عينها وفي مكافحة تسرّبها إلى الراغبين بالتغيير، حتى لا يصبح العمل السياسي فعلًا انتظاريًا قائمًا على تحيّن الأحداث، وعلى ترقّب الصراع بين أهل السلطة بدلًا من منازلتهم، وعلى الرهان على الخارج بدلًا من حشد المجتمع.

من ينتظر من “حدث” 4 آب 2021 تغييرًا ما، سيجد نفسَه في الخندق ذاتِه مع تجار الدم من أهل السلطة الذين سيحتلون الشاشات والطرقات تمهيدًا لخوض الانتخابات النيابية – إن حصلت – وتبييضًا لوجوه عبر افتعال صراعات مقاطعجية بلبوسٍ طائفي.

في 4 آب، نستذكر جريمة صنّاعها واضحون. غير أن التغيير الذي لا يُحشد له على مدار العام، لن يحصد حتمًا من خلال “حدث” آخر.

المزيد من هذا المؤلف

 
×