ثلاثة أسس نظرية متهافتة ومغلوطة تقوم عليها محاولة “اليساري” في منطقتنا تبرير تحوّله إلى “الليبرالية”. وأنا أضع اليساري والليبرالية بين قوسين لأقول إنهما ليسا يساري تماماً ولا ليبرالية بالضبط، بل شيئان مضحكان يشبهانهما: 1- فصل المسألة الديمقراطية (مناهضة الاستبداد) عن المسألتين الاجتماعية (العدالة الاجتماعية) والوطنية (التي تُختزل إلى مجرد العداء للإمبريالية) وإعطاء الأولوية لمناهضة الاستبداد، بعد أن كانت يسراويته البائسة قد أعطت الأولوية لمعاداة الإمبريالية فترة طويلة؛ 2- نسبة الديمقراطية إلى البرجوازية والأنظمة الحاكمة في أوروبا وأميركا وسواها من الأنظمة الرأسمالية المتقدمة، وليس إلى الطبقات الشعبية والشعوب المستعمَرة والنساء والملوَّنين والإثنيات الخاضعة، وثوراتهم ومعاركهم الظافرة والمهزومة على حدّ سواء؛ 3- المطابقة بين الفاشية والشيوعية، تسهيلاً لنبذ الثانية منهما. وسوف نتناول هنا هذا الأمر الأخير من خلال مثالين محددين، لنعود لاحقاً إلى الأمرين الأولين.

في ندوةٍ فكرية حضرتها، عَمَدَ متحدثٌ اشتُهر بتقلّبه وفساد مقدماته ومداخله إلى الربط مراراً بين الفاشية والشيوعية، بوصفهما دينين سياسيين يمكن إحلالهما محلّ الدين التقليدي في توسيعٍ لنطاق سطوة الدولة وتعزيزٍ لقبضتها بحيث تطال بشمولها حتى الدين نفسه، فلا يبقى صعيد من الصعد إلا ويُدمَج تحت تلك القبضة وفي ظلّ تلك السطوة.

بعيداً عن اعتبار الفاشية والشيوعية دينين، تركّز سؤالي للمتحدّث بعد مداخلته على ما إذا كان ثمّة فوارق بين السطوة والشمول الشيوعيين ونظيريهما لدى الفاشية. وأشرت إلى اختلاف الظروف الاقتصادية الاجتماعية التاريخية المحيطة بالظاهرتين اختلافاً جوهرياً وإلى احتمال أن يكون لهذا الاختلاف آثاره ومفاعيله المتباينة التي تحول دون الجمع بين الفاشية والشيوعية على هذا النحو الواثق أكثر مما ينبغي.

قلتُ إنَّ العنفَ والكلّيانية في كلا الظاهرتين يتفسّران بالتاريخ لا بالفكر. فما وَلَّدَ القمع في روسيا السوفييتية وألمانيا النازية ليس الفكر الماركسي ولا الفكر الفاشي (إن جاز إطلاق تسمية الفكر على ما لدى الفاشية من تدنٍّ للملكات العقلية وشذرات غثّة مسروقة من هنا وهناك) بل تاريخ البلدين الاقتصادي الاجتماعي السياسي المتباين جوهرياً، ذلك التاريخ الذي وَلَّدَ لا القمع وحده بل التفسير الفكري الستاليني للماركسية وتلك الأضغاث الفكرية لدى الفاشية.

جاء القمع الستاليني الرهيب (وكذلك الماوي في الصين) في سياق ما يُدعى “التراكم البدئي” اللازم لبناء اشتراكية في بلد متأخّر، فلاحيّ إلى حدّ بعيد، ومحاصَر من القوى الاستعمارية. وجاء القمع الفاشي في ألمانيا (وفي إيطاليا واليابان) في سياق محاولة بلدان رأسمالية متطورة وذات قدرات استعمارية إعادة تقاسم العالم مع بقية القوى الاستعمارية التي سبقتها إلى ذلك. ولا شكّ أنَّ عوامل كثيرة أخرى لعبت دوراً، لكنّ هذا هو الإطار الأساس والحاكم الذي يفسّر العنف والشمول من دون أن يبررهما بالطبع.

قلتُ للمتحدّث أيضاً إنَّ تاريخ الشيوعية، حركاتٍ وأنظمةً، مُتْرَعٌ بالشيوعيين الذين قاوموا القمع الشيوعي وسقطوا ضحايا المطالبة بمزيد من الحرية ومزيد من الربط بين الديمقراطية والاشتراكية، فهلّا دللتنا على فاشيّ واحد قارع القمع الفاشي.

ولقد أتيح لي أن أطّلع لاحقاً على نقدٍ للمفكر الماركسي الألماني-الأميركي هربرت ماركوزه لرؤية فيلسوف العلوم النمساوي-الإنكليزي كارل بوبر للقمعين الشيوعي والفاشي، وأسعدني أنّ موقفي يرتبط وإيّاه بالأسس وطريقة التفكير ذاتها.

سبق لبوبر، وهو يساري سابق، أن أهدى كتابه “بؤس التاريخانيّة” (1944) إلى “ذكرى رجال ونساء لا حصر لهم من جميع العقائد والأمم والأعراق سقطوا ضحية الإيمان الفاشي والشيوعي بقوانين للمصير التاريخي لا تلين”. ورأى ماركوزه في معرض ردّه عليه (في مقالة عنوانها “كارل بوبر ومشكلة القوانين التاريخية” تعود إلى عام 1959) أنّه يقيم صلةً سببيةً، بين الإيمان النظري بوجود قوانين تاريخية وبين السياسات الشمولية العنيفة، يبدو فيها الإيمان النظري كأنّه ما يقف وراء تلك السياسات الفعلية، الأمر الذي يدفع إلى التصور بأننا لو تخلصنا من الأول بدحضه المنطقي، لغدت الثانية مستحيلة فعلياً.

ما يعنيه ذلك هو أنَّ بوبر يلقي بالمسؤولية عن السياسات الشمولية الفعلية على فلسفةٍ في التاريخ والمصير التاريخي تشتمل على كلٍّ من الأيديولوجيا الفاشية والنظرية الشيوعية، ويرى أنّ هذه الفلسفة ذاتها مختلّة منطقياً، وغير علمية، ولا عقلانية، وبذلك يحرف الانتباه عن عوامل العنف الحقيقية ووظيفته المجتمعية والوسائل التاريخية لمقارعته.

يجرّم “اليساريون” التائبون الأفكار والوعي لا الوقائع والشروط المادية، ومن هنا جزءٌ من الدافع وراء تنقّلهم الشقيّ بين الأفكار وهزائمهم المتكررة

لا ينفي ماركوزه أنَّ فلسفة التاريخ كثيراً ما استُخدمت لتبرير تصفية أعداد لا تحصى من الذين اعتُبروا عثرة في طريق المصير التاريخي، ولا أنّ النظرية الماركسية تحتوي على فكرة قوانين المجتمع العنيدة (وإن كانت تهدف إلى إبطالها في المستقبل الاشتراكي)، لكنّه يشكك في أن تكون لدى الفكر الفاشي فكرة قوانين تاريخية عنيدة مثل هذه، إذ تنكر الفاشية التاريخ، وتعمل ضده، وتنكص إلى “الطبيعة”. لكن ماركوزه يرى أنَّ هذا كلّه لا يفسّر الإرهاب الذي تشترطه عوامل أخرى ويُشْتَقّ منها حيثما ساد. وحين تتوفر هذه العوامل، ما من فلسفة للتاريخ إلا وتكون مناسبة للاستخدام المنهجي للعنف، بما في ذلك الليبرالية كما يُظهر تاريخها منذ القرن السابع عشر إلى الآن.

واضحٌ أنَّ ماركوزه يشير إلى أشكال ووظائف للعنف الجماعي تختلف باختلاف أسبابها وأهدافها، من دون أن يقلّ بغضها وإدانتها وضرورة مقاومتها. وإشاحة الوجه عن هذه العوامل تفضي إلى تعميمات زائفة تخفي وقائع العنف السياسي وتحدّ من جريمته وتبذر الخلل والاضطراب في أشكال مقاومته وبين قواها وتودي إلى الهزيمة أمامه.

السؤال المهم، إذاً، هو ما الذي يدفع في كلّ مجتمع على حدة إلى تعليق ضوابط القانون والنظام “العادية”. في حالة الفاشية ثمة السياسة التوسّعية الهادفة إلى نيل مزيد من “المجال الحيوي” للدول التي هزمت في الحرب العالمية الأولى، وهو هدف لم يعد ممكناً تحقيقه في إطار النظام الديمقراطي القائم وإزاء معارضته العمالية الكبيرة. وتتماشى درجة العنف غير المسبوقة هنا مع مدى التضحيات المطلوبة من السكّان الذين يجب ربطهم بالنظام بكل الوسائل المتخيلة: المشاركة في الأسلاب كما المشاركة في الإثم. ومن هنا، ربما، تلك الوحشية السادية والدمار والغباء ضدّ كل من يُعتبَر مسؤولاً عن بؤس السكّان القديم والجديد. ومن الواضح هنا، بالطبع، أن لا أثر يكاد يُذكر لفلسفةٍ في “المصير التاريخي”.

وفي حالة الشيوعية، يجد ماركوزه أنّ عوامل القمع الأساسية مختلفة تماماً. فالتصفيات الجماعية التي رافقت الخطة الخمسية الأولى جرت في سياق تجميعٍ وتصنيعٍ عنيفين في بيئة متأخرة ومعادية. وحتى لو مططنا الفكرة الماركسية عن القوانين التاريخية العنيدة إلى المدى الذي ينصّ على أنّ التصنيع المتقدم شرط لا بد منه للاشتراكية، يبقى من الصعب إثبات أنَّ هذه الفكرة لعبت دوراً حاسماً في السياسة الستالينية. فما وقف وراء تلك السياسة هو البناء السريع للقدرة الاقتصادية والعسكرية التي تمكّن من الصمود في وجه “التهديد الرأسمالي” الخارجي، لا سيما الفاشية، الأمر الذي لم يكن بحاجة إلى أيّ فلسفة “كليّانية” تفسّره.

يجرّم “اليساريون” التائبون الأفكار والوعي لا الوقائع والشروط المادية، ومن هنا جزءٌ من الدافع وراء تنقّلهم الشقيّ بين الأفكار وهزائمهم المتكررة. ومن هنا، أيضاً وأخيراً، محاولتهم الدائمة إظهار تنقّلاتهم الفكرية على أنها ضرب من التطور الفكري الواثق لا من اضطرابٍ في الفكر ومنهج التفكير.

 

 
×