عشر سنوات بالتمام مرّت على نشر إسرائيل أولى بطاريات ما عُرف بـ”القبة الحديدية” في منطقة بئر السبع في صحراء النقب، على بعد أربعين كيلومترًا من حدود قطاع غزة. أتبعتها لاحقًا بنشر بطاريات بالقرب من مدينتي عسقلان وأسدود وجنوبي تل أبيب.

بعد عقدٍ على بدء عمل هذه المنظومة المُموّلة أمريكيًا، والتي دأبت إسرائيل على وصفها بـ”الأسطورة العسكرية”، تلاحقت المشاهدُ التي أعادت النقاش حول عدم فعالية القبّة بالقدر الذي يُسوّق له مسؤولون إسرائيليون، علمًا بأنها كلّفت إسرائيل مئات ملايين الدولارات (بحسب تقرير نشرته “يديعوت أحرنوت” أواخر عام 2019، فإن تكلفة بطارية الصواريخ الواحدة تبلغ نحو 100 مليون دولار، وقد استُخدمت تسعُ بطاريات أثناء عدوان 2014 على غزة).

فخلال الأيام الماضية، برزت مشاهد تفرُّق تظاهرة المستوطنين الاستفزازية بفعل تساقط الصواريخ القادمة من غزة، وفَضُّ جلسةِ الكنيست الإسرائيلي للسبب ذاته، وهرعُ عشرات الإسرائيليين إلى الملاجئ إثر سقوط وابل من الصواريخ الفلسطينية، وهذه هجمات غير مسبوقة على مناطق كانت تُعتبر “آمنة” بالنسبة للإسرائيليين إلى حد بعيد.

أربعة ملايين ونصف المليون إسرائيلي توقفّت حياتهم بفعل هذه الهجمات وفق تقارير إسرائيلية، بعدما سبق أن طمأنهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في شباط/ فبراير 2019 إلى امتلاك إسرائيل “قبة حديدية وقبضة حديدية… وأنظمة دفاعية تحمي من كل تهديد”.

في الساعات الماضية، استمرت “كتائب القسام”، الجناح العسكري لحركة “حماس”، بالإعلان عن إطلاق مئات الصواريخ، فيما قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي إن “أكثر من ألف صاروخ” أطلق من غزة، تم اعتراض 850 منها.

ليس النقاش هنا حول عدد الصواريخ التي اعترضتها القبة، بل حول تلك التي نجحت بتفاديها والوصول إلى عمق أهدافها الإسرائيلية، وهو ما جدّد الشكوك حول دور المنظومة الدفاعية التي تم تطويرها من قبل شركة “رفائيل للصناعات العسكرية الإسرائيلية” وشركة “صناعات الفضاء الإسرائيلية”، وكذلك حول جدواها.

اللافت في هذا النوع من النقاش كذلك، وبما هو أبعد مما يجري في فلسطين حاليًا، أن الولايات المتحدة كانت قد تسلّمت من إسرائيل في أيلول/ سبتمبر الماضي بطاريتين من القبة الحديدية، في خطوة أثارت اعتراضات نظرًا لأن أميركا دفعت ثمن تطوير القبّة أساسًا، ورافقها احتفاء إسرائيلي بـ”الإنجاز الهائل” وبـ”إسهام إسرائيل بحماية الجنود الأميركيين ضد مجموعة متنوعة من التهديدات الباليستية والجوية” وكذلك “حماية دول الخليج”، بحسب قول وزير الدفاع بني غانتس آنذاك.

استهداف حالي غير مسبوق

في السنتين الماضيتين، حصلت بعض الخروقات للقبة، كما جرى عام 2019 مع الصاروخ الذي أُطلق من غزة وسقط في مستوطنة موشاف شميريت، ويُدعى “جي-80” (الحرف الأول من عائلة القائد العسكري السابق لحركة حماس أحمد الجعبري الذي اغتالته إسرائيل عام 2012). وقتها، قال الجيش الاسرائيلي إن الصاروخ من رفح، وإن المسافة بين موقع إطلاقه ومكان سقوطه تبلغ 120 كيلومترًا، وزنة رأسه الحربية حوالي 125 كيلوغرامًا، بينما تحدّث مسؤولون عن تحليق الصاروخ في مسار متعرج صعّب على القبة الحديدية اعتراضه.

وقبل مدة غير بعيدة، تجدّد النقاش إثر الخرق الذي وقع بسقوط صاروخ آتٍ من الأراضي السورية قرب مفاعل ديمونة النووي.

في التطور الأخير، أخذت الأمور منحىً أكثر جدية وإحراجًا للقبة الإسرائيلية. إذ عدا عن النكات التي تم تداولها على مواقع التواصل حول هشاشة المنظومة، ثمة عوامل تقنية ساهمت في تعريتها وطرح المزيد من التساؤلات حولها.

قالت “القسام” إن الهجوم الصاروخي تمّ بنوع ثقيل من الصواريخ من طراز A120 (الحرف الأول من عائلة القائد لديها رائد العطار)، وهي صواريخ تحمل رؤوسًا متفجرة ذات قدرة تدميرية عالية، يصل مداها إلى 120 كيلومترًا، في أول “ظهور” لها.

الصواريخ وصلت إلى تل أبيب التي تبعد حوالي سبعين كيلومترًا عن غزة، وهي مسافة كبيرة كان يُفترض أن تساعد القبة تقنيًا على زيادة فعالية الرصد والاعتراض، وهذا ما لم يحصل. وهو أمر دفع كذلك بوزير الدفاع الإسرائيلي وبرئيس الأركان إلى توسيع دائرة الطوارئ إلى ثمانين كيلومترًا، بينما لم تتجاوز في العادة الأربعين كيلومترًا، فضلًا عن تعليق الرحلات في مطار بن غوريون الدولي.

كل هذا دفع بآلة الدعاية الإسرائيلية إلى تضييق المجال حول انتقاد القبة لصالح الاحتفاء بحجم ما اعترضته من صواريخ، في حين قالت وسائل إعلام إسرائيلية إن القبة فشلت في اعتراض صواريخ غزية بسبب “خلل فني”، من دون توضيح طبيعة هذا الخلل.

أسئلة الفعالية

“هل القبة الحديدية فعالة ضد صواريخ حماس كما جرى الاعتقاد؟”، كان هذا السؤال الذي طرحه جوناه جيريمي بوب في “جيروزاليم بوست” الأربعاء، في 12 أيار/ مايو. المحللُ الإسرائيلي في شؤون الاستخبارات، والذي عمل سابقًا في وزارات عدة كالدفاع والخارجية، قال إن “منظومة القبة الحديدة كان بها دائمًا نقطة ضعف، ففي جولات القتال القديمة، وبالنظر لحجم الصواريخ الصغيرة التي كانت تطلق من غزة، كانت فعاليتها في التصدي تتراوح بين 85 و90 في المئة”.

اعتراض صاروخ آت من غزة، قد لا تكون تكلفة تصنيعه المحلية تتعدى الألف دولار، تصل كلفته إلى 300 ألف دولار

ذكّر بوب بأن حرب غزة عام 2014 شهدت إطلاق حوالي أربعة آلاف صاروخ من القطاع، لكنها توزعت على مدى خمسين يومًا، أما “خلال الساعات الـ24 الماضية، فأُطلق أكثر من مئة صاروخ في دقائق، بينها عدد كبير ركّز على تل أبيب”، و”هذه قفزة في عدد الصواريخ المستخدمة ضد تل أبيب، وفي قدرة الفصائل الفلسطينية على إطلاق عدد كبير من الصواريخ في وقت واحد”، وفق المحلل الإسرائيلي.

هذا الواقع، جعل المحلل الإسرائيلي يشكك في “ما إذا كانت تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية صحيحة بخصوص الصواريخ الموجودة في غزة، والقادرة على استهداف تل أبيب”، داعيًا إلى “إعادة النظر بالتقييمات الفنية والاستخبارية لأي مواجهة قادمة مع حزب الله أو إيران”.

“ما يحدث في الواقع هو صراع بين قوى عالية التقنية للغاية وقوى منخفضة التقنية للغاية… لكن هذه التكنولوجيا العالية قد لا تكون كافية”. كان هذا ما كتبه بدوره دافيد هامبلينغ في مجلة “فوربس”، تعليقًا على استهداف تل أبيب بالصواريخ.

يعتبر هامبلينغ أن “فعالية القبة الحديدية قد تكون نقطة ضعف استراتيجية”، حيث أن “هجمات حماس الصاروخية تسبب القليل من الضرر، فيُنظر للرد العسكري الإسرائيلي إليها باعتباره غير متناسب وعنيف”.

من هنا، “لن تكون الإجراءات الدفاعية وحدها كافية لوقف الهجمات، والاعتماد على القبة الحديدية يعني أنه إذا فشلت – واعتُبرت الحكومة أنها لم تدافع عن شعبها – فستكون العواقب وخيمة. من ناحية أخرى، يمكن أن يؤدي الهجوم البري على مصدر الصواريخ إلى عدد هائل من القتلى وعواقب سياسية عالمية”، وفق هامبلينغ.

ويختم الكاتب معلقًا بأن “مشكلة الدفاع الجيد كما في حالة القبة تكمن بسهولة الاعتماد عليه أكثر من اللازم”، علمًا بأن الأخيرة تُعرف بقدرتها على اعتراض الصواريخ قصيرة المدى والطائرات المسيّرة وقذائف الهاون.

بدايات القبة

يُعيدنا كلام هامبلينغ إلى بدايات هذه القبة وما أحاطها من شكوك. ففي عام 2007، اختار وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيريز نظام القبة الحديدية كحلّ دفاعي لاعتراض الصواريخ قصيرة المدى. وربطت تقارير إسرائيلية القرار بحرب تموز عام 2006 في لبنان وبنحو أربعة آلاف صاروخ “كاتيوشا” (قصيرة المدى) أطلقها “حزب الله” من لبنان باتجاه حيفا ومناطق أخرى في الشمال.

بموازاة الحديث عن تطوير القبة وقتها، أُطلقت كذلك آلاف الصواريخ الفلسطينية (معظمها “قسّام”) بين عامي 2007 و2008 باتجاه مناطق الجنوب، وهي صواريخ كان يقع في مداها حوالي مليون إسرائيلي.

تولّت شركة “رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدّمة” تطوير النظام بالتعاون مع “ريثيون” (Raytheon) الأمريكية، وتمّ اختباره للمرة الأولى عام 2008 وللمرة الأخيرة عام 2010، قبل أن يدخل إطار الخدمة منتصف عام 2011.

في عام 2010، أقر مجلس النواب الأمريكي ميزانيّة بقيمة 205 مليون دولار لبناء القبة الحديدية وتفعيلها، بما تشمله من جهاز رادار (طوّرته شركة ELTA الإسرائيليّة) وبطاريات مُكوّنة الواحدة منها من 20 صاروخ اعتراضي من طراز “تامير”.

من بين الانتقادات التي طالت عمل المنظومة كان التكلفة العالية لتشغيلها، إذ تتجاوز كلفة البطارية الواحدة 100 مليون دولار، إضافة إلى الكلفة التشغيلية، حيث تتراوح قيمة كل “تامير” بين 50 ألف و150 ألف دولار (بحسب آخر تكاليف مصرّح عنها رسميًا)، علمًا بأن اعتراض هدف واحد قادم وتفجيره في الجو يحتاج إلى صاروخَي “تامير”.

للقبة معوقات عدة، منها عدم قدرتها على اعتراض الصواريخ الباليستية بعيدة المدى

بمعنى آخر، فإن اعتراض صاروخ آت من غزة، قد لا تكون تكلفة تصنيعه المحلية تتعدى الألف دولار، تصل كلفته إلى 300 ألف دولار.

بدأت الانتقادات للقبة منذ ما قبل تشغيلها، كما حين وصفها المحلل العسكري الإسرائيلي روفين بيداتزور عام 2010 بأنها “أكبر عملية احتيال”، ملمحًا إلى أن النظام لا يمكنه اعتراض صواريخ ذات مدى أقل من خمسة كيلومترات.

تجددت الانتقادات حين صرّح باحثون من “رايثون” و”رافائيل” عام 2013 أن نسبة الاعتراض منخفضة جداً مقارنة بالنسبة التي تدعيها الحكومة الإسرائيليّة، وتتالت انتقادات محللين إسرائيليين آخرين رأوا أن القبة ليست حلًا كاملًا مقارنة بكلفتها التشغيلية العالية التي تجعلها أساساً غير قابلة للاستمرار على المدى الطويل.

التطوّر الجديد

كتب آدم تايلور في “واشنطن بوست” يوم أمس، في 12 أيار/ مايو، قائلًا: “برغم أن الأسلحة غالبًا ما تكون بدائية ويفتقر الكثير منها إلى أنظمة التوجيه، إلا أن أعدادها الهائلة وتكلفتها المنخفضة تُعدّ ميزة أساسية ضد القبة الحديدية”.

من جهته، علّق المدير في “منتدى السياسة الإسرائيلية” مايكل كوبلو في تغريدة له بالقول إنه “لم يكن من المفترض أن تكون القبة الحديدية حلًا لحماس أو غزة أو الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. لقد اعتبرها كثيرون بديلًا للسياسة والدبلوماسية، وهو أمر غير صحيح. آمل أن يتذكر الناس ذلك بعد انتهاء هذه الجولة”.

وخلال الشهر الماضي، حذّر العقيد المتقاعد من جيش الاحتلال الإسرائيلي يوسي لانجوتسكي من أن نظام القبة الحديدية الدفاعي غير موثوق به، مشيرًا إلى حروب سابقة على غزة أثبتت فشلها في صدّ الصواريخ الفلسطينية.

وكتب لانجوتسكي لصحيفة “معاريف” الإسرائيلية محذرًا من اعتماد إسرائيل على نظام دفاعي واحد في أي حرب مستقبلية، لأن الصواريخ ستكون قادرة على إلحاق الضرر بالمنشآت الإسرائيلية الاستراتيجية، ومشيرًا إلى أن للقبة معوقات عدة، منها عدم قدرتها على اعتراض الصواريخ الباليستية بعيدة المدى.

في الفترة الماضية، أعلنت إسرائيل أنها طوّرت من أدوات وطرق عمل القبة، مثل تمكّنها – على عكس الأنظمة الأخرى – من معرفة ما إذا كانت المقذوفة ستفقد الهدف وبالتالي توفير اعتراض باهظ الكلفة بلا جدوى. لكن ما أظهرته الصواريخ الآتية من غزة أن “التطوير” لم يقتصر على الجهة الإسرائيلية فحسب، لا سيما مع اعتماد الفصائل الفلسطينية تكتيكًا جديدًا بالقذف على علو منخض ومباشر.

خلال الشهر الماضي، نشرت “يديعوت أحرونوت” شكوى لجنود إسرائيليين حول إصابتهم بالسرطان بسبب خدمتهم العسكرية في منظومة القبة الحديدية، محذرين بأنهم في مراحل مختلفة من المقاضاة ضد وزارة الدفاع.

يبدو هذا الخبر ثانويًا اليوم في ظلّ أسئلة وشكوك في الأروقة الإسرائيلية حول القبة. وهذه الأسئلة غير مرتبطة فقط بما يجري حاليًا، بل بما سيحصل كذلك على المديَين المتوسط والبعيد.

وفق جولة على تعليقات إسرائيلية مختلفة، تخرج أسئلة مختلفة في هذا السياق، قد يكون أبرزها: إن كانت صواريخ حركات مقاومة محاصرة في قطاع فقير استطاعت اختراق القبة، فماذا تفعل الأخيرة بمواجهة صواريخ تنتجها دول كبيرة لديها موارد هائلة مقارنة بالحركات الفلسطينية؟ وكيف يمكن الاستمرار في التسويق لبيع القبة الحديدية، “فخر الصناعة العسكرية الإسرائيلية”، في ظل ما يجري حاليًا على الأراضي الفلسطينية؟

 
×