هل تريد أن تخيف أميركياً؟ اعرض عليه منحه حقوقه.

على الرغم من شيءٍ من التعميم الذي يشوب هذه الإجابة، إلا أنها تلخّص موقف أكثرية المجتمعات الأميركية التقليدية: البيض البروتستانت من أصول أنغلوساكسونية (WASP)، مع توسيع المصطلح ليشمل المواطنين من أصولٍ أوروبيةٍ غربيةٍ بشكل عام. يشكّل هؤلاء طبقةً وسطى تسكن ضواحي المدن الرئيسية والبلدات المتوسطة في مجتمعات ضيقة وشبه مدينية. ويضاف إليهم أيضاً الكثير من الأميركيين الأفارقة ممن هم في العقد السابع أو الثامن من العمر، الذين حصلوا على بعض الحقوق في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. مكّنهم ذلك الأمر من الخروج من أحياءهم التقليدية إلى الضواحي الموسرة، واقتناء منزل واسع وسيارة، وتأمين تعليم جامعي محترم لأبنائهم وخطة تقاعد مريحة لأنفسهم. جسّدت هذه المنجزات الحلم الأميركي بأبهى صوره. وهم اكتسبوا مع غيرهم من الأجيال المبكرة من مهاجري الدول الآسيوية والعربية واللاتينية شخصية المواطن الأميركي الصالح الذي يؤمن من دون نقاش بأن الرئيس يحمي مصالح البلاد حول العالم، حتى لو كان عليه غزو دزينة من البلاد وتدميرها وقصف المدنيين فيها عشوائياً، إلا أن هذه مجرد أضرار ثانوية (collateral damage) تحصل في معرض هدف أسمى. بالطبع، في حال أخطأ الرئيس فالكونغرس رقيب عليه. وفي حال وجود أي مشاكل أخرى فالانتخابات تتكفل بحلها. أما الفقراء والمشردون والعاطلون عن العمل فهم “يستحقون” ما هم عليه لأنهم كسالى ومدمنو كحولٍ ومخدرات. والنظام آلة ضخمة تعمل بدقة وتخدم الجميع.

الشّك في آلة العمل الأميركية

أتى بيرني ساندرز منذ خمس سنوات في محاولته الأولى لكسب ترشيح “الحزب الديموقراطي”، وأخبر الأميركيين أن آلتهم لم تعد تعمل جيداً، وأنها تخدم أقليةً تقل باطراد كلما نزلنا درجات الهرم. فشل يومها ساندرز لصالح هيلاري كلينتون، فقرر أن يعيد الكرة بعد أربع سنوات علّه يستطيع مواجهة دونالد ترامب في انتخابات 2020 المفصلية. إلا إنه خسر السباق مرةً أخرى وأعلن في الثامن من نيسان/أبريل انسحابه ووقف حملته الانتخابية تاركاً جو بايدن، ابن المؤسسة التقليدي والفاتر، ليصبح مرشح “الديموقراطيين” في مواجهة طوفان ترامب الشعبوي.

خسر ساندرز رهانه لأن قاعدتيه السياسية والشعبية لم تتغيرا كثيراً منذ الانتخابات الماضية، وهو لم يستطع جذب تلك المجتمعات الأميركية التقليدية. كما أن إبراز ساندرز الشكّ حيال عمل الآلة الأميركية وضعه في تحدٍ مباشرٍ مع كبار الأثرياء الذين يسيطرون على الشركات العملاقة وأجهزة الإعلام. واحدٌ أيضاً من أهم عوامل ذلك النكوص كان اعتماد ساندرز على تأييدٍ شعبي نشطٍ ظهر على منصات “السوشال ميديا”. وفي الواقع، سمع ساندرز تغريداً كثيراً، إلا أنه لم يرَ أصواتاً في صناديق الانتخابات.

سياسياً، لم يحصل ساندرز أبداً على رضى حزبه. بدا هذا بشكلٍ صارخٍ عندما حصل بايدن على تزكية جيم كلايبورن، سوط الحزب الديموقراطي في مجلس النواب (House Democratic Whip)، مما يشير ضمنياً إلى موقف الحزب الرسمي ومن يريد من ممثليه أن يدعموا. تُرجمت هذه التزكية مباشرة فيما يعرف بانتخابات “الثلاثاء الخارق” التمهيدية (Super Tuesday) في الثالث من آذار/مارس الماضي، حين اكتسح بايدن عشر ولايات من أصل أربع عشرة ولاية مفصلية تعقد انتخاباتها التمهيدية يومها. قبل هذا التاريخ، كان ساندرز، السيناتور عن ولاية فيرمونت منذ العام 2007 وممثل الولاية في الكونغرس قبلها منذ العالم 1991، قد نال دعم سيناتور واحد وتسعة نواب فقط من حزبه وبعضهم من أكثر أعضاء الكونغرس إشكالية، مثل إليكساندريا أوكاسيو كورتيز وإلهان عمر ورشيدة طليب. وعلى المستوى العالمي، حصل ساندرز على دعم بعضٍ من ألدّ أعداء المؤسسة الأميركية مثل رئيسي البرازيل وبوليفيا السابقين، لولا دا سيلفا وإيفو موراليس. ولا نرى في حملة ساندرز أي من نجوم هوليوود البراقين، بل على العكس، فهو أيضاً جذب، على سبيل المثال، جين فوندا الإشكالية التي لم يتسامح كثير من الأميركيين بعد مع موقفها خلال حرب فييتنام وزيارتها شمال فييتنام ودعمها للحكومة الشيوعية هناك.

الديمغرافيا المُتغيرة والطبقة الوسطى

لا بد لأي حملة انتخابية في الولايات المتحدة اليوم أن تأخذ بالاعتبار المشهد الديموغرافي المتغير باستمرار في المجتمعات الأميركية. يشكل غير البيض اليوم ثلث الناخبين وفقاً لأرقام مكتب الإحصاء الأميركي ومركز “بيو” للدراسات. تزداد نسبة الهسبانيين (الأميركيين من أصول لاتينية) في هذا الثلث بالتدريج كي تطغى على السود بواقع 13.3% مقارنة بـ 12.5% من الأميركيين الأفارقة. للنسبة الأكبر من هؤلاء اللاتينيين أقرباءٌ من المهاجرين غير الشرعيين يعيشون داخل الولايات المتحدة، وهم بالتالي سيدعمون مرشحاً ببرنامجٍ صديقٍ للهجرة أكثر. إلا أن الواقع يقول إن الأميركيين السود متجذرين أكثر على الأصعدة الاجتماعية واللغوية والتنظيمية في التقاليد الأميركية. لهذا، فإنهم غالباً ما يصوتون بنسبٍ أعلى من غيرهم، وهم غالباً “ديموقراطيون” بطبيعة الحال، إلا إنهم يفضلون مرشحاً هادئاً وأكثر “اعتدالاً” مما يبديه ساندرز من حماسة راديكالية بعض الأحيان. وهكذا، استحوذ بايدن على أكثر من 60 في المئة من أصوات السود بحسب الاستطلاعات، وأطاح ساندرز عن السباق في الولايات الجنوبية.

ليست الأجيال الأكبر سناً في المجتمع الأميركي أكثر تقبلاً للتغيير. وعلى الرغم من ازدياد أعداد الناخبين من “الجيل زد” (Generation Z) في انتخابات 2020، أي من عمرهم بين 18 و23 عاماً، ليشكلوا واحداً من كل عشرة ناخبين، إلا أن الأجيال الأكبر سناً كجيل طفرة ولادات ما بعد الحرب (Baby Boomers) و”الجيل إكس”، أي مواليد الأعوام 1965 – 1980 (Generation X)، ما زالوا يشكلون حوالي نصف عدد الناخبين. ويُعد هؤلاء الأكثر مشاركة فعلية في الإدلاء بأصواتهم. بدا هذا جلياً في الفارق الهائل بين المنشورات والتغريدات التي تؤيد ساندرز وبرامجه في العالم الافتراضي، وبين الأصوات الاقتراعية التي أيّدت بايدن بالفعل في العالم الواقعي.

ما يعد حقوقاً طبيعية في دول أخرى، ومنها دولٌ رأسمالية، قد لا يراها الأميركي هكذا

فيما ركّز ساندرز جهود حملته الانتخابية على الطبقة العاملة وعلى الطبقة الوسطى الدنيا الأقل حظاً والأكثر إنهاكاً في آلة العمل الطاحنة، إلا أن جزءاً معتبراً من هؤلاء لم يمنحوه ثقتهم. ويُعد ساندرز واحداً من رواد النضال من أجل رفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولاراً في الساعة. وهو تحدى في هذا النضال شركاتٍ كبرى على شاكلة “أمازون” و”ماكدونالدز” و”ولمارت”. كما روّج في حملته لأفكار التأمين الصحي الشامل، وإجازات الأمومة والأبوة المدفوعة، وإلغاء ديون الدراسة الجامعية التي تثقل كاهل الأميركيين أحياناً لسنوات طويلة بعد تخرجهم، وبيئةٍ نظيفة وغراماتٍ وعقوباتٍ تُفرض على كبار الملوثين، وتحكّمٍ بالسلاح المتفلت في الشوارع. وضعته هذه البرامج جميعها في مواجهة قوى الاقتصاد الأميركي التي تربح المواجهة دائماً بما تمتلك من أدوات.

تعكس ميزانيات حملة ساندرز قصور الشركات والأعمال عن دعمه. يأتي حوالي نصف تمويل الحملة من المساهمات الفردية الصغيرة التي قد تكون عبارة عن بضعة مئاتٍ من الدولارات، والتي وإن عكست دعماً شعبياً لساندرز استطاع تجميع حوالي مئة مليون دولار عبر هذه المساهمات المحدودة، إلا أنه دعمٌ لا يشتري قبول الإعلام وعالم الأعمال لسياساته. ومن جهة أخرى، يبدو أن نسبة كبيرة من الطبقة العاملة ما زالت منقسمة في أميركا بين ترامب الذي يعدها بجعل أميركا “عظيمة مرة أخرى” وباسترجاع الصناعات من الصين وأماكن أخرى إلى الداخل الأميركي، وبايدن الذي يعدهم بتحصيل حقوقهم بهدوء ومن دون أي طروحاتٍ يساريّة. ترجم هذا الانقسام في ولاية ميتشغان الصناعية التي منحت بايدن حوالي 53% من الأصوات. أما ساندرز الذي ظن أن الولاية في جيبه، خصوصًا بعد تجربة عام 2016 الإيجابية، فحصل على حوالي 36% من الأصوات فقط، وتبيّن له أن الناخبين في الحملة السابقة كانوا يصوتون ضد هيلاري كلينتون أكثر من تصويتهم لصالحه شخصياً.

“الإستابلشمنت” والسقف الزجاجي

يشبه مصير ساندرز ما حصل قبل بضعة أشهرٍ على الضفة الأخرى من الأطلسي في الإمبراطورية الأم العجوز. الناخبون من الشباب والعمال والمهاجرين الذين ملأوا الدنيا صراخاً بعد استفتاء “بريكست” وتدني الحالة المعيشية والغلاء الذي سيطر على كبرى المدن البريطانية، تخلّوا عن جيريمي كوربن وخافوا أفكاره الهجومية. فضّل أولئك الخيار الأهدأ والأوضح والأقرب لما هو موجودٌ بالفعل. وكما نفر البريطانيون من شخصية كوربن، لم يحبّ كثيرون من الأميركيين ساندرز وأسلوبه الحاد وتوجهاته “الاشتراكية”. لم يستفد ساندرز من التجربة البريطانية بل استمر في منهجه معتمداً على تأييد ظنه واسعاً في مختلف طبقات المجتمع. سوى أن الناخب، حتى البعض من الأكثر تقدمية، آثر الخيار الأكثر “اعتدالاً” المتمثل في بايدن.

على من يريد متابعة مسيرة ساندرز اليوم (أو حتى كوربن) أن يدرك جيداً أن المجتمعات الغربية الرأسمالية تعاف القفز وتفضل الاستقرار مع تغييرات تراكمية على مدى السنوات. “الإستابلشمنت” بما تمتلكه من أدوات استهلاكية ومكارثية وإعلامية غرست عميقاً في اللاوعي الجمعي خوفاً من أي طرحٍ يبدو اشتراكياً، حتى ولو حقق ذلك الطرح حقاً ضائعاً للفرد. فما يعد حقوقاً طبيعية في دول أخرى، ومنها دولٌ رأسمالية، قد لا يراها الأميركي هكذا، وهو بالتأكيد لا يرى أن حكومته ملزمة بتقديم أي شيء له. لقد لقنته العائلة والمدرسة والجامعة والشاشة أن عليه أن يناضل كي ينال حقوقه عبر عملية طويلة ومخططة بدقة، وغالباً ما تنحصر ضمن منظومة الانتخابات. تحدثت هيلاري كلينتون يوماً عن سقفٍ زجاجي يمنع النساء من الوصول إلى منصب الرئاسة في الولايات المتحدة. إلا أن السقف الزجاجي في الواقع يلجم أي فكرة ثورية أو حتى مغايرة للسائد تأتي في صالح المجتمع. أما هيلاري ذاتها فهي ابنة المؤسسة البارة أكثر مما هي ممثلة لمصالح النساء.

قد تلعب التغيّرات العمرية التي تسود المجتمع الأميركي اليوم دوراً جوهرياً في المستقبل مع ضمور الشرائح المجتمعية الأكبر سناً والأكثر رسوخاً في التقليد. ولهذا، فمن الطبيعي أن يسعى أي مرشحٍ تقدمي آخر للوصول إلى الفئات الفتية أولاً في عصر يُمكن للمعرفة وللمعلومات فيه أن تخرج من نطاق المؤسسات التقليدية المحافظة. لكن التغيير يحتاج بالتأكيد لما هو أكثر من الاحتجاج الافتراضي. قد تفيد “السوشال ميديا” اليوم في التسويق لمرشحين وأفكار، وفي تعبئة الناس وتنظيمهم، وفي تمرير سياسات، إلا أنها في لحظة القرار لا تقوم مقام صندوق الانتخابات.

المزيد من هذا المؤلف

التطبيع: غلبة الزمن

كعكة شرقي المتوسط

 
×