الصورة لسقف مبنى الكابيتول

صوّت مجلس الشيوخ الأميركي الأسبوع الماضي، في اليوم ذاته تحديدًا، على قانونين، فأجاز الأول وأسقط الثاني. مشروع القانون الأول الذي دعمه الحزبان “الديموقراطي” و”الجمهوري” بشكل كامل (باستثناء بضعة أصوات “جمهورية” معترضة)، هدف إلى تخصيص حزمة مساعدات مالية لأوكرانيا بقيمة 40 مليار دولار أميركي. أما الثاني فسعى إلى معالجة شيء من آثار فترات الإغلاق وركود الحركة الاقتصادية خلال عامي الجائحة، عبر منح المطاعم وأعمال صغيرة مساعدات نقدية بقيمة 48 مليار دولار أميركي.

خرج القانون الأول إلى العلن مزينًا بجميع عناصر الخطاب الأميركي المطلوبة اليوم حيال الأزمة الأوكرانية، التي تتلخص بمقتضيات الوقوف مع الشعب الأوكراني والدفاع عن حريته. تصدّر الخبر النشرات العاجلة والصفحات الأولى ورأس المواقع الإلكترونية في عناوين ومقالات تبرزه كإنجازٍ عظيم وحَّد الحزبين خلف قضيةٍ إنسانيةٍ محقّة وملحة.

وصف زعيم الغالبية في مجلس الشيوخ تشارلز شومر (“ديمقراطي” عن ولاية نيويورك) حزمة المساعدات بـ”الهائلة”، قائلًا إنها “سوف تفي بحاجيات الشعب الأوكراني في صراعه للبقاء”، ومضيفًا أن “الأوكرانيين محاصرون في صراعٍ من أجل الديمقراطية، وهي الديمقراطية ذاتها التي نعشقها”.

أما مشروع القانون الثاني الذي لم يتمكن حتى من تجاوز عتبة التصويت المطلوبة لمناقشته في المجلس (60 صوتًا) فلم ينل تغطية إعلامية محورية تلفت النظر إلى المشكلة التي خلّفها.

وُضعت مسودة هذا القانون أساسًا لهدف تجديد تمويل “صندوق إنعاش المطاعم” الذي تأسس ربيع العام الماضي، وأمّن له “الديمقراطيون” مبلغ 28.6 مليار دولار أميركي، اعتُبرَت يومها دفعة أولى سوف يليها تخصيص مبالغ أخرى.

خلال عام، تجاوز عدد المتقدمين للاستفادة من معونة الصندوق 278 ألف مطعم في أنحاء البلاد، لكنّ 101 ألف مطعم فقط حصلوا عليها قبل أن يجفّ تمويل الصندوق. لذلك كان لا بدّ من تخصيص اعتمادات جديدة لمساعدة نحو 177 ألف مطعم مهددة بالإغلاق في حال فشلت في الوفاء بالتزاماتها المادية المتراكمة.

لهذا، فقد خصّص المشروع مبلغ 40 مليار دولار للمطاعم كي تُستخدم لدفع الرواتب والنفقات التشغيلية الأخرى، ولتغطية دفعات الرهونات العقارية ونفقات الصيانة وشراء المواد. أما المليارات الثماني الباقية فقد خُصّصت للصالات الرياضية وشركات إقامة الفعاليات والحفلات وأعمال صغيرة أخرى تنتشر على الحدود، وتعتمد على حركة السياحة والعبور، وقد تكبدت جميعها خسائر فادحة وأطنانٍ من الديون خلال عامي 2020 و2021.

السؤال البديهي الذي قد يطرأ أولًا على ذهن المتابع لتفاصيل هذين الخبرين: هل للشعب الأوكراني أهمية أكبر ، أثناء المِحَن، لدى مشرّعي الأمة من الشعب الأميركي؟ ليست الإجابة على هذا السؤال بوضوح الخبر وبساطة عرضه، ويمكن الحصول على أجزاءٍ منها عبر تتبع تصريحات السياسيين ومفردات حزمة المساعدات ذاتها.

نحو نصف قيمة حزمة المساعدات لأوكرانيا ستبقى داخل السوق الأميركية على شكل عقود تسليح وإمداد وخدمات

في تصريح عمّمه البيت الأبيض إثر إقرار القانون، أكد الرئيس جو بايدن أن هذه المخصصات ستتيح لأميركا “إرسال المزيد من الأسلحة والذخائر إلى أوكرانيا، وتجديد مخزون أسلحتنا الخاص، ودعم الجنود الأميركيين المتمركزين في إقليم الناتو“. كما أعلن بايدن في التصريح ذاته عزمه التقدم إلى الكونغرس بحزمة مساعدات أمنية أخرى بغرض تأمين المزيد من المدفعية والرادارات والمعدات الأخرى التي “ستذهب مباشرة إلى جبهات الحرية في أوكرانيا”.

انخفض بهذا مستوى الرومانسية الديمقراطية في خطاب بايدن بالمقارنة مع ما ظهر في تصريح زميله، زعيم “الديمقراطيين” في مجلس الشيوخ، وبرزت المصلحة الأميركية بشكل أوضح من تقديم هذه المساعدات. وعلى المنوال نفسه، انتقد زعيم الأقلية، ميتش ماكونيل (“جمهوري” عن ولاية كنتاكي)، رافضي حزمة المعونات، مؤكدًا “أن مستقبل أمن أميركا ومصالحها الاستراتيجية الجوهرية سوف تشكّله نتيجةُ هذا الصراع. على أي شخص تقلقه كلفة دعم نصر أوكراني أن يفكر بتلك الكلفة الأكبر في حال خسرت أوكرانيا“.

وبعيدًا عن المصالح الجيوسياسية الكبرى، لا يبدو حتى الآن أن إجراءات إنفاق بنود كبيرة من حزمة المساعدات سترحل بعيدًا عن السوق الأميركية، مع بقاء حوالي نصف قيمة الحزمة على شكل عقود تسليح وإمداد وخدمات.

يخصص نص القانون في بنودٍ متعددة للإنفاق العسكري 6 مليار دولار أميركي تحت “مبادرة المعونة الأمنية لأوكرانيا USAI” التي تتولى تسليح الجيش الأوكراني وتدريب عناصره وزيادة جهوزيته الأمنية والعسكرية، وحوالي 9 مليار دولار أميركي لتجديد مخزون الجيش الأميركي من الأسلحة التي جرى ويجري إرسالها إلى أوكرانيا. يخصّص القانون أيضًا حوالي 4 مليار دولار أميركي للتمويل العسكري الأجنبي الذي يمَكّن أوكرانيا ودولًا أخرى متأثرة بالحرب من التقدم للحصول على مبالغ منه، وذلك لشراء المزيد من الأسلحة والمعدات. كما يخصص القانون نحو 4 مليار دولار أخرى لتغطية نفقات القوات الأميركية المنتشرة في دول “حلف الأطلسي” الشرقية المحيطة بأوكرانيا.

جميع هذه الأسلحة والمعدات ستأتي من مصانع الشركات الأميركية المتعاقدة مع وزارة الدفاع، وستؤمن المزيد من فرص العمل على المدى الطويل. مع العلم بأن بعض بنود هذا الإنفاق ستمتد لسنوات، خصوصًا مع العزم الغربي-الأوكراني على التخلص التدريجي من بقايا الترسانة السوفييتية في أوكرانيا واستبدالها بأسلحة وتجهيزات غربية حديثة، ستتسابق الشركات الأميركية والأوروبية لتأمينها عن طيب خاطر.

أيضًا، ستأتي مخصصات كبيرة من بنود الإنفاق على شكل رواتب وبدلات للخبراء العسكريين والمدربين الأميركيين. وستغطي هذه البنود كذلك شراء معدات تدريبية وأمنية واستخباراتية، وكل ما يلحق عملية دعم القوات الأوكرانية وتحديثها من نفقات إنشاء وصيانة وإمداد ستتعهدها غالبًا شركات أميركية متعاقدة مع وزارة الدفاع.

قدّرت وزارة الخارجية الأميركية مبيعات السلاح خلال عام 2021 بنحو 138 مليار دولار أميركي. وبحسب تقرير “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)” الأخير، تحتلّ الولايات المتحدة المرتبة الأولى لمصدري السلاح حول العالم بنسبة 39%، ما يعزز من سيطرتها الجيوسياسية، خصوصًا في أقاليم آسيا والشرق الأوسط الحساسة بالنسبة للسياسية الأميركية.

على المقلب الآخر، تبين إحصائيات “الاتحاد الوطني للمطاعم” في الولايات المتحدة أن مبيعات المطاعم للعام 2021 بلغت 799 مليار دولار، وهي تشغّل حوالي 14.5 مليون شخص. وتشير بعض التقديرات إلى وجود حوالي مليون مطعم (تقليدي ووجبات سريعة)، منها بحسب تقديرات “الاتحاد الوطني للمطاعم” حوالي 177 ألف مطعم بحاجة لمساعدة عاجلة.

في سوقٍ حرة تسيّرها قواعد رأس المال والمنافسة والمرونة، قد لا تتعدى هذه المعطيات الأوليّة العتبة الآمنة لدورة إغلاق منشآت وافتتاح أخرى، وهي لا تُعدّ خطرة بشكلٍ خاص من منظور صانعي القرار، على العكس ممن يعاني مباشرة من الأزمة ذات الصلة.

تُوفّر السوق، في حالات الانكماش، أدواتٍ أخرى مثل المزيد من الاقتراض من المؤسسات المالية أو تخفيض النشاط التجاري أو تغييره أو حتى الإغلاق المؤقت أو الدائم في حال عدم القدرة على الاستمرار. ووفق قواعد هذه السوق، لا تستدعي معيشة بضعة آلاف ضخ المزيد من المال الحكومي في الأسواق، مما يُعدّ، بحسب رافضي قانون معونة الأعمال الصغيرة، مجرد هدرٍ سيضاعف من التضخم المتفلّت ويزيد الكتلة النقدية في السوق، من دون أن يحلّ أي مشكلة على المدى الأبعد.

كثرة الحديث عن الخشية على حياة الأوكرانيين وحريتهم في الخطاب السياسي الأميركي، قد تدفع البعض إلى الاعتقاد بأن هناك بعدًا إنسانيًا خالصًا وراء ما يرصده الكونغرس من مبالغ لدعم هذه القضية وغيرها من القضايا المشابهة. غير أن حزم المعونات التي توزّعها الولايات المتحدة غير مقطوعة عن دورة الاقتصاد الأميركي وحاجاته، بل هي وثيقة الصلة بها وتسير وفق أولويّاتها، كما دائمًا.

 
×