Image Credit: Bekir Kasim/Anadolu Agency via Getty Images

لا ضرائب من دون تمثيل!

مقولة أساسية في علم السياسة تشرح جوهر النظام الديموقراطي. فإذا ما أرادت السلطة أن تفرض ضرائب عادلة على الأفراد والمؤسسات تموّل من خلالها برامجها، عليها عندئذ أن تقبل شكلاً من أشكال المراقبة التي يحظى بها دافعو الضرائب، كي يتمكن هؤلاء من التأكد من أن أموالهم تُستثمر في برامج تنمية تخدم مصالحهم. هذه إحدى ركائز النظام الديموقراطي في العالم. أما في حال سوريا والعالم العربي فالأمر معكوس؛ لا تمثيل فلا ضرائب! فلسان حال المستبد يقوم على قاعدة: سأقدم لكم الخدمات بالاعتماد على ريع النفط والموارد الطبيعية، ولا أفرض عليكم ضرائب تعيد توزيع الثروة بشكل عادل، وعليكم أن تؤدّوا لي فروض الطاعة!

وهكذا تعمل الأنظمة العربية الاستبدادية عموماً، وفي سوريا مثالاً على مبدأ أساسي: لن أفرض الضرائب على المجتمع، وبالتالي على المجتمع أن يتخلى عن أي مطالبة بتمثيل سياسي عادل. يتجلى هذا المبدأ في ما دوّنه حنا بطاطو في كتابه “فلّاحو سوريا” (ص. 368) نقلاً عن الرئيس حافظ الأسد بعد تسلمه السلطة في عام 1970، وذلك بحسب رواية القيادي السابق في حزب البعث حمود الشوفي، “أن الناس لهم مطالب اقتصادية بالدرجة الأولى يتطلعون إلى الحصول عليها… وأنه يستطيع تلبية تلك المطالب… هناك فقط مئة شخص أو مئتان بالكثير ممن يعملون جدياً بالسياسة وهؤلاء سيكونون ضده مهما فعل… سجن المزة أصلاً مبني من أجل هؤلاء.”

في تطبيق واضح لهذا الشكل من “العقد الاجتماعي” في سوريا، توفّر السلطة الحد المعقول من الاحتياجات الإنسانية من غذاء ودواء وتعليم، وعلى المجتمع أن ينسى فكرة المساهمة في الحياة السياسية، فلا أحزاب ولا مجتمع مدني ولا حكم محلي. فنموذج الأسد الأب والابن يقوم على أساس مجانية التعليم ومجانية الصحة وتوفير فرص عمل هائلة في القطاع الحكومي، مهما كانت رداءة مستوى الخدمات فيها جميعاً، لكنها كافية كي “يسد الناس حلقهم” فلا مطالبة بديموقراطية ولا حياة سياسية ذات مغزى، وبالتالي لا نظام ضريبياً عادلاً ولا ضرائب حقيقية تفرض على المواطنين والمؤسسات.

ما جرى في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة السورية لا يعدو كونه استنساخاً مشوّهاً عن هذا العقد الاجتماعي، تفرضه ميليشيات لا تتمتع حتى بعشر خبرة السلطة السورية في إدارة الدولة. في مناطق شمال شرق سوريا على سبيل المثال، تستخدم “الإدارة الذاتية” و”قوات سوريا الديموقراطية” نفس النموذج السلطوي، وإن كانت تحاول تجميله برئاسة ثنائية، ومؤتمرات محلية، ومجالس مدنية. فالعقد الاجتماعي الذي تفرضه هذه السلطة يتمثل بالاعتماد على اقتصادٍ ريعي، قوامه النفط الموجود في مناطق سيطرتها والذي تبيعه في مناطق سيطرة المعارضة ومناطق سيطرة الحكومة المركزية على حدّ سواء، لتقوم بتقديم خدمات التعليم والصحة وسواها للمواطنين، الذين عليهم أن يكفّوا ألسنتهم عن أي ممارسات تقوم بها هذه السلطات في هذه المناطق، وعن المطالبة بنموذج حكم يقوم على التشميلية والتشاركية والديموقراطية. تتساعد مع هذه السلطات منظمات غير حكوميّة سوريّة وأخرى دولية في تقديم الدعم في هذه القطاعات لكن هذه المرة، وعلى خلاف شكل الحكم في مناطق الحكومة، دون أي خبرة في إدارة مثل هذه القطاعات، تاركة إياها عرضة لتخطيط المنظمات العشوائي، حتى بت ترى ثلاثة أو أربعة مناهج دراسية في هذه المناطق، بحسب هذه المنظمة أو تلك. لا يقف الأمر عند هذا الحد، فمؤسسات المجتمع المدني، والتي يفترض أنها تمارس شكلاً من أشكال الديموقراطية التشاركية، عبر مراقبة الأجهزة “الحكومية” تتعرض لعملية إسكات كتلك المطبّقة في مناطق سيطرة الحكومة المركزية، ناهيك عن استخدام نفس الأدوات، كإعطاء بعض المنظمات حرية نسبية للحركة بحسب ولائها للسلطة، وربما انتمائها العرقي أيضاً!

تخضع مناطق سيطرة المعارضة لسلطات ميليشيات متصارعة، تطبّق نماذج حوكمةٍ شديدة التباين، لكنها جميعاً تتفق على فكرة أن “يسدّ الناس حلوقهم”

أما في مناطق سيطرة المعارضة، فالأمر أكثر سوءاً كون هذه المناطق تخضع لسلطات ميليشيات متصارعة، تطبّق نماذج حوكمةٍ شديدة التباين، لكنها جميعاً تتفق على فكرة أن “يسدّ الناس حلوقهم”. ففي إدلب، حيث تسيطر “هيئة تحرير الشام”، تقوم “حكومة الإنقاذ” التابعة لها بعملية إدارة هذه المناطق. لا تحظى هذه الحكومة بأي شرعية سوى شرعية السلاح، والذي فرضت وجودها به. ليس لهذه السلطة أي خبرة إدارية حقيقية، بعد أن أقصت موظفي دوائر الدولة عن مؤسساتها، لتعتمد مبدأ الولاء في التعيينات، وهو المبدأ ذاته الذي فرضته السلطة في دمشق على مدى عقود. وعلى عكس الإدارة الذاتية، فرضت هذه السلطات رسوماً عالية على الناس، كي تمول سلاحها بالدرجة الأولى، وبعض الخدمات التي تسعى من خلالها إلى تثبيت شرعيتها. وكحال سابقتها، تعتمد هذه السلطة على أموال الدعم القادمة عبر المنظمات غير الحكومية، والتي كانت تفرض أجنداتها حيناً، وأجندات ممولها أحياناً أكثر، محاولة فرض شكل من أشكال الديموقراطية التشاركية، التي قابلتها هذه السلطات بالعنف، حالها كحال السلطة في دمشق. لم تسمح هذه السلطات بأي شكل من أشكال التمثيل، بل انقلبت على المحاولات الخجولة لتشكيل مجالس محلية منتخبة، وقامت إما بحلها أو بالهيمنة عليها بقوة السلاح. جل ما فعلته هو تشكيل مجلس شورى معين بطريقة تشبه تشكيل “مجلس الشعب” في مناطق سيطرة الحكومة، بل ربما أسوأ بكثير.

وفي مناطق النفوذ المباشر لتركيا، يزداد تدهور الأوضاع. فالمجالس المحلية والمؤسسات شبه الحكومية التي تعمل في تلك المناطق، ليست إلا أدوات يحركها الوالي التركي لعينتاب أو كلس أو أورفة المعني بتقديم الخدمات للناس كي يسد هؤلاء حلوقهم أيضاً عن أي ممارسة لهذا الفصيل أو ذاك أو عن انتقاد ممارسات الحكومة التركية.

قد يقول قائل، إن البلاد في حالة حرب، لا تستقيم فيها عمليات ديموقراطية، في ظل وجود الإرهاب والعمليات العسكرية المتنوعة وسواها، والتي تتطلب أصلاً قانون طوارئ يحدّ من الحريات، وهذا صحيح. وقد يقول قائل إن هذه السلطات وجدت نفسها بمكان الدولة ومؤسساتها وهي لا تتمتع بخبرتها وهذا صحيح أيضاً. لكن هذه القوى هي من انتفض على السلطة في دمشق بسبب العقد الاجتماعي الإقصائي والمستبدّ الذي فرضه حكم البعث على مدى نصف قرن، فماذا قدمت هذه كبديلٍ لهذا العقد؟ خصوصاً بعد استتباب الأمن النسبي لها بعد الانكفاء النسبي للعمليات العسكرية!

لا تطرح هذه القوى أيّ شكلٍ حقيقي يقوم على أساس التمثيل السياسي والديموقراطية التشاركية ونظام اقتصادي يشجع على التنمية المستدامة، ويعتمد على نظام ضريبي عادل أو منظومة تضامن وتكافل اجتماعي فعالة. هي سلطات “حرّرت” الدولة من الدولة دون أن يكون لها أي مشروع بديل، بل ولا حتى خبرات الدولة التي “حررتها”. هي سلطات أزاحت الدولة ومؤسساتها وحاولت أن تستنسخ النموذج الذي أزاحته، لكنه كان نموذجاً مشوهاً عن نموذجٍ مشوّه لكأنك تخلق نسخة من “زومبي”، ليخرج لك “زومبي” يتشوق إلى “الزومبي” الأول!

 
×