بعد مرور عشر سنوات على الحرب في سوريا، تواجه البلاد أسوأ أزمةٍ اقتصاديةٍ في تاريخها الحديث، في ظل انهيار الليرة السورية وعجز السوريين عن الحصول على حاجاتهم الأساسية. لقد أنشأت الحرب المستمرة واقعاً اجتماعياً خطيراً، وجعلت من سوريا واحدة من “أكبر مصدّري اللاجئين في العالم”.

عطّل الإنهاك الاقتصادي جرّاء الحرب الجزء الأكبر من عمليات الإنتاج، ما جعل العملية الاقتصادية تسير بما دون الحدود الدنيا. ويزيد من تفاقم الأوضاع سوءاً “قانون قيصر” المشروط بالتدخل السياسي للدولة السورية. ويبدو أن ملامح الحلول لتسوية النزاع ما زالت غير واضحة، أو، بشكلٍ أدق، غير متفقٍ عليها دولياً.

دفعت سوريا ثمناً غالياً للعزلة الدولية عموماً والاقتصادية على وجه الخصوص، ما أدّى – إلى جانب ممارساتٍ اقتصاديةٍ خاطئة وحلولٍ مجتزأة – إلى دفع أكثر من 80 في المئة من السوريين إلى ما دون خط الفقر المدقع. وهنا نطرح التساؤل التالي: كيف سيكون المشهد الاقتصادي لسوريا في المستقبل؟

لا يمكن الإجابة على هذا التساؤل من دون وضع مجموعةٍ من السيناريوهات المشروطة بـ”ماهيّة الحل السياسي”. ولا يمكن تبني سيناريو اقتصادي “محتمل” إلا في سياق التوافق الدولي حول كيفية حل الصراع في سوريا.

قدّرت دراسة لمنظمة “وورلد فيجين” التكلفة الاقتصادية للحرب في سوريا بأكثر من 1.2 تريليون دولار أميركي، أي ما يقارب 40 ضعف الناتج المحلي الإجمالي بأسعار اليوم. وتقول الدراسة إنه حتى لو انتهت الحرب اليوم، فستترتب تكلفة إضافية قد تصل إلى 1.4 تريليون دولار خلال الفترة الممتدة بين عامي 2020 و2035. وإذا ما أضيفت لها الخسائر غير المباشرة، تصبح الأرقام أكبر بكثير.

بناءً على ذلك، وفي ظل ضخامة العبء الاقتصادي والمالي والاجتماعي لتعويض الفاقد التنموي، نجد أن السيناريوهات المحتملة للمشهد الاقتصادي لسوريا يمكن تصنيفها بين الأقل سوءاً والأكثر سوءاً (بالتحديد على المدى القصير)، بسبب طول أمد الحرب التي تلاشت فيها سنون من التنمية وترّسخت احتمالات انتكاسة تنموية، وهو ما يجعل القدرة على التخفيف من وطأة الاقتصاد أكثر تعقيداً.

التكلفة الاقتصادية للحرب في سوريا أكثر من 1.2 تريليون دولار أميركي، أي ما يقارب 40 ضعف الناتج المحلي الإجمالي

السيناريو الاستمراري: وهو السيناريو الأقل احتمالاً، القائم على افتراض انتهاء الحرب وعودة جميع الأراضي لسيطرة الدولة السورية من دون تقديم تنازلات سياسية. لن يختلف المشهد الاقتصادي في هذا السيناريو عما نعيشه اليوم من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وهشاشة في الخدمــات العامــة الأساســية كالطاقة والكهربــاء والميــاه والصحة.

سوف تبقى العقوبات الدولية مفروضة في هذا السيناريو، بالإضافة إلى التركة الثقيلة لاقتصاد منهك دُمّر جزء كبير من قدراته الإنتاجية واستُنزفت فيه العوامل الضامنة لاستنهاض عملية النمو. وبسبب الأوضاع الاقتصادية التي يعاني منها حلفاء سوريا الحاليون، ستواجه البلاد صعوبات جمّة في تمويل عملية إعادة الإعمار مع تراكم مزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على المواطن في المدى القصير، وقد تتخلى فيها الدولة عن واجباتها ومسؤولياتها الاقتصادية والاجتماعية تباعاً لمصلحة قطاع خاص عقيم يخلق المشكلات أكثر مما يخلق الحلول.

وبمرور الوقت، سوف تسبب هذه الأوضاع تفاقماً لظاهرة الاستثراء القائم على استغلال لقمة العيش. كما أنها ستتطلب من صانع القرار تهيئة وتكييف الهياكل الاقتصادية والمؤسسات الاجتماعية للتخفيف من الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذا السيناريو عبر سياسة “دعه يعمل.. دعه يمر”.

السيناريو اللبناني: القائم على افتراض انتهاء الحرب وفق توافقٍ دولي، والبدء بعملية إعادة الإعمار، وهذا يعني ضخّ مليارات الدولارات داخل الاقتصاد السوري من الدول والمؤسسات الاقتصادية، تكون مشروطة باعتماد سياسات اقتصاد ليبرالي. لكن، وبسبب حجم الفساد وتركّز الثروة لدى أمراء الحرب وأثريائها، من المتوقع تحويل الاقتصاد السوري إلى اقتصاد ريعي استهلاكي قائم على قطاع الخدمات والسياحة والتحويلات الخارجية، من دون تأهيل القطاعات الإنتاجية الحقيقية في الزراعة والصناعة.

قد يمكّن هذا السيناريو سوريا من النهوض الاقتصادي على المدى القصير، لكنه سيحمل في طياته بذور انتكاسةٍ تنموية على المدى الطويل. ولهذا فهو يتطلب بدوره من صانع القرار الحرص في حُسن إدارة هذه التدفقات المالية وتوجيهها لتحقيق أهداف تنموية على المدى الطويل.

السيناريو العراقي: وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً لارتباطه باستمرار التنازع وتضارب المصالح الإقليمية والدولية بين اللاعبين على الأرض السورية، ويكاد أن يكون الأكثر خطراً من بين السيناريوهات المحتملة لأنه يعني “تقسيم” سوريا بشكل غير رسمي وتحويلها إلى “كونفدرالية” بإشراف أممي. هكذا، يبقى نفط الشمال الشرقي وقمح، والإنتاج الزراعي في الشمال الغربي خارج سيطرة الدولة السورية، ما أَفقد – ويُفقد – الخزينة العامة للدولة أهم مصادر تمويلها. ونتيجة لذلك، قد تظهر معالم الخصخصة “بشكل متسارع”، ويجري وضع سوريا على سكة الليبرالية وتحويل الاقتصاد إلى اقتصادٍ ريعي استهلاكي، فضلاً عن عشوائيةٍ في توزيع الدخل والثروة لصالح “مجتمع الحرب” على حساب “المجتمع والدولة ككل”، ما يشوّه من عملية إعادة الإعمار ويعزّز من نشر بذور النزاع وعدم الاستقرار. وهذا يتطلب من الدولة السورية تغييراً في بنية محركات النمو الاقتصادي للمرحلة المقبلة، وإعادة هيكلةٍ لمصادر وعوامل النمو الاقتصادي بناء على أسس اقتصادية واجتماعية تكون الزراعة والصناعة فيها صنوان للإنعاش الاقتصادي.

السيناريو الصفري: وهو الافتراض القائم على إنهاء الحرب بتوافق دولي بشرط تقسيم سوريا “رسمياً” بين  القوات التركية في الشمال الغربي السوري، والقوات الأميركية في شرقي الفرات، والأكراد في الشمال الشرقي لسوريا.

يعني هذا السيناريو دخول الاقتصاد السوري في نقطة الصفر، واضطراباً في مختلف مجالات النشاط الاقتصادي، وتحول سوريا إلى بلد نامٍ ضمن مجموعة الدول الأقل نمواً، أقله على المدى القصير. وفي هذا السيناريو يكون عبء إدارة عملية التنمية من واجب ومسؤولية حلفاء دمشق، وتتطلب هذه المرحلة ضمان تدفق الموارد والمساعدات المالية للنهوض وإعادة إعمار المناطق الخاضعة لسيطرة الدولة السورية.

مهما اختلفت السيناريوهات، ففي ظل غياب المنهج السليم والرؤية الاقتصادية لدى صانعي السياسة والقرار، ستكون سوريا أمام كارثة اقتصادية واجتماعية تستمر في استنزاف ما تبقى من موارد وسيادة.

وبمعزل عن السيناريو القادم، فإن سوريا ستحتاج إلى مئات المليارات من الدولارات، وإلى عقدين من الزمن على الأقل لكي تنهض بالاقتصاد وتستعيد ما حققته من مؤشرات في التنمية البشرية قبل الحرب.

تبقى الأسئلة الأكثر إشكالية في هذا السياق هي التالية: ما هي مصادر تمويل إعادة الإعمار؟ وما هو الثمن الذي ستتم التضحية به؟ ولصالح من ستسقط ثمار “النمو”؟

 

من ملف: “عن غدٍ سوريٍ لا يأتي”

 
×