لم ينفصل يومًا مصير سوريا عن مصير لبنان. يسري ذلك على المستقبل مثلما سرى على الماضي. وإن كانت سوريا بعد استقلال البلدين، خصوصًا بعد “اتفاق الطائف”، هي المؤثر الأول في السياسة الداخلية للبنان، فقد غيّرت الأزمة السوريّة المعادلة. إذ تحوّل أطراف لبنانيون عدّة إلى لاعبين فاعلين في مسار الصراع السوري، بين محرّض ومموّل ومقاتل، وإن من باب تداعيات الأزمة السورية نفسها على مواقع ومصالح هذه الأطراف في لبنان أو المنطقة. كذلك تتعاطى القوى الإقليمية والدولية مع الملفين بالتوازي، فتُصفّي حساباتها مع سوريا في لبنان حينًا، وتستخدم لبنان لتصفية حساباتها في سوريا حينًا آخر.

وبمعزل عن تشابك المصالح اليوم وتضاربها، لا يصحّ أن تبقى هذه العلاقة أسيرة أجندات خبيثة في أسوأ الأحوال، أو ضيقة الأفق وأحادية الجانب في أحسنها. وإن كانت موازين القوى الراهنة لا تسمح بتغيير المعادلات، فإن أضعف الإيمان هو البحث عن مواطن القوّة والضعف في ما هو قائم، على أمل المساهمة في تلمس الطريق للخروج من النفق، ولو بعد حين.

محورية العلاقات السورية-اللبنانية هذه، لدى قوى الأمر الواقع، لا تقابلها أي مقاربة متكاملة وجدية لدور هذه العلاقة في رسم معالم المستقبل، أو حتى المساهمة في تغيير مجرى الصراع في الحاضر لدى الأطراف التي ترفع شعار التغيير. الأسوأ من ذلك، أن الكلام عن وحدة المصير قد يثير، في دوائر المنتفضين على ضفتي الحدود، السخرية أو اللامبالاة، أو حتى الإدانة. قد يُعزى هذا الموقف الدوغمائي إلى استغلال شعار “وحدة المسار والمصير” من قبل النظام السوري في عهد الوصاية السورية بعد “الطائف”، برعاية أميركية ومشاركة سعودية. علمًا بأن الاستخدام المبتذل لمفهوم الديموقراطية من قبل واشنطن لتبرير غزوها للعراق – أو للتدخل السافر في شؤون عشرات الدول حول العالم – لم يؤد إلى نبذ الديموقراطية كهدف أو شعار لكثير من هذه القوى، بل زاد من التشبث به.

يُستنتج من ذلك وجود أسباب أخرى. لعل أبرزها الكيانية المفرطة، والتي أصبحت متجذرة لدى فئات مجتمعية واسعة في كلا البلدين، بعدما كانت محصورة تاريخيًا في قوى لبنانية انعزالية ناصبت العداء لسوريا شعبًا ونظامًا منذ تأسيس لبنان. تؤطّر هذه الكيانية اليوم عبر مبادئ الديمقراطية الليبرالية (أحيانا بصبغة يسارية) والمفاهيم المعلبة لحقوق الإنسان التي تصدّرها لنا الحكومات والمؤسسات الغربية. فيغلب على هذه المقاربة منطق الحقوق الفردية للاجئين بصفتهم القانونية كلاجئين (أو نازحين)، لا كجزء من النسيج الاجتماعي والانتماء السياسي لشعوب المنطقة. وتتم معارضة الاستبداد في سياق الحريات الفردية والمفهوم المجرد للمواطنة، والتوصيف المطلق لحكم العسكر والدولة البوليسية.

لا مكان في هذه الحسابات للجيو-سياسة أو للسياق الاستعماري للاستبداد. المفارقة طبعًا أن الدول الغربية التي تشكل مصدر إلهام لهذه المقاربة، لديها ميزانيات تسلح مهولة وتحالفات عسكرية عابرة للحدود كـ”الناتو”، وهرمية تمييزية في استقبال المهاجرين واللاجئين، لها عواقب يعلمها من يموت غرقًا في المتوسط، ناهيك عن الاتحادات الفيدرالية أو التعاون والتنسيق الإقليمي العابر لحدود الدولة القومية، والتي تملأ المعمورة اليوم من أميركا اللاتينية مرورًا بإفريقيا وصولًا إلى شرق آسيا. وقد وصل التماهي مع النموذج الغربي للدولة الديموقراطية الخارج عن التاريخ والواقع، حد التعبير عن الأسف لخروج بريطانيا، دولة ديدنها تقسيم منطقتنا، من الاتحاد الأوروبي. ويتم ذلك في إطار خطاب أممي يتماثل مع المجتمعات الأوروبية عبر حدودها، لكنه يقف عند حدود سوريا ولبنان.

المثال الأكثر ضررًا وحساسية بشأن التعامل مع المخاوف والتحديات في سوريا ولبنان يتمثل بمقاربة دور “حزب الله”

هكذا، يُهلَّل لاتحاد الدول الأوروبية على اختلاف ثقافتها واتساع مساحاتها وتمايز اقتصاداتها وتباين سياساتها الخارجية، مقابل التحامل على أي مستوى من الاتحاد، حتى لا نقول الوحدة، بين سوريا ولبنان، تتخطى التضامن عن بعد. بل على العكس، يصبح ترسيم الحدود عند بعض مؤيدي الانتقاضات أولوية. لا يعني نقد هذه المقاربة الدعوة الممجوجة إلى استنساخ مشاريع الوحدة السابقة. لكنه يعني استعادة الوعي التاريخي الذي هو شرط لنجاح أي رؤية مستقبلية. فالتاريخ هذا، فيه الكثير من العبر حول نجاح أو فشل أشكال من التعاون والتنسيق بين البلدين، لا مجال لذكرها هنا.

وإن كان لقوى الماضي وحدتها، فلماذا لا يكون لقوى التغيير وحدتها هي، أي تصورها المستقلّ عن شكل وحدوي مناسب للمرحلة الراهنة؟ فلو افترضنا أن الروابط التاريخية تلك لم تعد صالحة، وأن العقائد التي حملت تلك المشاريع عفا عليها الزمن، فماذا عن الحاضر ومتطلباته؟ ألا توجد مصالح مشتركة حيوية على صعيد الاقتصاد؟ ألم يزد الحصار والعقوبات على سوريا من حاجتها إلى لبنان كمنفذ مالي وممر اقتصادي؟ أليست سوريا إحدى أكبر أسواق التصدير اللبنانية في المقابل؟ وكيف يمكن الحديث عن اقتصاد منتج من دون الأخذ بالاعتبار الدور الرئيسي للعمالة السورية في لبنان؟

وماذا عن موازين القوى القائمة؟ ألم يصبح تدخل القوى الإقليمية والدولية الكبرى سببًا إضافيًا للبحث عن إعادة تموضع مع الجوار للتعويض عن الخلل الواضح في هذا الميزان؟ وبعيدا حتى عن هذا التدخل، هل من منطقة في العالم اليوم لا تحاول بلدانها التنسيق على المستوى الإقليمي مع دول الجوار لمواجهة التحديات المعولمة؟ وماذا عن أمثلة الاتحادات التي قد تجاري حالة لبنان وسوريا في بعض جوانبها، مثل تنزانيا وزنجبار؟

ولمن يعتبر أن سيادة البلدين تحول دون ذلك؛ فهل الارتهان للخارج (وما فيه من انتقاص للسيادة) أولى من البحث عن تجميع قوى الانتفاضة ذات المشروع الوطني والتقدمي بين سوريا ولبنان (والعراق وفلسطين والأردن) للتنسيق بين بعضها البعض؟ وما تشتت هذه القوى في ما بينها، لأسباب عدة، سوى سبب إضافي لتوسيع دائرة العمل المشترك في وجه التحديات المشتركة.

يتطلب هذا العمل المشترك تحديد القضايا الرئيسية التي لا مناص من مواجهتها، بكل تناقضاتها، لاجتراح حلول متكاملة ولو كانت صعبة التحقيق. والعمل المشترك، كي يستمر وينمو، يفترض أن يتحلى بروح التضامن المتعالية عن سياسة النكايات والثأر، ويعتمد على التمييز بين تناقضات مؤقتة ومصالح دائمة، وبين بنية الاستبداد وبنية الاستعمار وما يعنيه ذلك من اختلاف في استراتيجية المواجهة وخطوطها الحمراء، بغض النظر عن الحكم الأخلاقي حول من يدير هذه المنظومة أو تلك.

في حالة العلاقة السورية-اللبنانية، يعني ذلك مقاربة المخاوف والتحديات في كلا البلدين بالتزامن وكأنها قضية واحدة. ما يحصل اليوم هو العكس. والمثال الأبرز والأكثر ضررًا وحساسية في آن هو مقاربة دور “حزب الله” في سوريا. فلدى معارضي النظام السوري في سوريا (ولبنان على السواء)، لا يُنظر الى “حزب الله” إلا من زاوية دعمه النظام السوري وتأثيره على مسار الحرب هناك – وإن كانت لدى أطراف لبنانية تتسلق القضية السورية مآرب أخرى تتعلق بنزع سلاح الحزب كأداة مقاومة لإسرائيل. لا يهم هذه الفئة (أي معارضي النظام في سوريا) إن كان “حزب الله” موضوعيًا قوة رادعة في جنوب لبنان للعدو، وأنّ توقّف الدعم السوري له، بغياب بل تواطؤ دول عربية أخرى، سيعرّض لبنان وأهل الجنوب تحديدًا لخطر الاحتلال والتدمير، ولا يُنظر للحزب حتى من منظور سوري كياني كرصيد (في المستقبل) لمواجهة إسرائيل، كونها ما زالت محتلة أرض الجولان السوري في حال اعتبرنا موضوع تحرير فلسطين شأنًا غير سوري (وهو ليس كذلك).

على المقلب اللبناني، لا يُنظر الى تدخل “حزب الله” في سوريا من قبل مناصري هذا التدخل إلا من باب الحفاظ على المقاومة في وجه إسرائيل، وأحيانا الحفاظ على الدولة السورية. ولا يهم ما يحل بقسم كبير من الشعب السوري من قتل وتدمير وتهجير على يد النظام وحلفائه طالما أن الدعم مستمر. ولا يُنظر إليه كذلك من باب أن مناعة سوريا وسيادتها ووحدتها في المدى البعيد مرتبطين بشرعية نظامها في نظر شعبه، تمامًا مثلما تُستمد شرعية المقاومة من بيئتها.

هذا التناقض الأساسي بين لوازم مواجهة الاستبداد المتمثل بالنظام السوري ولوازم محاربة الاستعمار الاستيطاني المتمثل بإسرائيل، جزء من المأساة السورية التي باتت اليوم أسيرة تناقضات أخرى تراكمت عبر السنوات العشر الماضية. يُفضّل الكثيرون عدم الاعتراف بهذا التناقض المحوري، ويؤثرون معركة على أخرى، حيث لا مأزق أخلاقي يؤنب الضمير ولا معضلة سياسية تعصى على الحل السريع. حال الطرفين حال معضلة السجينين في علم ما يُسمّى بنظرية الألعاب: الخيار العقلاني لكلّ طرف على حدة – في غياب التواصل بينهما – هو خيانة الآخر، لكن النتيجة في حال خان كل من الطرفين ثانيهما هي أسوء العواقب. في المقابل، فإن الخيار اللاعقلاني – أي عدم خيانة الآخر – يؤدي، لو اتُخذ بشكل جمعي، إلى عواقب أقل.

هناك نموذج تكراري للمعضلة، حيث تتكرر المواجهة مرات عدة، ممّا يسمح لكل طرف بمعرفة الخيار الذي اتخذه اللاعب الآخر خلال المرحلة السابقة. وقد تبين أن الطريقة التي تحقق أفضل النتائج تقوم على مبدأ بسيط: التعاون بداية والرد بعدها بالمثل؛ أي أن تتعاون إن تعاون اللاعب الآخر، وتخون إن خان. فهل من يكسر حلقة الخيانة المفرغة؟

 

من ملف: “عن غدٍ سوريٍ لا يأتي”

 
×