Image Credit: EMMANUEL DUNAND/AFP VIA GETTY IMAGES

 

في جعبة الصحافيين الغربيين، المتنبّهين على الدوام إلى ما تفرضه الطبقة الحاكمة من قيود، مليون طريقة للتقليل من حجم الوحشية الإسرائيلية أو التعمية عليها في حيّ الشيخ جرّاح في القدس، حيث تقرَّرَ طرد عديد من العائلات الفلسطينية لإفساح المجال للمستوطنين اليهود.

ها هم يعلنون أنَّ الأمر ليس تطهيرًا عرقيًا مباشرًا خالصًا وصرفًا. فثمّة تاريخ متشابك لا بدّ من أخذه في الحسبان، يشمل الإسرائيليين والفلسطينيين والعثمانيين والإنجليز والأردنيين. ثمّ إنَّ المحاكم الإسرائيلية تفحّصت الأدلة وقرَّ قرارُها على أنَّ الأملاك المعنية يهودية. لا يستولي الإسرائيليون على منازل الفلسطينيين عشوائيًا؛ إنّهم منخرطون في مشروع قانوني للتخطيط الحضري.

ليس المبررون بالمخطئين. فالمصادرات المتواصلة منذ عقدين في الشيخ جراح صادقت عليها دولة إسرائيل. لكنَّ هذه بالضبط هي المشكلة. دولة إسرائيل ليست طرفًا محايدًا يصادق على قرارات قانونية وفق معايير إنسانية نزيهة. الغرض الأساس للكيان الصهيوني هو سلب الفلسطينيين أملاكهم. لا شكّ أنَّ لوجود هذه الدولة أسبابًا أخرى، لكنَّ وظيفتها الأساسية منذ أن حلم بها الحالمون الأوروبيون في نهاية القرن التاسع عشر كانت السلب والنهب. ليس العنف في الشيخ جرّاح استثنائيًا. إنّه الصهيونية في صورتها الأنصع.

لا حاجة بالفلسطينيين إلى احترام مؤسسات الدولة الصهيونية، وذلك تحديدًا لأنَّ هذه المؤسسات تنكر على الفلسطينيين أبسط ضرورة سياسية: ألا وهي الوجود. وهي تمثّل آلة الاستعمار. ما من مستعمرة استيطانية إلا وهي مجهّزة بجهاز قانوني لإجازة قسوتها. ولا يسعنا أن ننتظر من المثقفين والسياسيين الغربيين أن يشككوا في المنطق المؤسسي الذي يُنزل بالفلسطينيين أشدّ الضرر، لأنَّ شرعية تلك المؤسسات متوقفة على إعادة إنتاج سلطة الدولة.

لن يخوّل الفلسطينيون المحاكمَ الإسرائيلية حقوقَ السكنى أبدًا. هذه المحاكم تمنح لنفسها سلطة قضائية على حياة الفلسطينيين، لكنَّ لمطالبة الفلسطينيين بالحياة أساسًا أقوى بكثير: تاريخٌ قديم في البلدات والأحياء التي يعيشون فيها، وثقافةٌ لا تنفصل عن محيطهم، ولغةُ حريةٍ متناغمة مع جمال الأرض. يعلم الفلسطينيون تمامًا أنّهم ينتمون. أمّا المحاكم الإسرائيلية فتنتج ضروبًا من النجوى الواهمة الضّالة.

المنطق الكامن وراء مصادرة الأرض في الشيخ جراح هو محض هراء إلى درجة الجنون. بادئ ذي بدء، يحاول هذا المنطق أن يستنزف تعاطف المراقبين. ثمة عائلات تعيش في تلك المنازل، بشر حقيقيون لهم حاجاتهم وتطلعاتهم المعقّدة. وسوف يصبحون بلا مأوى. ومع ذلك، مطلوب منا ألا نهتم لأنَّ هؤلاء البشر هم مجرّد حادث عارض أمام المشروع الأهم المتمثّل بإدارة الحكم الاستعماري إدارة محنّكة. فمصير تلك العائلات ليس قصة، بل تحقيق أماني المستعمرة الاستيطانية هو النظام الطبيعي للأشياء!

لا يبدو أنّه يزعج الطبقات الثرثارة في الولايات المتحدة أنَّ صورة إسرائيل المقدسة عن نفسها تتطلب جهازًا عسكريًا عدوانيًا

ما هو محض هراء أكبر، أنّه مطلوب منا أن نعزو خصائص إثنية لتجريدات وأشياء جامدة. فأساس العدوان الإسرائيلي في الشيخ جراح (كما في جميع أنحاء فلسطين التاريخية) هو استعادة ما يسمى بـ”الأملاك اليهودية”. الأملاك، بعبارة أخرى، لا تعود لأناس صادف أنّهم يهود. الأملاك ذاتها يهودية – لا يمكن لأحد أن يحدّد من أيّ فرقة – وهي لذلك لا تلائم سوى نوع معيّن من السكان. للأملاك نوع من الاستعداد الفطري المحايث. ويبدو أنّها جديرة بالعبادة. وهي تغدو شبيهةً بما هو إنسانيّ ذلك الشبه الفظّ. إنّ إسباغ خصائص طائفية على وحدات سكنية هو مثالٌ على مشكلة إعطاء الأولوية للأملاك على الحياة التي تحسّ وتعي. بهذا المعنى، ليس لمسكنٍ منفعة تتعدّى مشروع الهندسة الديموغرافية. ففي ظل النظام الصهيوني، حتى الطوبة وقذيفة الهاون طائفية.

تعاني الأرض المصير ذاته. يتصورها الصهاينة على أنها “يهودية”، ما يُحوّل العالم الطبيعي إلى تضاريس إقصاء. والأرض، في ترسيمة الصهاينة الهمجية، ليست لذّةً ولا رزقًا. إنّها سلعة. ومثل جميع الموارد في الاقتصاد الاستعماري، يُمنَح الوصول إليها (أو يُمنَع) وفق معايير تمييزية، هي في هذه الحالة الهوية الدينية، على نحو ما تحدّدها الحكومة. ليس لدى الصهيونية فكرة حقّة عن المشتركات أو الأملاك العامة. الفضاء العام هو شأن شخصي للغاية، تُرسَم حدوده ويُقسَم بناءً على هَوس فجّ بالوراثيات. علم الأحياء ليس دافعًا للقرابة، بل ذريعة للفصل، الصارم والدائم.

تكفّ الأرض، بعد أن مُسِحَت يهودية، عن أن تكون دينامية. تغدو تلفيقًا أيديولوجيًا بخصائص ثابتة. ولا يبدو أنّه يزعج الطبقات الثرثارة في الولايات المتحدة أنَّ صورة إسرائيل المقدّسة عن نفسها تتطلب جهازًا عسكريًا عدوانيًا، ولا أنَّ هذه الصورة لا تؤتي أُكلها إلا بطرد الأبرياء من منازلهم وتدمير إمكانية قيام مجتمع مدني فعّال. فبلادهم أيضًا بُنيَت، في النهاية، على النوع ذاته من العنف العنصري.

لا يعتصم الفلسطينيون بـ”الدين الصحيح”، وبذلك يغدون فائضين. التشريد هو مصيرهم الطبيعي. يصل الجنود بالهراوات والقنابل الصوتية، بالغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية. يلوّحون بأوامر المحكمة، موضحين أنَّ الحيّ يجب أن يستضيف صنفًا مختلفًا من السكّان. يفتعل المستوطنون المرافقون للجنود شجارات دموية. يفلت الجندي والمستوطن معًا عنان الجحيم على بشر دافعهم الأساسي هو الوجود. هذا ما يحبّ المستعمرون تسميته بـ”الديمقراطية”.

الأرض يهودية. المنازل يهودية أيضًا. الفلسطينيون مجرد بشر. لا مكان لمثل هذه المخلوقات في مجتمع غير بشريّ.

 

*أرسل الكاتب هذه المقالة بالإنكليزية وترجمها إلى العربية ثائر ديب
أعاد الكاتب نشرها بالإنكليزية على موقعه الخاص

 
×