تُلقي مشكلة الفجوة الضخمة بين الارتفاع المستمر للأسعار والثبات النسبي للأجور، ضوءًا ساطعًا على الندوب التي يعاني منها الاقتصاد السوري خلال الحرب، حيث تآكلت القدرة الشرائية للأجور (كمية السلع والخدمات التي يمكن شراؤها) بنسبة 60% مقارنة بما كانت عليه في العام 2010، ما يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للمخاطر، ويزيد من احتمالات تعرضه لسلسلة من الصدمات.

يشتغل في سوريا في القطاعين العام والخاص نحو 2.5 مليون عامل بأجر، يحصل معظمهم على مدخول يقع دون خط الفقر العالمي (1.9$ يوميًا للشخص الواحد)، أي أن نحو 12 مليون نسمة (معدل الإعالة خمسة أشخاص)، يعيشون دون خط الفقر، وهو ما يفسّر اتساع مساحة الفقر لدى طبقة العمال وأسرهم.

وما لم تنجح الحكومة في تجسير الفجوة بين الأسعار والأجور، لن تتباطأ عملية التعافي الاقتصادي فحسب، بل سترتفع معدلات الفقر وتزداد نسب عدم المساواة وينعدم الأمان النفسي لمئات آلاف الأسر التي تنتمي إلى الطبقة العاملة، ويتعرض الكثير منها لمخاطر الجوع، وستكون تكاليف السلوكيات الاجتماعية الناجمة عن هذه الظروف أكبر بكثير من تكاليف تجسير الفجوة.

فلسفة الحد الأدنى للأجور

يعتقد كثير من الناس أن الحد الأدنى للأجور عبارة عن أقل أجر قانوني يتقاضاه العامل. هذا الاعتقاد صحيح، لكن المعنى الحقيقي للمفهوم يتجاوز ذلك بكثير. فالحد الأدنى للأجور قضية أخلاقية واجتماعية وسياسية قبل أن تكون اقتصادية. وهو جزء من سياسة الحماية الاجتماعية التي تعكس كيفية تفكير الحكومة بطبقة العمال، وما إذا كانت تراهم مجرد تكلفة من تكاليف الإنتاج مثل الوقود، أم بشر لهم كرامات واحتياجات أساسية ينبغي تلبيتها مثل الغذاء والمأوى والرعاية الصحية.

في 3 كانون الثاني من العام 1976، صادقت سوريا على “العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”، الذي يعتبر أن “الحق في العمل أساسي لتحقيق حقوق أخرى من حقوق الإنسان، وهو جزء لا يتجزأ من كرامة الإنسان ومتأصل فيها. ولكل إنسان حق في أن تتاح له إمكانية العمل بما يسمح له بالعيش بكرامة. وفي الوقت نفسه، يساهم الحق في العمل في بقاء الإنسان وبقاء أسرته، كما يساهم، في حال اختيار العمل أو قبوله بحرية، في نمو الإنسان والاعتراف به داخل المجتمع…”.

اليوم، وبعد 46 عامًا من التوقيع على العهد، أصبحنا نادرًا ما نجد في سوريا من يعمل في وظيفة واحدة تسمح له بالعيش بالكرامة، وهو ما يضطر العمال إلى العمل في بيئة وشروط عمل وعدد ساعات لا تضمن حقوقهم، ولا تساهم في نموهم، علمًا بأن الدستور السوري نص في المادة /40/ منه على “….أن لا يقل الحد الأدنى للأجور عما يضمن متطلبات الحياة المعيشية وتغيرها”.

أي انخفاض في الحد الأدنى للأجور عن الأجر المعيشي يعني مزيدًا من الفقر وتعزيزًا لعدم المساواة والفوارق الاقتصادية

وبرغم صدور زيادتين للرواتب والأجور، شكل مجموعهما 95% خلال ستة أشهر (ليصبح لحد الأدنى للأجر  92970 ل. س. شهريًِا)، إلا أن العمل عند الحد الأدنى “الجديد” بوظيفتين، وبدوام كامل، لا تخول صاحبه دفع إيجار سكن في غرفة واحدة حتى.

هل يستطيع الحد الأدنى الجديد للأجور أن يلبي متطلبات الحياة المعيشية؟

برغم سذاجة السؤال وبديهية الجواب، إلا أن إلقاء نظرة فاحصة على الأرقام تظهر مدى المخاطر التي تحيق بالسوريين.

إذا اعتبرنا أن خط الفقر العالمي يعكس متطلبات الحياة المعيشية لما يلزم الشخص الواحد لتحمل تكاليف السكن والغذاء ورعاية الأطفال والرعاية الصحية وغيرها من الضروريات (1.9$ يعادل 4750 ل. س. عند سعر الصرف الرسمي 2500 ل.س. /$)، فهذا يعني أن الحد الأدنى للأجر لرب الأسرة “الموظف” يجب أن يكون 712500 ل. س.، أي أن رب الأسرة يحتاج للعمل  62 ساعة يوميًا عند الحد الأدنى للأجور ليتمكن من تلبية متطلبات المعيشة.

بمعنى آخر، يتوجب على رب الأسرة “الموظف” أن يعمل في 8 وظائف بدوام كامل عند الحد الأدنى “الجديد” للأجر، ليتمكن من إبقاء أسرته عند خط الفقر، وليس أعلى منه.

الحد الأدنى للأجور والتضخم

ولفهم الحد الأدنى للأجور، من المهم أيضًا تفحص المسألة ربطًا بالتضخم. ما هي القوة الشرائية للحد الأدنى للأجور بمرور الوقت؟

إذا لجأنا إلى إعادة احتساب الحد الأدنى للأجور المطبق في العام 2010، والبالغ 6010 ل. س. شهريًا وفقًا للتضخم، سنجد أن الحد الأدنى للأجور لرب الأسرة “الموظف” يجب ألا يقل عن 863000 ل. س.، وذلك عند مؤشر أسعار المستهلك للعام 2020 البالغ 2871.06. أما عند مؤشر أسعار الأغذية والمشروبات غير الكحولية البالغ 3680.29 – باعتبار أن دخل المواطن بات يُنفق بالكامل على هذا البند – فيجب أن يصبح الأجر المعيشي 1.1 مليون ل. س.، وبما أن عام 2021 شهد ارتفاعًا كبيرًا في الأسعار مقارنة بالعام 2020، فهذا يعني أن الحد الأدنى للأجور يجب أن يكون أعلى مما ذكر.

وأي انخفاض في الحد الأدنى للأجور عن الأجر المعيشي يعني مزيدًا من الفقر وتعزيزًا لعدم المساواة والفوارق الاقتصادية. وعلى هذا النحو لا يمكن أن تكون سياسة الحد الأدنى للأجور أداةً ناجعةً من أدوات الحماية الاجتماعية.

أما إذا تمت إدارة الحد الأدنى للأجور بفعالية، بحيث يمكن من خلالها تجسير الفجوة مع الأجر المعيشي، فسيؤدي ذلك إلى تقليص الفقر وتحقيق فوائد اجتماعية واقتصادية كبيرة. إذ إن زيادة الحد الأدنى للأجور إلى ما هو أعلى من مستوى المعيشة، هو أمر حيوي للأمن الاقتصادي لسوريا، وسيكون ذلك مفيدًا لاقتصادنا المنهك.

إذا كانت الحكومة السورية تأمل حقًا في الوفاء بوعدها بتحسين مستوى المعيشة للمواطنين، الذي اعتبرته هاجسها الأهم وفقًا لبيانها الوزاري، فيجب رفع الحد الأدنى للأجور إلى أكثر من 712000 ل. س. شهريًا، مع ضمان تقليل الفجوة بين الحد الأدنى والأجر المعيشي.

فتفشي الفقر على هذا النحو يمكن أن يعرض التماسك الاجتماعي لمزيد من المخاطر، وأي أجر غير قادر على تلبية متطلبات تجاوز عتبة الفقر، يعتبر بيئة خصبة للفساد، ويشكل قوة العطالة الرئيسية ضد أي خطوة إصلاحية.

 
×