“حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية”.

المادة الثامنة من دستور 1973

 

كان إلغاء المادة الثامنة الشهيرة في دستور 1973 التي كرست من حزب “البعث العربي الاشتراكي” قائداً في المجتمع والدولة من أهم مطالب الحراك الذي انفجر في 15 آذار/مارس 2011. تحقق هذا المطلب بإصدار الدستور الجديد عام 2012 الذي استُبدلت فيه هذه المادة بأخرى ـ تحمل نفس الرقم ـ تفيد بأن النظام السياسي للدولة يقوم على مبدأ التعددية السياسية، وبأن ممارسة السلطة تتم ديمقراطياً عبر الاقتراع، فيما تسهم الأحزاب السياسية المرخصة والتجمعات الانتخابية في الحياة السياسية الوطنية. ولكن، برغم مرور سنوات طوال على هذا الإلغاء، ما زالت ظلال المادة الثامنة السابقة وآثارها واضحة لا تخطئها العين في مفاصل الدولة كافة، وفي أرجاء التنظيمات النقابية والمجتمعية.


“يقوم النظام السياسي للدولة على مبدأ التعددية السياسية، وتتم ممارسة السلطة ديمقراطياً عبر الاقتراع”.

المادة الثامنة من دستور 2012

 

في الواقع، لقد سبق إقرار هذه المادة ولحقه وضعُ مجموعةٍ من التشريعات التي عزّزت هيمنة حزب “البعث” على أجهزة الدولة والتنظيمات المجتمعية. فبعد الثامن من آذار/مارس 1963 بأيام، كانت البداية بإصدار قانون العزل السياسي(1) ذي الطابع الإقصائي، الذي فرض عزلاً سياسياً بحق الأشخاص الذين جعلوا من أنفسهم ركائز للعهد الانفصالي بالقول أو الفعل

هكذا، طُبق ذلك القانون على  الأشخاص الذين استغلوا نفوذهم وثرواتهم، أو سخّروا وظائفهم في الدولة لخدمة العهد الانفصالي، وكذلك على الصحفيين والكتاب الذين أساؤوا إلى إيمان الشعب العربي في سوريا بالقومية العربية، أو بثوا الأفكار الشعوبية، لا سيما الذين عملوا على زعزعة ثقة الشعب بقوميته بدافع التكسّب والحصول على المنافع غير المشروعة والأموال من الهيئات الرجعية أو الجهات الأجنبية، بالإضافة إلى الأشخاص الذين انحرفوا عن مبادئ القومية العربية سواء من اليمينيين أو اليساريين أو الانتهازيين المرتدين، ورؤساء الجمهوريات ورؤساء الوزارات ونوابهم والوزراء والنواب الذين عملوا على تكريس الانفصال، ولحق بهم الإقطاعيون والرأسماليون والمستغلون الذين تسلطوا على الحكم، فزيّفوا إرادة الشعب أو ناصروا الانتهازية والسلطات الانفصالية. كما فرض القانون عزلاً مدنياً على الجماعات والهيئات والجمعيات والأحزاب والأندية والمؤسسات التي تنطبق عليها الأحكام المذكورة أعلاه، مهما كانت تسميتها، فجرى حلّها حكماً وصودرت أموالها لصالح الدولة.

والعزل السياسي المقصود بهذا القانون هو الحرمان من الحق في أن يكون الشخص ناخباً أو منتخباً في المجالس النيابية أو الإدارية أو البلدية أو الطائفية أو الجمعيات أو النقابات أو النوادي، وسائر الهيئات الاجتماعية مهما كان نوعها، فضلًا عن الحرمان من جميع الحقوق السياسية، ومن حقه في أن يكون مدير جريدة أو مجلة أو مطبوعة دورية أو وكالة أنباء، أو أن يكون رئيس تحرير فيها أو يمارس حقاً من الحقوق الصحفية مهما كان نوعها، أو أن يكون موظفاً أو مستخدَماً أو عاملاً أو متعاقداً مع الدولة، أو صاحب مدرسة أو مديراً أو معلماً في جميع المدارس الخاصة أو الرسمية، أو أن يكون متعهداً أو صاحب امتياز في الدولة ومؤسساتها. وحدّد هذا القانون مدة العزل كي تتراوح بين خمس وعشر سنوات كما يقدرها “مجلس قيادة الثورة”، وأُلغي هذا القانون لاحقاً.

ثم توالت التشريعات المختلفة التي تصب في السياق نفسه، حتى أصدرت “القيادة القطرية للحزب” دستوراً مؤقتاً في الأول من أيار 1969، نصَّ صراحة في المادة السابعة منه على أن: “الحزب القائد في المجتمع والدولة هو حزب البعث العربي الاشتراكي”، فكانت الولادة الأولى لهذه المادة بنص دستوري، ومنه انتقلت كما هي إلى دستور 1973.

كان يُفترض إلغاء التشريعات التي تمنح حزب “البعث” مركزاً قانونياً متميزاً عن غيره من الأحزاب السياسية في مؤسسات العمل النقابي والمجتمعي وأجهزة الدولة

وبذريعة هذه المادة، دخل العمل الحزبي والسياسي إلى السلطة القضائية التي ينص الدستور صراحةً على استقلالها، فأصبحتَ ترى فيها قضاة حزبيين لهم فِرقْ ينتظمون بها ترتبط عن طريق التسلسل بالقيادة القطرية للحزب، علماً بأن هذا النمط من العمل الحزبي محظور بصريح المادة (81) من قانون السلطة القضائية التي حظرت على القضاة إبداء الآراء والميول السياسية أو الاشتغال بالسياسة.

وبهذا الشكل من العمل الحزبي، توغل الحزب بأنماط مختلفة في العمل الحكومي، ليس فقط عبر ممثليه الحكوميين الرسميين من وزراء ومحافظين ومدراء، وإنما عبر أمناء فروع الحزب أو أمناء الشعب والفرق الحزبية. وجاء ذلك التوغل من دون وجود دورٍ واضحٍ أو شرعي له ينظّم علاقته بالجهاز الحكومي ومؤسسات الدولة بنص تشريعي واضح!

وأعيد أيضاً تنظيم العمل النقابي بوضع محدداتٍ لمختلف التنظيمات النقابية تتماهى مع أهداف الحزب وشعاراته. فصدرت تشريعات جديدة لهذه التنظيمات النقابية أُلزمت بأهدافه مثل قانون تشكيل “الاتحاد العام للفلاحين”(2) الذي نصَّ في المادة الثانية منه على أنه للفلاحين والفلاحات أن يشكلوا في ما بينهم جمعية تقوم بالتوجيه والتوعية القومية والاشتراكية في الريف. وفي المادة (46)، نصَّ على أن يعمل “الاتحاد العام للفلاحين” على تنمية الوعي القومي والاشتراكي والمهني بين الفلاحين(3).

كما صدر قانون التنظيم النقابي العمالي بناء على قرار القيادة القطرية المؤقتة للحزب رقم (2) تاريخ 25/2/1966(4) الذي جاء في المادة (17) منه أنه يحق للعمال في كل مهنة أن يشكلوا في ما بينهم نقابة هادفة تعمل على تحقيق أهداف الشعب العربي في الوحدة والحرية والاشتراكية.

تكرر هذا الأمر مع باقي نقابات المهن العلمية (أطباء، مهندسون، محامون)، حيث صدرت قوانين جديدة ناظمة لعملها بداية الثمانينيات(5)، زادت من ارتباطها بالحزب وعملت بتوجيهه ولتحقيق أهدافه. فجعلت المادة الثالثة ـ المشتركة في قوانين هذه النقابات ـ النقابة عبارة عن تنظيم مهني اجتماعي مؤمن بأهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية، وملزمة بالعمل على تحقيقها وفق مبادئ ومقررات حزب “البعث العربي الاشتراكي” وتوجيهاته، كما أوجب على نقابتي المحامين والأطباء عند الدعوة لاجتماعات المؤتمر العام للنقابة، دعوة ممثل عن المكتب المختص في القيادة القطرية للحزب تحت طائلة اعتبار الاجتماع غير قانوني. وعلى غرار هذه التشريعات سيطر الحزب على العمل النقابي في الدولة.

هكذا ألغيت المادة الثامنة من الدستور، ولكنها بقيت راسخة في التشريعات المختلفة. وبالرغم من أن دستور 2012 لحظ هذه الناحية ونصَّ بوضوح في المادة (154) منه على أن التشريعات النافذة والصادرة قبل إقرار هذا الدستور تبقى سارية المفعول إلى أن تُعدل بما يتوافق مع أحكامه، على أن يتم التعديل خلال مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات، إلا أن المشرّع لم يفِ بهذه التوصية الدستورية برغم مرور ضعفي المدة التي حددها الدستور.

كان يفترض إلغاء التشريعات التي تمنح الحزب مركزاً قانونياً متميزاً عن غيره من الأحزاب السياسية في مؤسسات العمل النقابي والمجتمعي وأجهزة الدولة كافة، وعلى رأسها السلطة القضائية. لكن لا يلوح في الأفق وجود إرادة سياسية لتنفيذ التوصية الدستورية التي يبدو أنها لن تتمّ قبل إصلاح سياسي يسمح بدخول قوى سياسية ومجتمعية حقيقية للندوة البرلمانية، تعمل على إزالة الظلال الكثيفة للمادة الثامنة.


(1) المرسوم التشريعي رقم /11/ تاريخ 23 آذار 1963

(2) المرسوم التشريعي 127 تاريخ 14/12/1964

(3) فيما بعد استُبدل هذا القانون بقانون التنظيم الفلاحي رقم 21 تاريخ 20/4/1974

وحافظ على نفس الأهداف في المادة 5 التي نصَّت على: “يهدف نشاط التنظيم الفلاحي إلى …. نشر وتعميق الوعي الطبقي وترسيخ النضال القومي الاشتراكي …. وإحلال العلاقة الاشتراكية محل سائر الانتماءات والعلاقات المرضية الأخرى وكذلك تعريف الفلاحين بدورهم النضالي الأساسي في الثورة على واقع التجزئة والتخلف والاستعمار وبناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد”

والمادة 6 التي نصَّت على: “تمارس الجمعية الفلاحية في ….. نشر وتعميق الوعي الطبقي وترسيخ النضال القومي الاشتراكي بين أعضائها…”

ثمَّ جرى تعديله بالمرسوم التشريعي رقم 41 تاريخ 14/4/2014 وكان لافتاً إلغاء كافة الإشارات للنضال القومي أو الاشتراكي في القانون.

(4) المرسوم التشريعي رقم 84 تاريخ 26/6/1968.

(5) صدر قانون تنظيم مهنة الهندسة رقم /26/ تاريخ 13/7/1981. وقانون التنظيم النقابي للأطباء البشريين رقم /31/ تاريخ 21/8/1981. وقانون تنظيم مهنة المحاماة رقم /39/ تاريخ 21/8/1981

 

من ملف: “عن غدٍ سوريٍ لا يأتي”

 
×