لا بدّ أن تكون فلسطين حيةً في ذاكرةٍ ما. كانت ذات مرّة في كلّ المطارح السياسية والإنسانية. قبل الأحداث الأخيرة على امتداد خريطتها، كانت في اللازمان. وجودها ملتبس. لم تعد تسكن في العواصم والعقول والقلوب. ما يُعرف عنها أن لها ماضيًا ممتلئًا بالحضور، قبل أن يصبح مكانُ إقامتها في ما تبقى من أراضٍ تحت أظافر الاحتلال.

قبل الأحداث الأخيرة، إن سألت عنها بلاد العربان، لن تجدها، حتى في دليل الهاتف أو نشرة الأخبار المسائية. لقد ألزموها بمغادرة الأمكنة، على أن تكتفي بما يُراد لها، ولا تتطلع البتة إلى ما تريده. وما تريده صارخٌ، واضحٌ، حقّاني، وإنساني. كل الأرض مكتملة، إلا في فلسطين. لا وجود لأرضٍ وشعبٍ ودولةٍ وعلم.

لماذا هذا الغياب؟ من انترعها من دفترنا اليومي؟ متى صار الفلسطينيّ عابرًا وليس مقيمًا؟ هل ما زلنا نحتفظ باسمها؟ ماذا تعني فلسطين اليوم؟ غريبٌ جدًا هذا الجحود. لقد استُبعدت ولم تعد موجودةً، حتى في الذاكرات الوفية. فلسطين اليوم مقيمةٌ في المنفى المحاصر من قبل إسرائيل وأشقائها من “عرب” الأعاجم.

لماذا هذا هكذا؟

الجواب محاصرٌ بالأسباب الكثيرة. من كان معها، قولًا، كان ضدها فعلًا. الفلسطيني امتشق إرادته وسلاحه وحلمه. يريد العودة. اخترع جبهاتٍ ليصوّب على العدو. أصيب برصاص “الأخوة” من الخلف. إسرائيل تصوب في الصدر، والإسرائيليون العرب يصوّبون في الظهر. كانت المسألة القُطرية واضحة. الصراع على السلطة في أوج حممه. التسلط سياسةٌ عامة. الأساس استمرار القبضة على الشعوب التي تنتمي إلى فلسطين، في سطوة مأساتها.

مرارًا، فاق عدد السجناء الفلسطينيين في الدول “الشقيقة” عدد السجناء في دولة الاحتلال. التخلي العربي، والتعثر العربي، وابتداع النزاعات “الأخوية” – أحيانًا بين الحزب الواحد الحاكم – هي من أسباب تصدّع الوجود الفلسطيني. كم كان الحلم الفلسطيني مكلفًا.

الغربة المكرّسة بين الشعوب وأنظمتها أفسحت المجال أمام لغتين متنافرتين. هم، مع فلسطين من فوق المنابر، وهم في الواقع يطلقون أمنهم المسعور في مطاردة البنادق. العرب أثبتوا مرارًا انتصارهم على فلسطين. “إسرائيل” أجبرتهم على الركوع على جباههم، يوم تنادوا إلى قتالٍ مفاجئ، خسروا فيه جيوشهم وشعوبهم وأراضيهم. تذكروا “نكسة حزيران”. إنه لمعيبٌ جدًا استعادة تلك الفضيحة المجلجلة. بساعاتٍ قليلة، دمرت “إسرائيل” ثلاثة جيوشٍ في مصر والأردن وسوريا. في الجولة الثانية، “حرب تشرين”، ارتُكبت الخيانة بشكلٍ علني وأفضت المعارك إلى عقد صفقة اعتراف. فازت “إسرائيل” ولم يفز أحدٌ مثلها.

عرب النفط، ليسوا عربًا البتة. لا حاجة إلى برهان. إنها قياداتٌ منقادةٌ برغبتها في الطريق إلى التخلي. وإلا، كيف نسمي هذا الزحف الخليجي والعربي إلى التطبيع، بلا أي مقابل، وبلا أي جائزة ترضيةٍ للشعب الفلسطيني؟

فلسطين ضحيتنا نحن، قبل أن تكون، وبعدما كانت، ضحية المشروع الصهيوني “الأنترناسيونالي”.

الأمل أن يستعيد المواطن العربي هوية الحرية أولًا، فالحرية السياسية تفتح الطريق لاستعادة فلسطين

يطيب لنا، في مناسبة ذكرى “النكبة”، أن نستعيد الزمن الفلسطيني الصاعد على جلجلته، مضرجًا بدمه، ومثابرًا على إيمانه العميق: “ثورة حتى النصر”. بأسفٍ بالغ، اغتيلت الثورة، وتراخت قياداتها، وانزاحت فلسطين عن الخريطة. حلّت مكانها خيام سياسية في معازل، ومدن محاصرة وأراضٍ مصادرة وآفاقٍ مقفلة. حتى القدس، عاصمة القلب الفلسطيني، جُعلت ضاحيةً من ضواحي تل أبيب. “القدس لنا…” يقول نتنياهو. والحاضرون من عرب الأنظمة يطأطئون رؤوسهم. يطأ الإسرائيلي جباههم، ويتباركون بنعاله. ويطيرون إلى واشنطن، لنيل الرضى.

متى تشرق فلسطين مرةً أخرى؟

الأفق مكتظ بالرّكام العربي. الغرب غسل يديه من أزمنة. يبيع الفلسطيني كلامًا فقط. أما الفلسطينيون، فقد طافوا ببنادقهم من كل الجبهات إلى المنافي البعيدة، وعادوا إلى ما تيسر لهم من أرضٍ مسموحٍ لهم بها، بإشارةٍ إسرائيلية، ليقيموا فيها سلطةً مأمورةً ومسيّجةً بالأمن الإسرائيلي. كاد النضال الفلسطيني الراهن أن يكون كفاحًا سلميًا فقط، للاحتفاظ بالإقامة، بلا سيادة، بل بواجب التنسيق الأمني مع المحتلّ. البوليس الفلسطيني مراقبٌ ومحاطٌ ومعاقب. اليد الإسرائيلية فوق يديه. المطلوب منه أن يكون يمينًا إسرائيليةً، بعيونٍ فلسطينية.

ما الأمل الباقي، وسط هذه القلاع والمتاريس والخنادق و… الخيانات العلنية؟

الأمل أن تبقى قضية القلة النبيلة، المؤمنة بامتناع الاستسلام. أن تبقى فلسطين العنوان الأول لدى جيلٍ خلف جيل، ولدى أجيالٍ تقرأ المنطقة بعيون المستقبل المرتجى. لا يعقل أن تقتل أمةٌ نفسها، بمثل ما فعلت أنظمة الاستبداد والتخلي، التي ما كانت وفيةً لشعوبها، وكانت السلطة مطيتها وقوسها.

الأمل، أن لا ننسى. أن نقاتل النسيان بالوعي والصدق والالتزام. فلسطين المستقلة المتحررة، وبعدَ بعدِ أجيال هي الحلم الراغب بالتجسد. في فلسطين اليوم، من يوحّد بفلسطين. فلسطين دينه ودنياه وغده. وإلا، كيف نفسر موجات الرفض والمواجهة والتحدي والشهادة؟

الأمل، أن يستعيد المواطن العربي هوية الحرية أولًا. لا تقدم لأي نظامٍ أو دولةٍ بمعزلٍ عن الحرية. الحرية السياسية تفتح الطريق لاستعادة فلسطين، لتكون منصات انطلاقٍ إلى التحرير.

الأمل، أن لا يقع الفلسطينيون في متاهات الاتفاقات مع العدو. أوسلو “العظيم” كان حذاءً لإسرائيل. اليوم، وبسبب ذلك الاتفاق، وقعت فلسطين كلها في الأسر، وما تأنف عن ممارسته، تتركه للسلطة الفلسطينية لتقوم بالواجب.

هناك قضايا آيلةٌ إلى زوال، باستثناء الحرية والعدالة والديمقراطية والحقوق. فلسطين ستكون دائمًا على موعدٍ مع التاريخ الذي تبزغ فيه على العرب شمس الدولة المدنية الديموقراطية العادلة.

لفلسطين… غدٌ. لا شك عندي في ذلك.

 
×